مجتمع

تحذيرات حقوقية من احتقان شبابي بمخيمات “تندوف” ودعوات لإنهاء الاحتجاز والرقابة القسرية

كشفت معطيات حقوقية حديثة أصدرها تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية بمدينة العيون، أمس الثلاثاء 15 شتنبر 2026 تزامنا مع تخليد اليوم الدولي للديمقراطية، عن وجود فجوة عميقة بين المبادئ الكونية للحكم الرشيد والواقع المعيش لساكنة مخيمات تندوف، مبرزة أن هذه البيئة ظلت لعقود طويلة رهينة وضع استثنائي يفتقر إلى أدنى مقومات الشرعية الديمقراطية والتمثيل السياسي الحر، ويغيب عنه الحد الأدنى من الضمانات القانونية التي تثبت الوجود الإنساني والمدني للإنسان الصحراوي كشخص له حقوق قائمة الذات وليس مجرد رقم إحصائي ضمن كتلة سكانية مجهولة العدد والهوية.

وأوضح البيان الصادر عن التحالف أن مخيمات تندوف تقع جغرافيا وسياديا ضمن التراب الجزائري، مسجلا أن الدولة المضيفة بصفتها الجهة المسؤولة قانونا وأخلاقيا أمام المجتمع الدولي، اختارت التنصل من هذه المسؤولية وتسليم مقاليد التحكم الفعلي في مصير الآلاف من البشر إلى جبهة البوليساريو، وهو ما أسهم في تحويل المخيمات إلى منطقة رمادية مغلقة توجد خارج أي رقابة قانونية أو حقوقية حقيقية، وتظل بعيدة تماما عن متناول ومراقبة القانون الدولي الإنساني.

واعتبرت الهيئة الحقوقية ذاتها أن هذا الفراغ القانوني المتعمد ليس مجرد زلة تقنية بل هو تواطؤ صريح ينتج إفلاتا شبه مطلق من المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي تطال حقوق السكان، مشيرة إلى أن الإنسان الصحراوي ظل منذ خمسة عقود رهينة الاحتجاز الفعلي في هذه الرقعة، وكائنا بلا هوية قانونية معترف بها، وهو ما وصفه المصدر ذاته بجريمة مستمرة في حق الوجود المدني لمجموعة بشرية بأكملها، متجاهلة بذلك مطالبات مجلس الأمن والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وعشرات المنظمات الحقوقية الدولية الداعية إلى إجراء إحصاء مستقل وشفاف.

وأضافت المنظمة غير الحكومية أن إدارة مخيمات تندوف تتم وفق نظام الحزب الواحد، حيث تحتكر جبهة البوليساريو كافة مفاصل القرار السياسي والإداري والأمني، مؤكدة غياب أي هامش لتشكيل أحزاب سياسية معارضة أو هيئات مدنية مستقلة تنافس على تمثيل الساكنة، فضلا عن انعدام أبسط مقومات الممارسة الديمقراطية كالانتخابات الحرة والنزيهة والتداول السلمي على السلطة والرقابة المؤسساتية، مما جعل أي بنية تنظيمية داخل المخيمات مجرد واجهة شكلية لا ترقى إلى مستوى الحكامة الديمقراطية.

وأشار تقرير التحالف إلى إخضاع الفضاء العام داخل المخيمات لرقابة صارمة تخرس كل صوت مخالف، عبر توقيف واحتجاز النشطاء والمدونين بسبب احتجاجاتهم السلمية في خرق صريح للمادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مبرزا لجوء الساكنة لرقابة ذاتية قسرية يفرضها الخوف من فقدان المساعدات أو التعرض للملاحقة، إلى جانب فرض قيود صارمة على التنقل تستهدف النساء والشباب بشكل خاص.

وتابع التنظيم الحقوقي رصد تداعيات هذا الانغلاق، محذرا من تعاظم وتيرة الإفلات من المساءلة الذي يغذي استغلال النفوذ وسوء تدبير المساعدات الإنسانية، ومسجلا في الوقت نفسه تراكم إحباط شبابي خطير قد ينزلق نحو العنف أو التطرف كبديل عن غياب التمثيل، إضافة إلى الاعتماد شبه الكلي على الإغاثة، والتوظيف السياسي الفج للملف الإنساني الذي يمنع الأفراد من التعبير الحر عن خياراتهم المصيرية سواء بالعودة أو الاندماج أو أي حل دائم آخر.

وأكد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن أي حديث عن الديمقراطية وحرية التعبير يظل منقوصا ما لم يترجم إلى ضمانات فعلية وملموسة لساكنة مخيمات تندوف، مطالبا بشكل عاجل بإجراء تعداد وتسجيل مستقلين ومحايدين للساكنة تحت إشراف دولي فعلي يكفل لكل فرد مركزا قانونيا وهوية إنسانية موثقة، وداعيا إلى فتح المجال أمام التعددية السياسية والمدنية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية مستقلة.

وختمت الهيئات الموقعة بيانها بالدعوة إلى إنهاء كل أشكال الملاحقة والاحتجاز التعسفي في حق النشطاء والمعارضين، وضمان حرية الرأي والتعبير والتنقل، مع المطالبة بإحداث آليات مستقلة للمساءلة والشفافية في تدبير المساعدات الإنسانية بمشاركة فعلية للنساء والشباب، مشددة على ضرورة تمكين كل فرد من حقه في التعبير الحر عن خياره المصيري بمنأى عن الضغوطات، ومهيبة بالمجتمع الدولي والمنظمات الأممية إيلاء هذا الملف ما يستحقه من عناية واستعجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *