وجهة نظر

إحتجاج أنثروبونيمي

كل من انصرف إلى التأمل في أعمال الفيلسوف الألماني هيغل بقدر من التمحيص والتدقيق سيلاحظ بشكل جلي إهتمام هذا الأخير بمسألة المصير الذي ينتهي إليه كبار صناع التاريخ،متسائلا في ذلك عما يستفيدون منه في مسيرة حافلة بالتضحيات، إذا كان مصير كثير منهم هو النفي أو السقوط صريعا، وكأنهم أدوات استنفدت وظيفتها ثم أُلقي بها جانبا. وقد صاغ إجابته في إطار نظريته المعروفة بمكر التاريخ، التي تجعل الفاعل الإنساني خاضعا لإرادة الروح المطلقة أو للعقل الكلي الذي يتجلى عبر حركة التاريخ، بحيث لا تكمن القيمة الحقيقية لما يحققه العظماء في مصائرهم الشخصية، وإنما في الغاية التاريخية التي أنجزوها،وفي الفكرة التي جسدوها على أرض الواقع، باعتبارها التعبير الأسمى عن منطق التاريخ وتطوره.غير أن هذا التصور بما ينطوي عليه من نزعة حتمية تخضع الإنسان إلى سلطة التاريخ وتجعله مجرد أداة لتحقيق غاياته، لم يعد بمنأى عن الرقابة المجتمعية و النقد السياسي. وعلى هذا الأساس برزت اتجاهات فكرية عديدة أعادت الاعتبار إلى الفاعل الإنساني بوصفه قوة قادرة على صناعة التاريخ وتوجيه مساره، وإن اختلفت في تحديد نطاق هذه القدرة وحدودها. فقد ذهب كل من فريدريك إنغلز وكارل ماركس وجان بول سارتر ولويس ألتوسير وغيرهم، إلى أن الإنسان لا يكون أسير الشروط التاريخية إلا بقدر جهله بها، أما متى امتلك وعيا ببنيتها وآليات اشتغالها، فإنه يغدو قادرا على التأثير فيها وإعادة تشكيلها. وتؤكد الوقائع التاريخية، في امتدادها الزمني الطويل، أن التاريخ لم يكن نتاج إرادة منفردة أوقوة غيبية تتجاوز الفاعلين الاجتماعيين، بل هو حصيلة متراكمة لصراعات متواصلة وتمردات متعاقبة أعادت تشكيل موازين القوة داخل المجتمعات. فمنذ فجر التاريخ، لم تتوقف حركات الاحتجاج والمقاومة عن التعبير عن رفض علاقات الهيمنة، سواء تجلت في تمرد الأبناء على سلطة الآباء، أو المظلومين على الظالمين، أو الفقراء على الأغنياء، أو الفئات المهمشة على مراكز النفوذ والسيطرة. ومن ثم، فإن الاحتجاج لا يمثل ظاهرة استثنائية أوطارئة، وإنما يشكل بنية ملازمة للتنظيم الاجتماعي، تتجدد وتتغير بتغير الأزمنة والسياقات، محافظة على جوهرها بوصفها أحد أبرز تجليات الفاعلية الاجتماعية وآلية أساسية لإعادة إنتاج التوازنات السياسية والاجتماعية وصياغة المعنى العميق للحياة الجماعية.

لكن و في ظل المتغيرات الراهنة، برزت أنماط جديدة ومتعددة للاحتجاج، لم تعد معها شرعية الشخصيات العامة والفاعل السياسي على الخصوص تستمد على نحو حصري من مخرجات صناديق الاقتراع أو من مؤشرات استطلاعات الرأي، بل أضحت تخضع إلى مؤشرات إجتماعية أكثر نفاذا إلى الوعي الجمعي وأشد قدرة على استكناه المزاج العام. ومن بين هذه المؤشرات ذات الدلالة العميقة، القرار الجماعي الذي توافق عليه جل البريطانيين، و المتمثل في الامتناع طوال مدة سنتين، عن إطلاق اسم (كير) على مواليدهم الجدد، و كير هو الاسم الذي يحمله رئيس الوزراء البريطاني (كير ستارمر)، وذلك قبل أن تنتهي ولايته السياسية بالاستقالة عقب توالي الأزمات وتآكل رصيده الشعبي. ان هذا القرار أو بالأحرى هذه التعبير الجمعي إن صح القول ليس مجرد مفارقة اجتماعية عابرة، وإنما هو شكل متقدم من أشكال الاحتجاج أو العقاب الذي تمارسه الجماعة بحق من فقد شرعيته داخل المجتمع. بحيث لا وجود لاحتجاجات صاخبة، ولا حملات إعلامية حادة، ولا مظاهرات تجوب الشوارع، و إنما مجرد قرار جماعي صامت يقضي بإقصاء الاسم من الذاكرة المستقبلية للأمة. وكأن المجتمع قد استبدل صندوق الاقتراع بسجل الحالة المدنية، ليعلن أن الشرعية لا تنتزع فقط في الانتخابات، وإنما تسحب أيضا من داخل المجال العام الذي يمنح الأسماء خلودها واستمرارها عبر الأجيال. ومن المعلوم على أن هذا المسلك لم يكن مألوفا في التاريخ السياسي البريطاني،فقد شهدت المملكة المتحدة كما باقي الدول حقبا زمنية كان فيها المواطنون يتنافسون على تخليد أسماء قادتهم بإطلاقها على أبنائهم، على اعتبار الاسم هو امتداد استعاري للإعجاب والاعتراف بالفضل. غير أن اسم (كير) بدا وكأنه دخل عزلة اجتماعية غير معلنة، فأصبح غيابه عن دفاتر المواليد بمثابة استفتاء صامت على تراجع مكانته داخل الضمير الجمعي. فالأسماء ليست وحدات لغوية جامدة، بل هي رأسمال أيقوني يعكس مقدار الحضور الذي يتركه الإنسان في وجدان مجتمعه.

و التاريخ السياسي العالمي ليس ببعيد عن هذا النمط من التعبير كما سبق و ان ذكرنا. فقد ضمرت مجموعة من الأسماء  التي ارتبطت بالاستبداد والعنف والحروب، مثل هتلر وستالين وفرانكو، بعدما تحولت إلى شواهد على حقب مأساوية استعصت آثارها على النسيان. وفي المقابل، بقيت أسماء أخرى حية في الذاكرة الإنسانية لأنها اقترنت بالإبداع العلمي وخدمة الحضارة، مثل إسحاق نيوتن وغاليليو غاليلي وألكسندر فليمنغ، مؤكدة في ذلك على أن المجتمعات تمنح الخلود لكل من أضاف شيئا لصالح المشترك الانساني عكس من انحرف بالسلطة و الشرعية عن غاياتها المشروعة. من هذا المنطلق، يستبان على أن الشعوب لم تعد تعبر عن مواقفها بالوسائل التقليدية وحدها، بل طورت أنماطا أكثر هدوءا وأشد بلاغة في التعبير عن الرضا أو الرفض. فقصة كير ستارمر تكشف على أن الاسم ذاته قد يتحول في لحظة إلى أداة للمساءلة الاجتماعية، وأن الذاكرة الجماعية لا تخلد الأشخاص بحكم مناصبهم،وإنما بقدر ما يتركونه من أثر إيجابي في الوعي الوطني. ولعل استمرار حضور اسم الملك محمد الخامس بن يوسف بطل التحرير ورمز استقلال المغرب الحديث رحمة الله عليه، عبر الأجيال خير دليل على أن بعض الأسماء تتجاوز أصحابها لتصبح جزءا من الهوية التاريخية للدولة. ولطالما أسهمت الشخصيات العامة في تشكيل الثقافة الاجتماعية للتسمية.

فعندما رزقت الأميرة البلغارية كالينا، نجلة العاهل البلغاري السابق سيمون الثاني، بمولود ذكر،اختارت الأسرة الملكية أن يحمل اسم الحسن اسما أوسط، تكريما للملك المغربي الراحل الحسن الثاني، في تجسيد لامتداد الأثر الذي تجاوز حدود الجغرافيا والانتماء الوطني، ليغدو الاسم نفسه حاملا لذاكرة سياسية ورصيد من التقدير يتجاوز صاحبه إلى إرثه التاريخي.
كما امتلأت سجلات المواليد بأسماء مشاهير الفن والرياضة، تعبيرا عن رغبة الآباء في إهداء أبنائهم جزءا من ذلك المجد الذي جسدته تلك الشخصيات.

وفي مجالات متعددة تتجلى الظاهرة بالمنطق ذاته، ولكن بصورة مزدوجة، فقد يكون الاسم وساما في لحظة الصعود، ثم يتحول بعد ذلك إلى وطأة عند الأفول. وتذهب بعض الروايات إلى أن اسم الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ارتبط بإعجاب أسرته بالملك ريتشارد قلب الأسد، كما يروى أن والد كريستيانو رونالدو استلهم اسم «رونالدو» من الرئيس الأميركي رونالد ريغان، الذي جمع بين عالم الفن والسياسة. وهكذا تتقاطع الرموز السياسية والثقافية داخل شهادة ميلاد طفل لا يدرك أن اسمه يحمل في طياته سردية تاريخية كاملة.

وفي سياق يبدو للوهلة الأولى، خارج الإطار المباشر لموضوعنا، مع التحفظ اللازم في القياس وانتفاء أي مماثلة بين الوقائع واختلاف سياقاتها التاريخية والسياسية ودلالاتها الرمزية، يمكن استحضار حدث مغربي-أمريكي يكشف عن بعد أخر لوظيفة الاسم في المجال العام. فقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق اسمه على الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة بأنه شرف عظيم، معربا عن شكره لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. ورغم اختلاف هذا الحدث جذريا عن الأمثلة السابقة، فإنه يبرز على أن الاسم قد يتجاوز وظيفته التعريفية الصرفة ليغدو، في بعض السياقات، وعاء للاعتراف والتقدير، وحاملا لرسائل عميقة تعكس طبيعة العلاقات السياسية ومعاني التكريم، مع بقاء كل واقعة محكومة بخصوصيتها التي تحول دون أي قياس مباشر أو مماثلة بين الدلالات والنتائج.

وعودة إلى موضوعنا الأساس، يتضح لنا مما سبق على أن السياسة لا تصنع مجد الأسماء فحسب، وإنما تملك أيضا سلطة نزع هالتها اللامرئية، فتجردها من بريقها، وتحولها من وعاء للاعتراف والتقدير إلى موضوع للنفور أو التجاهل، تبعا لتحولات الإدراك الجماعي وتقلبات المجال السياسي. بل تمتلك أيضا القدرة على تجريد الاسم من بريقه وتحويله إلى حمل أخلاقي. فكثير من الأسماء التي ازدهرت مع صعود أصحابها سرعان ما انكفأت بعدما ارتبطت بالاستبداد أوالفساد أو الحروب. وهنا لا يصبح الاسم مجرد علامة تعريف، بل يتحول إلى وعاء للذاكرة الجماعية ويستحضر بين الناس تجاربهم وآلامهم، فيغدو الابتعاد عنه شكلا من أشكال المقاومة. أما في العالم العربي، فإن هذه الظاهرة لا تقل حضورا، وإن كانت تتخذ أشكالا أكثر تعقيدا بحكم تشابك الذاكرة السياسية مع الاعتبارات الاجتماعية والثقافية. فالدفاتر المدنية ليست سجلات إدارية فحسب، بل هي أرشيف حي يعكس التحولات العميقة في الوعي الجمعي وتكشف  بصمت، عن الشخصيات التي منحها المجتمع شرعية الخلود، وتلك التي قرر إقصاءها من ذاكرته. وفي نهاية المطاف، قد يخسر السياسي منصبه فيستعيده، وقد يخسر حزبه فيترحل سياسيا، وقد يسقط انتخابيا ثم يعود إلى السلطة في دورة لاحقة. غير أن أفدح الخسائر جميعا هي أن يفقد اسمه قيمته داخل الضمير الجمعي، فهذه هزيمة لا تعلنها الهيئات الانتخابية، ولا ترصدها مؤسسات سبر الآراء، وإنما تكتبها شهادات الميلاد، وتؤكدها الأجيال بصمتها الطويل، حيث يتحول الامتناع عن التسمية إلى حكم تاريخي لا يقبل الطعن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *