وجهة نظر

من سبتة إلى الصحراء الشرقية.. الجزائر تستنجد بـ”ورقة الاستعمار” لاستهداف المغرب

من سبتة إلى الصحراء الشرقية.. الجزائر تستنجد بـ”ورقة الاستعمار” لاستهداف المغرب

منذ الأحداث الاخيرة التي عرفها محيط مدينة سبتة المحتلة، برزت في بعض وسائل الإعلام الإسبانية المعادية لمصالح المغرب، وكذا الجزائرية، أصوات تحاول تقديم المغرب باعتباره الطرف المسؤول عن كل ما يجري، متجاهلة أن سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين حدوديتين في خلاف عابر، وإنما مدينتان تقعان جغرافيا في المجال المغربي وتخضعان للاحتلال الإسباني منذ قرون.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه الصعود المفاجئ لصوت طالب علي سالم، الذي بات يحضر في عدد من المنابر الإسبانية والجزائرية بصفته “محللا سياسيا” و”ناشطا صحراويا”، مستغلا أزمة سبتة لتوسيع خطابه المعادي للمغرب. وقد ظهر بالفعل في تغطيات حديثة لأحداث سبتة، مقدما قراءات تتهم المغرب بالتوسع وتدعو إلى التعامل معه بمنطق أمني وسياسي متشدد.

لا تكمن المسألة في أن شخصا اختار الدفاع عن أطروحة سياسية معادية للمغرب، فهذا أمر متوقع في الصراع بين المغرب والجزائر وأدواتها. الأهم هو محاولة تحويل علي سالم إلى صوت جديد في هذا الصراع، وإدخاله إلى المشهد من بوابة سبتة، بما يسمح بتقديمه للرأي العام الإسباني باعتباره “صوتا صحراويا” يحذر من المغرب. وهنا يبدو أن الجزائر وجدت في أزمة سبتة فرصة لإعادة تدوير خطابها ضد الرباط، لكن هذه المرة بوجه أكثر ملاءمة للفضاء الإعلامي الإسباني.

والمفارقة أن الجزائر، وهي الدولة التي حاولت أن تبني جزءا كبيرا من شرعيتها السياسية على خطاب مناهضة الاستعمار وتقرير مصير الشعوب، تجد نفسها في ملف سبتة ومليلية أمام تناقض يصعب تبريره. فإذا كان الاحتلال والاستعمار مرفوضين من حيث المبدأ، فلماذا لا يحضر هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بمدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية؟ ولماذا يصبح التاريخ والحدود الاستعمارية غير قابلة للنقاش حين يكون الطرف الآخر هو المغرب؟

ربما يكمن جزء من الجواب في أن الجزائر لا تنظر إلى سبتة باعتبارها قضية مغربية إسبانية فقط، وإنما باعتبارها ورقة يمكن توظيفها في صراعها مع المغرب. فكلما اتسع النقاش حول سبتة ومليلية، أمكن تحويل الانتباه عن سؤال الحدود التي رسمتها فرنسا للجزائر مع المغرب، وعن الإرث الحدودي الذي خلفه الاستعمار الفرنسي في المنطقة. ولذلك يبدو أن الهدف ليس فقط إبعاد المغرب عن صحرائه، وإنما إبقاؤه في حالة دفاع دائم عن حدوده التاريخية، من الشمال إلى الجنوب، حتى لا يتحول النقاش يوما إلى الحدود التي اقتطعتها خرائط الاستعمار لصالح الجزائر.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات عمر هلال حول التاريخ والحدود دلالتها. فقد سبق للممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة أن شدد على أن المغرب دولة ضاربة في التاريخ، وأن الدولة المغربية كانت قائمة قبل قيام الدولة الجزائرية بصورتها الحالية، مستحضرا وجود المغرب وسفاراته في أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. كما أكد هلال أن الوحدة الترابية بالنسبة إلى الدول العريقة ليست مجرد مفهوم سياسي عابر، بل قضية مرتبطة بالتاريخ والحضارة والوجود.

وهذا هو جوهر المشكلة مع الخطاب الجزائري، فحين يتعلق الأمر بالمغرب، تختفي كل تلك الشعارات المتعلقة بالتاريخ وتقرير المصير، ويصبح المطلوب عمليا هو إبقاء المملكة داخل حدود رسمتها مرحلة استعمارية، بل ومحاصرة أي نقاش حول المناطق التي اقتطعت من مجالها التاريخي. لذلك لا يبدو غريبا أن يتحول ملف سبتة إلى مادة إضافية في هذا الصراع، وأن يظهر بالتزامن معه صوت مثل طالب علي سالم، الذي يحاول أن يجد لنفسه موقعا في المشهد الإعلامي والسياسي الإسباني.

أما المغرب، فقد حدد منذ سنوات قاعدة واضحة في علاقاته الخارجية. ففي خطابه بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب سنة 2022، أكد جلالة الملك محمد السادس أن قضية الصحراء هي “المنظار الذي ينظر به المغرب إلى العالم”، وأن مواقف الدول من الوحدة الترابية أصبحت معيارا أساسيا للحكم على صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.

ولهذا، فإن محاولة صناعة أصوات جديدة ضد المغرب، سواء من الجزائر أو من داخل الفضاء الإعلامي الإسباني، لن تغير المعادلة. فالمغرب لا يحتاج إلى الصراخ في كل اتجاه، لأنه يعرف أن معركة الحدود والتاريخ لا تحسمها البرامج التلفزيونية، وإنما تحسمها قوة الموقف السياسي، وصلابة الوثائق التاريخية، ووضوح الدبلوماسية.

أما تحويل طالب علي سالم إلى “صوت جديد” في قضية سبتة، فلا يبدو في جوهره سوى محاولة لإعادة إنتاج المعركة نفسها بأدوات جديدة: إبعاد المغرب عن حدوده التاريخية، وتشويه صورته لدى شركائه، وخلق انطباع بأن المملكة هي مصدر التوتر في المنطقة. غير أن المفارقة تبقى قائمة: من يرفع شعار التحرر من الاستعمار لا يمكنه أن يطالب المغرب بقبول خرائط الاستعمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • ISMAIL Boudjadar
    منذ شهرين

    شفاكم الله

  • Dalila Chibane
    منذ شهرين

    أين كنتم حينما كانت الصحراء محتلة من طرف شركائكم الأسبان....

  • الطاهر
    منذ شهرين

    اتعجب من استعمال كلمة مرجعية و هي الوثائق التاريخية، و التي تتحول من ادلة اثبات (غير موجودة) الى ادلة اتهام، ان الارتماء في احضان القوى الكبرى الولايات المتحدة، فرنسا و الكيان كحلفاء اقوياء هذا كل ما تملكه المغرب مع بعض الصداقة مع ملوك الخليج، و توفير السياحة المجانية لحكام إفريقيا، هذه هي الديبلوماسية، الجزائر تتقاسم معاكم التاريخ و الجغرافيا و المصير المشترك فما هي أولوياتكم؟

  • غير معروف
    منذ شهرين

    ومن ياخد موقف زريبة خليط السلالات بعين الاعتبار الكرغولي سب لو المروك يعطيك تنيك