الركراكي يروي كواليس ملحمة قطر: رفضت تدريب المغرب من أجل المشاركة فقط وغيّرنا عقلية أمة
كشف الناخب الوطني السابق وليد الركراكي تفاصيل جديدة عن كواليس توليه قيادة المنتخب المغربي والمسار التاريخي لـ”أسود الأطلس” في نهائيات كأس العالم قطر 2022، مؤكدا أنه اشترط منذ البداية وجود مشروع رياضي يقوم على المنافسة، لا الاكتفاء بضمان الحضور في المونديال.
وأوضح الركراكي، في حوار مطول نشرته منصة “The Coaches’ Voice”، أمس الاثنين 27 يوليوز 2026، أنه أبلغ مسؤولي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قبل قبول المهمة، بأنه لن يتولى تدريب المنتخب إذا كان الهدف يقتصر على المشاركة، مشددا على أن المغرب يمتلك من الإمكانات البشرية ما يسمح له بمقارعة كبار كرة القدم العالمية.
وقال الركراكي إن معاينته جودة اللاعبين المغاربة المنتشرين في الدوريات الأوروبية والعربية عززت اقتناعه بإمكانية تحقيق إنجاز كبير، رغم صعوبة الظرفية التي تسلم فيها مهامه، قبل حوالي ثلاثة أشهر فقط من انطلاق مونديال قطر.
وأضاف أن ضيق الوقت كان التحدي الأكبر أمام الطاقم التقني، إذ كان مطالبا في فترة وجيزة بتشكيل جهاز فني متكامل، وإعادة بعض اللاعبين إلى المنتخب، وترميم العلاقات داخل المجموعة، ووضع هوية تكتيكية واضحة، إلى جانب الاستعداد النفسي والبدني لمنافسة من أعلى مستوى.
واستعاد الركراكي المباراة الافتتاحية أمام كرواتيا، موضحا أن الأولوية كانت تفادي الهزيمة، بعدما أظهرت تجربة مونديال روسيا 2018 أن الخسارة في اللقاء الأول قد تربك مسار المنتخب بالكامل، مقرا بأن الحذر طغى على أداء اللاعبين خلال المواجهة، غير أن التعادل منح المجموعة دفعة نفسية قوية.
وبحسب المتحدث ذاته، شكل الانتصار على بلجيكا نقطة التحول الحقيقية، بعدما أدرك اللاعبون أنهم قادرون على التفوق على أحد أقوى المنتخبات العالمية، قبل أن يضمن الفوز على كندا التأهل إلى ثمن النهائي في صدارة المجموعة، متجاوزا الهدف الأول المتمثل في تكرار إنجاز جيل 1986.
وأوضح الركراكي أنه دعا لاعبيه، بعد عبور دور المجموعات، إلى عدم الاكتفاء بالتأهل، وخاطبهم قبل مواجهة إسبانيا بأن دخول تاريخ الكرة المغربية يمر عبر إقصاء المنتخب الإسباني. وبعد تحقيق ذلك، انتقل الخطاب داخل المجموعة إلى هدف جديد، تمثل في كتابة تاريخ القارة الإفريقية ببلوغ نصف النهائي على حساب البرتغال.
وأكد الناخب الوطني السابق أن اللحظات الأخيرة من مباراة البرتغال كانت من أصعب فترات البطولة، خصوصا بعدما أكمل المنتخب المواجهة بعشرة لاعبين عقب طرد وليد شديرة، مشيرا إلى أن الضغط ازداد بسبب تجارب منتخبات إفريقية سابقة كانت قريبة من إنجازات تاريخية قبل أن تتعثر في الدقائق الأخيرة.
وبمجرد إطلاق صافرة النهاية، أدرك الركراكي أن المغرب دخل تاريخ كأس العالم باعتباره أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف النهائي، مبرزا أن الطموح داخل المجموعة ارتفع حينها إلى التتويج باللقب، وأن اللاعبين دخلوا مواجهة فرنسا وهم يؤمنون فعلا بإمكانية بلوغ النهائي والفوز بالكأس.
وكان الركراكي قد قدم، مطلع يوليوز الجاري، درسا تكتيكيا منفصلا حول الفوز على البرتغال، شرح خلاله اعتماد المنتخب على تنظيم دفاعي بصيغة “4-1-4-1″، مع تضييق المساحات والبحث عن استغلال الجهة البعيدة عند بناء الهجمات، قبل تعديل التنظيم خلال الشوط الثاني للحد من خطورة البرتغاليين بعد دخول كريستيانو رونالدو.
وشدد الركراكي على أن التكتيك لم يكن العامل الوحيد في بلوغ نصف النهائي، مبرزا الدور الحاسم للروح الجماعية والانضباط والتضامن بين اللاعبين، وهي عناصر مكنت المنتخب من الصمود أمام الضغط، رغم الإصابات والإيقاف والغيابات التي أثرت في جاهزية المجموعة خلال الأدوار الأخيرة.
وبعد العودة من قطر، كشف الركراكي أنه اجتمع برئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لمناقشة العناصر التي يحتاجها المنتخب حتى يصبح منافسا دائما في البطولات الكبرى، معتبرا أن بلوغ نصف النهائي يجب أن يشكل بداية مشروع طويل، وليس محطة استثنائية تنتهي بانتهاء المونديال.
وأكد أن المنتخب كان يحتاج إلى توسيع قاعدة الاختيار ورفع جودة دكة البدلاء، إلى جانب بناء “ثقافة تنافسية” تسمح بتكرار الحضور في الأدوار المتقدمة، مشيرا إلى العمل على استقطاب مواهب مزدوجة الجنسية، من بينها إبراهيم دياز وإلياس بنصغير وإلياس أخوماش وبلال الخنوس ونيل العيناوي وأيوب بوعدي وآدم أزنو وشمس الدين طالبي.
كما توقف الركراكي عند أهمية تكامل العمل بين المنتخب الأول والفئات العمرية، مستحضرا تتويج المنتخب المغربي لأقل من 23 سنة بكأس إفريقيا سنة 2023، قبل إحرازه الميدالية البرونزية في الألعاب الأولمبية بباريس سنة 2024، باعتبار ذلك مؤشرا على توفر الكرة المغربية على قاعدة بشرية قادرة على ضمان الاستمرارية.
واعتبر الركراكي أن أكبر إنجاز حققه خلال تجربته لا يتمثل فقط في النتائج المسجلة بمونديال قطر، بل في تغيير عقلية اللاعبين والجماهير، موضحا أن الحديث عن قدرة المغرب على الفوز بكأس العالم كان يُستقبل في السابق بشيء من الاستغراب، بينما تحول اليوم إلى طموح مشروع يؤمن به قطاع واسع من المغاربة.
ويأتي خرجة الركراكي الإعلامية بعد أشهر من مغادرة منصبه في مارس 2026، منهيا تجربة امتدت منذ غشت 2022 وقاد خلالها المنتخب إلى إنجاز غير مسبوق في قطر، قبل أن يخلفه محمد وهبي على رأس العارضة التقنية لـ”أسود الأطلس”.
اترك تعليقاً