حوارات

الشريعي: برامج البنك الدولي عمّقت البطالة بالمغرب.. والمقاربة الأمنية لن تمنع الشباب من الهجرة

مجموعة أشخاص في الماء قرب شاطئ صخري وسياج خشبي في سبتة

كشف رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب محمد رشيد الشريعي أن محاولات الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة تعكس اختلالات بنيوية في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة. وأكد الحقوقي أن السياسات الحكومية المتبعة والتي اعتبرها مملاة من قبل البنك الدولي ساهمت في اتساع رقعة البطالة والهشاشة وتفاقم غلاء الأسعار دون استحضار حقوق المواطنين ضمن الأولويات رغم تنصيص الدستور والمواثيق الدولية على الحق في العيش الكريم.

وأوضح الفاعل الحقوقي في حوار مع جريدة “العمق” أن لكل إنسان الحق في مغادرة بلده بحثا عن فرص أفضل غير أن ذلك لا يسلب الدولة حقها السيادي في حماية حدودها ومكافحة الهجرة غير النظامية. وشدد المتحدث على ضرورة أن تتوافق هذه الإجراءات الحمائية مع القانون الدولي محذرا من المساس بالكرامة الإنسانية للمهاجرين مع وجوب ضمان الرعاية الصحية والمحاكمة العادلة واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية للمهددين في بلدانهم الأصلية.

واعتبر المسؤول الحقوقي أن المقاربة المعتمدة على التشديد الأمني وحده تبقى قاصرة ومحدودة الأثر لأنها لا تعالج الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب نحو الهجرة وعلى رأسها الفقر وانعدام الفرص. وأشار المصدر إلى أن الاستراتيجية الأكثر نجاعة تتطلب الجمع بين التدابير الأمنية المشروعة وتعزيز الحقوق لتوفير بدائل حقيقية للمواطنين إلى جانب مكافحة شبكات تهريب البشر وتدبير الحدود بصورة تحفظ سيادة الدولة وتحترم حقوق الأفراد.

وخلص الشريعي إلى توجيه انتقادات للسياسات الحالية التي قال إنها فشلت في معالجة الأوضاع مكتفية بالمقاربة الأمنية تجاه الأصوات المنتقدة في ظل تراجع القدرة الشرائية. وحذر المتحدث من الانعكاسات السلبية لعدم صدور موقف حكومي واضح بشأن وفيات الهجرة الجماعية داعيا إلى تحمل المسؤولية السياسية وإحداث انفراج حقوقي يطوي صفحة الماضي عبر إطلاق سراح جميع المعتقلين.

وهذا نص الحوار :

من منظور حقوق الإنسان، كيف يمكن تحقيق التوازن بين حق الأفراد في البحث عن حياة أفضل وحق الدولة في حماية حدودها ومنع الهجرة غير النظامية؟

أعتقد، ومن منظور كونية وشمولية حقوق الإنسان، أن المواثيق الدولية ودستور المغرب يضمنان للمواطنين الحق في العيش الكريم، والحق في الشغل، والصحة، والتعليم. غير أن السياسات المتبعة، من خلال البرامج التي أعتبر أنها مملاة من قبل البنك الدولي، ساهمت في اتساع رقعة البطالة والهشاشة وتفاقم غلاء الأسعار والفقر، دون أن تستحضر حقوق المواطنين ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة.

لكل إنسان الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والبحث عن فرص أفضل أو طلب اللجوء إذا كان معرضا للاضطهاد أو الخطر، لكن ذلك لا يعني وجود حق تلقائي في دخول أي دولة أو الإقامة فيها. وفي المقابل، من حق الدولة تنظيم دخول الأجانب والإقامة على أراضيها، ووضع قوانين لمكافحة الهجرة غير النظامية وحماية الأمن والنظام العام، شريطة أن تكون هذه الإجراءات متوافقة مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.

كما ينبغي احترام الكرامة الإنسانية للمهاجرين، حتى في حالات الهجرة غير النظامية، ومنع التعذيب أو المعاملة القاسية، وضمان الحقوق الأساسية، مثل الرعاية الصحية والمحاكمة العادلة عند الحاجة، مع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية بالنسبة للأشخاص الذين قد يتعرضون للاضطهاد أو الخطر في بلدانهم.

وأعتقد أن الإرادة الحقيقية لمعالجة أسباب الهجرة تكمن في اعتماد برامج تجعل القضاء على الفقر والفوارق الاجتماعية والنهوض بالأوضاع الحقوقية ضمن أولويات الحكومة. فالتوازن يتحقق عندما تمارس الدولة حقها في حماية حدودها بطريقة قانونية وإنسانية، وليس فقط من خلال استحضار المقاربة الأمنية.

 هل تعكس محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة وجود اختلالات في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أم أنها ظاهرة تتجاوز المقاربة الحقوقية إلى عوامل أخرى؟

محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة تعكس، في تقديري، اختلالات بنيوية في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكنها لا تفسر بهذا العامل وحده، لأن الظاهرة متعددة الأبعاد، وتتداخل فيها عوامل حقوقية واقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية.

من الناحية الحقوقية، تشير هذه المحاولات إلى صعوبات في التمتع بحقوق أساسية، مثل الحق في العمل، والحصول على دخل لائق، والحق في مستوى معيشي مناسب، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص التنمية، إضافة إلى ضعف تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة إلى الشباب، وهو ما يدفع بعضهم إلى البحث عن مستقبل أفضل خارج الوطن.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال عوامل أخرى، منها الفوارق الاقتصادية بين دول المنشأ ودول المقصد، والصراعات وعدم الاستقرار السياسي في بعض البلدان، وشبكات تهريب المهاجرين التي تستغل رغبة الناس في الهجرة، فضلا عن التصورات حول فرص العيش والعمل في أوروبا، والعوامل العائلية والاجتماعية، مثل وجود أقارب في الخارج أو الرغبة في لم شمل الأسرة.

لذلك، فإن معالجة الظاهرة تستوجب مقاربة شاملة تجمع بين تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين فرص التشغيل والتنمية، وتوفير مسارات قانونية وآمنة للهجرة متى كان ذلك ممكنا، إلى جانب مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وإدارة الحدود بما يحترم حقوق الإنسان ويحافظ في الوقت نفسه على أمن الدول وسيادتها.

 ما المقاربة الحقوقية الأكثر نجاعة للحد من هذه الظاهرة: التشديد الأمني، أم تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أم الجمع بينهما؟

من منظور حقوق الإنسان، أرى أن المقاربة الأكثر نجاعة هي الجمع بين التدابير الأمنية المشروعة وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لأن كل مقاربة بمفردها تبقى محدودة الأثر.

فالتشديد الأمني قد يساهم في الحد من بعض محاولات العبور غير النظامي وحماية الحدود، لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية التي تدفع الأشخاص إلى الهجرة، مثل الفقر والبطالة وانعدام الفرص، كما ينبغي أن يتم دائما في إطار احترام حقوق الإنسان ومبدأ التناسب.

وفي المقابل، فإن تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يمنح المواطنين بدائل حقيقية عن الهجرة غير النظامية. ولذلك، فإن المقاربة المتكاملة تقتضي إدارة الحدود بصورة قانونية وإنسانية، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والاستثمار في التنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع إحداث انفراج حقيقي يطوي صفحة الماضي من خلال إطلاق سراح جميع المعتقلين، بما يسمح ببناء مغرب يتسع لجميع المغاربة.

وأعتبر أن السياسات الحكومية الحالية لم تنجح في معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، بل اقتصرت، في تقديري، على المقاربة الأمنية في التعامل مع الأصوات المنتقدة، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. كما أن عدم صدور موقف حكومي واضح بشأن محاولات الهجرة الجماعية وما خلفته من وفيات قد تكون له، برأيي، انعكاسات سلبية على صورة المغرب. ولذلك، أرى أنه لا يمكن بناء مغرب الحقوق والحريات في ظل هذا السياق، وهو ما يدفعني إلى اعتبار أن الحكومة تتحمل مسؤولية هذا الإخفاق، وأدعوها إلى تحمل مسؤوليتها السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • أحمد لمباركي
    منذ شهرين

    رغم أن الدستور المغربي والمواثق الدولية تعطي للمواطن الحق في التعليم والصحة والعيش الكريم .فإن البنك الدولي لايعترف بذلك،لان سياسته لا تتماشى مع املاءاته. والحكومة المغربية تنفد شروطه حرفيا.حتى تبقى الديون في مأما بعيدة عن المرافق غير المنتجة. وهذا ماتسبب في في إرتفاع مؤشر البطالة التي انبتقت عنها هذه الهجرة التي صدمت العالم.