الإنترنت.. من فضاء لتبادل المعلومات إلى منظومة للتحكم في الانتباه والبيانات
شهدت الإنترنت تطورات متلاحقة أسهم فيها عدد من العلماء والمؤسسات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، سواء من خلال مراكز الأبحاث أو الشركات الخاصة المرتبطة بها، ولا سيما منذ خمسينيات القرن العشرين. وقد تمثلت إحدى أبرز الغايات في إنشاء شبكة اتصالات تضمن استمرارية التواصل وتبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات والأجهزة العسكرية الأمريكية.
وتبلورت هذه الجهود في أواخر ستينيات من نفس القرن، مع ظهور شبكة أربانت (ARPANET)، التي شكلت إحدى اللبنات الأساسية في تطور الإنترنت الحديثة. وظلت الشبكة، خلال سنواتها الأولى، محدودة الاستخدام في أوساط الباحثين والعلماء المتخصصين العاملين في المجالات المرتبطة بالمجال العسكري، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشمل الأوساط الأكاديمية والبحثية، ثم تنتقل لاحقاً إلى الاستخدام العام.
مع اختراع الويب في مستهل تسعينات القرن الماضي، أصبحت الإنترنت جزءا من الحياة العامة لمختلف الشرائح (الأطفال والشباب والشيوخ والمثقفون والأميون)، باعتبارها أداة للتواصل والحصول على المعلومات، وكذلك مصدرا أساسيا للربح والاغتناء للبعض. ومع تزايد الاعتماد على الشابكة في قطاعات التعليم والبحث والأعمال التجارية، لم تعد الحكومة الأمريكية ترغب في الاستمرار لوحدها في تمويل عمليات تطوير الشبكة حيث ظهرت خلال هذه الفترة مجموعة من الشركات المزودة لخدمة الأنترنت.
ستعرف الإنترنت تطورا مهما، لكن هذه المرة ليس في الولايات المتحدة الأمريكية بل في جنيف السويسرية، بفضل العالم ” تيم بيرنرز لي” الذي كان يعمل فيزيائيا بالمركز الأوروبي للبحث النووي، واخترع الويب كنظام للاطلاع والبحث. وهكذا يسرت الشبكة الجديدة مهمة النقل السريع للأبحاث والدراسات. وأمنت عملية تبادل المعلومات بين مختلف الباحثين والعلماء عن طريق الروابط، وأتاحت لهم الوصول إلى الوثائق الموجودة على شبكة الأنترنت. كما سيقوم تيم بإطلاق أول برنامج مستعرض ويب جديد اسمه وورلد وايد ويب وهو عبارة عن برنامج لتحرير صفحة الويب.
وخلال عام 1991، سلم نظام الويب إلى تجمع الفيزيائيين في مركز “سرن”، وشيئا فشيئا بدأ ينفتح على العالم الجامعي وباقي المختبرات. وركزت جل الأبحاث التي تمت خلال هذه الفترة على كيفية الاستغلال التجاري للويب وتأمين المعلومات.
مع دخول تسعينيات القرن العشرين، أصبحت شبكة الأنترنت سوق المستقبل بالنسبة للشركات والمستثمرين وكل من يبحث عن الربح، حيث ستظهر العديد من الشركات الناشئة التي أسسها شباب سيتحولون إلى أغنى أغنياء العالم مثل ما هو الحال مع سيرجي برين ولاري بيج اللذيْن أسسا شركة جوجل خلال عام 1998.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كانت شركة جوجل لا تزال في عامها الأول تقريبًا، كان مديرها التنفيذي المستقبلي إيريك شميت قد بدأ بالفعل في التنظير للسياق الذي ستزدهر فيه الشركة. فقد صرّح بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن ما أسماه «اقتصاد الانتباه»، وأن الشركات المهيمنة عالميًا ستكون تلك القادرة على تعظيم عدد «مقل العيون» التي تستطيع جذبها والتحكم فيها بشكل دائم. وقد عكست هذه الرؤية مبكرًا نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على تحويل انتباه الإنسان إلى مورد استراتيجي ومحور أساسي في الرأسمالية الرقمية.i
لقد أضحى قياس نجاح الأعمال مرتبطا بحجم البيانات التي يمكن استخلاصها وتجميعها واستخدامها في التنبؤ وتعديل سلوك أي فرد لديه هوية رقمية، حيث تسعى الشركات الرقمية إلى توحيد المعايير وتأسيس علاقة مستمرة من التفاعل مع مختلف أنواع الشاشات المضيئة التي لا تشبع من الطلب على الانتباه.
وهذا الوضع بدا بشكل جلي مع التحول الرقمي الذي عرفه العالم مع جائحة مرض فيروس كورونا المستجد حيث زاد الاعتماد على الأدوات الرقمية في الدراسة والعمل، أو إجراء عملية شراء من مواقع التجارة الإلكترونية أو تنظيم اجتماع أو حتى حفلة افتراضية مع الأصدقاء. لقد توسع العالم الرقمي بشكل سريع لدرجة أن لاعبيه يكافحون أحيانًا لمواكبة وتيرته “الجهنمية”: ففي عام 2020، اضطر العديد من المشغلين إلى خفض جودة خدمات الفيديو عبر الأنترنت الخاصة بهم من أجل منع “تشبع الشبكة “.
لقد غزت الاستخدامات الرقمية مختلف مجالات الحياة: من الولادة إلى ممارسة الرياضة وطلب الطعام والتنقل عبر أنظمة تحديد المواقع العالمي…، حتى أنه لم يعد بإمكاننا أن نتخيل أنشطتنا بدون هاتف ذكي أو بدون الميديا الاجتماعية. وأضحت منصات الشركات الرقمية العملاقة ضرورية تقريبًا في رحلة مستخدمي الشابكة.
وهو ما كشف عنه تقرير Digital 2025 July Global Statshot، الذي أشار إلى تجاوز مستخدمي الأنترنت ستة ملايير والذي يمثل 73,2 بالمئة من إجمالي سكان العالم أي أن ما يقرب من ثلاثة أرباع جميع سكان العالم الآن هم متصلون بالإنترنت. أما متوسط الوقت الذي يمضيه المستخدم في الأنترنت عالميا هو 6 ساعات و40 دقيقة يوميا؛ ويستحوذ محرك البحث جوجل على السوق العالمية بنسبة 62,58 %. كما سجلت الشبكات الاجتماعية الرقمية ارتفاعا في عدد مستعمليها الذي تجاوز خمسة ملايير.ii أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد حقق صعوداً صاروخيا منذ منتصف 2024، حيث لم يعد استخدامه مجرد رقم رئيسي واحد، بل أضحى مجموعة من السلوكات اليومية.iii
لقد أصبحت البشرية مرتبطة أشد الارتباط بخدمات شركات السليكون فالي التي تتحكم في مختلف القنوات التي يمر عبرها مستخدمو الشابكة. ولم يعد بالإمكان الاستغناء عن خدمات منصات التقانة الحديثة مثل جوجل وفيسبوك وأمازون وأبل ومايكروسوفت بسبب شمولية الخدمات التي تقدمها.
وبقدر ما أسهمت هذه التقنيات والمنصات في تسهيل حياة الملايين والمليارات، وربط أجزاء مختلفة من العالم، وتوفير خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة، فإن هذا النموذج الرقمي لم يكن بلا مقابل. فقد أصبحت بيانات المستخدمين أحد أهم الموارد الاقتصادية التي تعتمد عليها المنصات الرقمية، وهو ما أثار نقاشًا متزايدًا حول كيفية جمع هذه البيانات ومعالجتها واستخدامها، وحول حدود تأثير الشركات الرقمية في الأفراد والمجتمعات وحتى الدول.
ومع قضاء الأفراد ساعات طويلة داخل الفضاءات الرقمية، ازدادت قدرة المنصات على التأثير في أنماط استهلاك المعلومات، وتوجيه الانتباه، وترتيب الأولويات، والتأثير في العادات والاختيارات اليومية. ومن ثم، لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى بيئات رقمية تشارك في تشكيل الوعي العام، وتوجيه الانتباه، والتأثير في السلوك وأنماط الحياة.
وهكذا، أخذ جزء متزايد من القوة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية يتركز في أيدي عدد محدود من الشركات التكنولوجية الكبرى. ولم يعد نفوذ هذه الشركات مقتصرًا على تطوير الأدوات الرقمية أو توفير الخدمات، بل امتد إلى التحكم في جزء مهم من البنية التي يتم من خلالها إنتاج المعلومات وتداولها والوصول إليها.
ومن هنا برزت مخاوف متزايدة بشأن تأثير المنصات الرقمية في آراء الأفراد واختياراتهم، وبشأن الحدود الفاصلة بين الاستخدام الحر للتكنولوجيا وبين التأثير غير المرئي في المستخدم. فهذا الأخير قد يشعر بأنه يمتلك السيطرة الكاملة على طريقة استعماله للمنصات الرقمية، واختيار المحتوى الذي يتابعه والوقت الذي يقضيه فيها، غير أن تصميم هذه المنصات وآليات التوصية والإعلانات واستثمار البيانات قد تجعل العلاقة أكثر تعقيدًا، بحيث يصبح انتباه المستخدم نفسه جزءًا من النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه المنظومة الرقمية.
وبذلك، انتقلت الإنترنت خلال بضعة عقود من مشروع اتصالات ذي طابع عسكري إلى بنية عالمية غيرت الاقتصاد والتعليم والإعلام والتواصل والعلاقات الاجتماعية. غير أن هذا التحول حمل معه سؤالًا جديدًا يتجاوز مسألة الوصول إلى التكنولوجيا، ليطرح إشكالية من يملك البنية الرقمية، ومن يتحكم في البيانات، ومن يوجه الانتباه، ومن يمتلك القدرة على التأثير في سلوك مليارات المستخدمين؟ وهو سؤال أصبح في قلب النقاش حول مستقبل المجتمع الرقمي والسلطة في عصر المنصات والذكاء الاصطناعي.
اترك تعليقاً