وجهة نظر

من حماية الحدود إلى حماية العقول.. حين تصبح الخوارزميات جزءاً من معادلة الأمن الوطني

لا ينبغي قراءة ما يحدث في محيط سبتة ومليلية باعتباره مجرد موجة عابرة من محاولات الهجرة غير النظامية، ولا اختزاله في صور شباب يركضون نحو الشاطئ أو يغامرون بحياتهم في البحر. فالمشهد الذي نراه عند الحدود قد يكون الحلقة الأخيرة في مسار بدأ قبل ذلك داخل الهواتف المحمولة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي مجموعات المحادثة المغلقة، وبين مقاطع قصيرة تقدم العبور باعتباره سهلاً، قريباً، ومتاحاً لمن يجرؤ على المحاولة.

وقد عرفت سبتة خلال الأيام الأخيرة تدفقاً استثنائياً للمهاجرين القادمين من السواحل المغربية، غالبيتهم من الشباب، ما تسبب في ضغط كبير على مرافق الاستقبال، خصوصاً تلك المخصصة للقاصرين غير المصحوبين. كما أظهرت التطورات حجم المخاطر الإنسانية المرتبطة بمحاولات العبور سباحةً، إلى جانب استنفار أمني وسياسي واسع في الجانب الإسباني.

غير أن خطورة هذه الأحداث لا تكمن فقط فيما وقع عند الحدود، بل أيضاً في السؤال الذي يسبق ذلك: كيف تشكل القرار لدى مئات الشباب في وقت متقارب؟ ومن أقنعهم بأن الوصول ممكن وأن المخاطرة تستحق المحاولة؟

قبل أن تتحرك الأجساد تتحرك الأفكار

لا يتخذ الشاب قرار الهجرة عبر البحر في لحظة واحدة. فقد تسبق ذلك أيام أو أسابيع من التعرض لمقاطع تصور أشخاصاً نجحوا في الوصول، ورسائل تتحدث عن فتح الحدود أو ضعف المراقبة، ودعوات مجهولة المصدر تحث على التحرك في توقيت محدد.

وغالباً ما تركز هذه المضامين على لحظة الوصول والفرح، بينما تخفي ما سبقها من خوف واحتمال الغرق، وما يليها من هشاشة واستغلال وتشرد وصعوبات قانونية وإنسانية.

هنا تظهر قوة المنصات الرقمية؛ فهي لم تعد مجرد وسائل تنقل المعلومة، بل أصبحت فضاءات تشكل الانطباعات وتعيد ترتيب الأولويات وتؤثر في القرارات. فعندما يشاهد المستخدم مقطعاً واحداً عن نجاح شخص في العبور، قد تعرض عليه الخوارزمية عشرات المقاطع المشابهة، فيتوهم أن ما يشاهده ظاهرة عامة، وأن الجميع يغادرون، وأن الفرصة المتاحة أمامه لن تتكرر.

وبذلك يتحول الاستثناء في الواقع إلى قاعدة داخل البيئة الرقمية، ويتحول الفيديو القصير من محتوى عابر إلى عنصر مؤثر في قرار قد يهدد حياة صاحبه.

هل يوجد تأطير رقمي منظم؟

تثير سرعة انتشار بعض الدعوات والتجمعات تساؤلات مشروعة حول احتمال وجود تنسيق عبر منصات مثل «ديسكورد» أو «تيليغرام» أو مجموعات مغلقة في تطبيقات أخرى.

غير أنه لا يصح مهنياً أو قانونياً الجزم بأن منصة بعينها تقف وراء الأحداث من دون أدلة تقنية معلنة وتحقيقات موثوقة. فالمنصات قد تُستعمل في التنسيق، لكنها قد تكون أيضاً مجرد فضاء تنتشر فيه دعوات عفوية أو إشاعات يجري تضخيمها من دون قيادة مركزية.

المطلوب ليس توجيه اتهامات عامة، بل طرح أسئلة دقيقة: هل ظهرت الدعوات بصورة متزامنة؟ هل انطلقت من حسابات حقيقية أم وهمية؟ هل استُعملت حسابات آلية لتضخيمها؟ هل جرى تداول معلومات كاذبة عن فتح الحدود؟ وهل توجد جهات تستثمر في إحباط الشباب لتوجيههم نحو سلوك جماعي خطير؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى تحليل رقمي احترافي، لا إلى التخمين أو التفسير الانفعالي.

أمامنا أجيال خوارزمية

ينتمي جزء كبير من الشباب الحالي إلى جيل «زد»، بينما ينتمي الأطفال والمراهقون الأصغر سناً إلى جيل «ألفا». أما جيل «بيتا»، الذي بدأ ميلاده حديثاً، فسينشأ في بيئة أكثر اندماجاً بالذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمساعدات الرقمية.

هذه الأجيال لا تستعمل الإنترنت باعتباره أداة إضافية، بل تعيش جزءاً مهماً من حياتها داخله. فهي تتعلم وتتواصل وتبحث عن الاعتراف وتصنع مواقفها من خلال منصات رقمية تعرف عنها أحياناً أكثر مما تعرفه عنها مؤسسات التنشئة التقليدية.

لقد أصبحت الخوارزمية فاعلاً جديداً يشارك الأسرة والمدرسة والشارع في تشكيل الوعي. فهي تتعلم اهتمامات المستخدم ومخاوفه، ثم تقدم له المحتوى الذي يثير انفعاله ويطيل مدة بقائه أمام الشاشة.

لذلك يمكن وصف هذه الأجيال بأنها أجيال خوارزمية بامتياز؛ ليس لأنها فقدت إرادتها أو قدرتها على التفكير، بل لأن جزءاً مهماً مما تراه وتناقشه وتعتبره مهماً أصبح يُرتب لها بواسطة أنظمة رقمية لا تعرف دائماً منطق اشتغالها.

الدولة أمام ضرورة اليقظة الرقمية

تظل حماية الحدود مسؤولية سيادية أساسية، لكن طبيعة المخاطر الجديدة تفرض الانتقال من التدخل بعد وصول الأشخاص إلى الشاطئ أو الحدود، إلى استباق المؤشرات الرقمية التي قد تسبق الحدث.

وهنا ينبغي التمييز بين اليقظة الرقمية والمراقبة الشاملة.

فاليقظة الرقمية تعني تحليل المحتوى المتاح للعموم، ورصد حملات التضليل المنسقة، واكتشاف الانتشار المفاجئ للدعوات الخطرة، وتتبع الحسابات الوهمية والآلية، وتقييم أثر الرسائل التي يمكن أن تعرض حياة القاصرين والشباب للخطر.

أما المراقبة الشاملة فتعني التعامل مع جميع المواطنين باعتبارهم موضع اشتباه، أو اختراق محادثاتهم الخاصة من دون سند قانوني، وهو مسار قد يمس الخصوصية ويضعف الثقة في المؤسسات ويدفع الشباب نحو فضاءات أكثر انغلاقاً.

إن الدولة الذكية ليست الدولة التي تراقب مواطنيها أكثر، وإنما الدولة التي تفهم مجالها الرقمي بصورة أفضل، وتتدخل بسرعة وشفافية وفي إطار القانون.

وقد اعتمد المغرب استراتيجية وطنية للأمن السيبراني في أفق سنة 2030، تسعى إلى تعزيز أمن الفضاء السيبراني الوطني ورفع قدرته على الصمود وتطوير التنسيق بين مختلف المتدخلين. ويمكن البناء على هذا التوجه لتطوير بعد وطني يتعلق بحماية سلامة المجال المعلوماتي من التضليل الرقمي والتلاعب السلوكي، مع التمييز دائماً بين الأمن السيبراني التقني وبين مراقبة الرأي والتعبير.

لا نحتاج إلى دولة مراقبة

الدعوة إلى حماية الاستقرار الوطني لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتقييد النقاش العمومي أو تجريم التعبير الشبابي. فالتعبير عن الإحباط، وانتقاد السياسات العمومية، والمطالبة بالحقوق، كلها ممارسات مشروعة لا يجوز خلطها بالدعوات التي تحرض على العنف أو تعرض حياة الناس للخطر.

ولهذا يجب أن تخضع أي منظومة لليقظة الرقمية لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وتحديد الغرض والرقابة القضائية وحماية المعطيات الشخصية.

وينظم القانون رقم 09.08 معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي في المغرب، ويهدف إلى حماية الأشخاص من الاستعمالات التي قد تمس حياتهم الخاصة، كما أحدث اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لتتبع احترام هذا الإطار.

المعادلة المطلوبة ليست الاختيار بين الأمن والحرية، بل بناء أمن يحمي الحرية، وحرية لا تُستغل لتعريض حياة الشباب والقاصرين للخطر.

التواصل الرقمي جزء من الأمن الوطني

عندما تنتشر إشاعة بأن الحدود أصبحت مفتوحة أو أن العبور صار سهلاً، لا يكفي إصدار بلاغ رسمي بعد مرور ساعات طويلة أو أيام. فالزمن الرقمي يقاس بالدقائق، وكل تأخر في تقديم المعلومة الصحيحة يمنح الرواية المضللة فرصة للوصول إلى آلاف المستخدمين.

لذلك تحتاج المؤسسات إلى آليات اتصال رقمي للأزمات، قادرة على التحقق السريع وإنتاج رسائل مختصرة وواضحة ومقنعة، ونشرها عبر المنصات نفسها التي ظهرت فيها المعلومة المضللة.

فالبلاغ الإداري المطول، مهما كان دقيقاً، قد لا يستطيع منافسة مقطع عاطفي لا تتجاوز مدته عشرين ثانية. ولم يعد كافياً أن تكون المعلومة الرسمية صحيحة؛ بل ينبغي أن تكون أيضاً سريعة ومفهومة وقابلة للتداول.

كما يجب ألا يقتصر الخطاب على التحذير من البحر أو التخويف من النتائج الأمنية، بل ينبغي أن يقدم صورة واقعية لما ينتظر المهاجر بعد العبور: الهشاشة، وصعوبة الحصول على وضع قانوني، والاستغلال، والانقطاع الأسري، والآثار النفسية والاجتماعية التي لا تظهر في المقاطع الاحتفالية.

حماية العقول تبدأ من التربية الخوارزمية

لقد أصبحت التربية الإعلامية والرقمية ضرورة وطنية، وليست نشاطاً تكميلياً يمكن تأجيله. فالشباب يحتاجون إلى فهم طريقة عمل خوارزميات التوصية، ولماذا تعرض عليهم المنصات محتوى معيناً بصورة متكررة، وكيف يمكن لمقطع واحد أن يقودهم إلى سلسلة كاملة من الرسائل المتشابهة.

كما يحتاجون إلى تعلم كيفية التحقق من مصدر الخبر، وفحص تاريخ الصور والمقاطع، والتمييز بين الحساب الحقيقي والوهمي، والتعرف على أساليب التضليل والاستقطاب والتلاعب العاطفي.

لكن هذه التربية لن تنجح إذا قُدمت في شكل محاضرات جافة أو نصائح أبوية تقليدية. ينبغي أن تكون تفاعلية، مرتبطة بحالات واقعية، وأن يشارك الشباب أنفسهم في إعدادها ونشرها.

إن حماية العقول لا تعني منع الشباب من الوصول إلى المعلومات، بل تمكينهم من الأدوات التي تساعدهم على تقييمها واتخاذ موقف واعٍ منها.

الشباب شركاء لا موضوع للمراقبة

سيكون من الخطأ النظر إلى جيل «زد» باعتباره مشكلة أمنية. فهذا الجيل يمتلك قدرة كبيرة على التعلم السريع والتنظيم والإبداع وصناعة المحتوى، لكنه يعيش في الوقت نفسه تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية وإعلامية غير مسبوقة.

ولا يمكن للدولة أن تفهم المجال الرقمي من دون إشراك من يعيشون داخله. لذلك يمكن دعم شبكات شبابية تضم طلبة وباحثين ومتخصصين في البيانات وصناع محتوى، للمساهمة في التحقق من الأخبار، وإنتاج محتوى توعوي، ورصد الدعوات التي تهدد سلامة القاصرين داخل الفضاءات المفتوحة.

كما ينبغي إشراك الأسر والمدارس والجامعات والجمعيات والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لأن مواجهة التضليل ليست مهمة أمنية أو تقنية فقط؛ بل هي مسؤولية تربوية واجتماعية وثقافية مشتركة.

معالجة الأسباب قبل مراقبة النتائج

مهما بلغت كفاءة أدوات الرصد والتحليل، فلن تستطيع معالجة مشكلة شاب يعتقد أنه لا يملك مستقبلاً داخل وطنه.

فالمنصات لا تخلق الإحباط دائماً، لكنها قد تلتقطه وتوجهه وتضخمه. والخوارزمية لا تدفع كل شاب إلى البحر، لكنها قد تجعله يرى البحر أقرب إليه من المدرسة والعمل والمشروع الشخصي.

ولهذا لا يمكن فصل اليقظة الرقمية عن معالجة البطالة والهشاشة والانقطاع الدراسي وضعف الثقة وغياب الأفق. وكل خطاب توعوي لا يرافقه تحسن ملموس في التعليم والتكوين وفرص الشغل والعدالة المجالية سيظل محدود التأثير.

حماية العقول لا تتحقق فقط بكشف المعلومة الكاذبة، بل أيضاً ببناء الثقة، وتوفير البدائل، ومنح الشباب أسباباً حقيقية للبقاء والمشاركة والأمل.

الحدود الجديدة غير مرئية

ما يحدث في محيط سبتة ومليلية يجب أن يشكل جرس إنذار بشأن التحول العميق الذي طرأ على صناعة الرأي وتوجيه السلوك الجماعي.

فالحدود الحديثة لا توجد فقط في اليابسة والبحر؛ بعضها يوجد داخل شاشة صغيرة يحملها الشاب في يده. ويمكن حماية الحدود المادية بالحواجز والدوريات والتجهيزات، أما الحدود الرقمية فتحتاج إلى معرفة وخبرة وتواصل وتربية وقانون.

ولذلك لم يعد السؤال الأمني مقتصراً على: من يحاول عبور الحدود؟

بل أصبح من الضروري أن نسأل أيضاً: من صنع الرواية التي دفعته إلى العبور؟ كيف انتشرت؟ هل كانت عفوية أم منسقة؟ هل قامت على معلومات صحيحة أم على التضليل؟ ولماذا كانت أسرع وأكثر إقناعاً من خطاب المؤسسات؟

إن حماية الوطن في العصر الخوارزمي لا تبدأ فقط عند الحدود، بل تبدأ قبل ذلك داخل المدرسة والأسرة والمنصة الرقمية، ومن خلال بناء وعي قادر على مقاومة التضليل واتخاذ القرار المسؤول.

فحماية الحدود تصون المجال الوطني، أما حماية العقول فتصون مستقبل الوطن.

* خبير في التحول الرقمي في مجال العدالة ;باحث في الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *