هل ما زال سَيتكـرَّرُ المُكـرَّر ؟
ونحن على مسافة أيام معدودة لبلـوغ استحقاق وطني، هو في آن دستوري وسياسي واجتماعي، يعد محطة مهمة للغاية على مستوى السياسة العامة وقبلها على مستوى اختبار المسؤولية لدى الناخِب أولا ثم لدى المُنتخَب، فهل سيعي حقا كل ذي عقل وقلب واجبه ؟ أم أننا سنجتر نفس الأخطاء ونركب ذات الخطايـا..؟ !
أقول الخطايـا، وأقول حتى الموبقـات ولا حرج – لأن ما شهدنا وما نشهد (…) حقيقة مؤسف، وغير مستساغ جملة وتفصيلا – والضرر إن حصل سيصيب السفينة التي تقلنـا جميعاً وسيلحق الأذى بالأمة كلها، ولن ينفع حينها التباهي والتفاخر بالماضي والتاريخ “المتصلين بالدين والمذهب والجغرافيا والتراث والمأثور”، بل سيكون حينئذ مدعاة لكثير من الحرج.
المرجعية التاريخية نستند إليها للاعتبار، ولاستنباط ما يمكن أن يفيد نظرياً، وربما عملياً أيضا إلى حد ما، لكن المفعول يبقى محدوداً إن كان لابد من الأخذ منها جدلاً، لكننا في الواقع نعيش في القرن الحادي والعشرين وفي زمن المنافسة الأحادية (شئنا أم أبينا) وفي ظرفية شديدة التعقيد وشديدة الحساسية، سياسيا واستراتيجيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا وإعلاميا..، والحيثيـات المرتبطة بهذه الجوانب وغيرها تمس الجميع بلا استثناء، ولا عذر لأحد بالتملص أو الاستخفاف أو.. اللامبالاة، فمن يرى أن له حقوقـاً مدنية – طبيعية ومكتسبة – فعليه أن يدرك قبل ذلك أن عليه واجبـات، أقلها – بل أساسها – الصدق فيما يقول وفيما يفعل.
نحن مقبلون، بعد أمتار قليلة، على مرحلة جديدة.. إما أنها ستؤسس لالتحام وطني مفيد للجميع ومشرف للبنيان الذي نتقاسمه بواجهاته المتعددة، على اعتبار أننا “جزيرة” كما أفاد – وهو محق – الأستاذ عبد الله العروي، ونأخذ الأمور بالجدية الملائمة للمرحلة في نكران للذات والمصالح الضيقة، وإما سنعاني أو – على الأصح – سيعاني معظمنا (…) من تبعات أنانية ونرجسية البعض الذين كثيراً ما أساؤوا، ولا يزالون مستمسكين بخدمة برامج محدودة لا علاقة لها بمصلحة الوطن العليا ولا بهيبته واستمراره.
المؤمل في المرحلة الجديدة المقبلة يتمثل في التعلق الحق والصحيح والسليم بالمصالح العليا للبلد، والتخلص من المزاعم والأكاذيب والادعاءات المفضوحة التي تغطي على فساد لا أول له ولا آخر، والمؤمل أيضاً يتمثل في محاسبة المفسدين والمسيئين سياسيا وإداريا، لأن التطهير قبل أن يكون توطئة للإصلاح هو واجب أولاً، واجب سياسي بداهةً، وواجب قانوني ضرورةً، وواجب أخلاقي أدباً، وغني عن القول أنه واجبٌ وطني جملةً.
والملفت، ذاك الذي أطل على الناس في الأيام الماضية، وإلى اليوم، من وعود طوباوية فاقت في بعضها حتى ما ذهب إليه “تومامو كامبانيلا” في كتابه “مدينة الشمس”، بينما منهم من يزكون القوى الموازية في السياسة والاقتصاد وغيرهما، والهيمنة على المجتمع بجرأة خطيرة لا يرقبون فيه إلاًّ ولا ذمة.. ! في الوقت الذي يتطلع الفتى المسكين – والمواطن عموما – إلى كسر شوكة الفساد بتحقيق العدالة الحقة ضد كل فاسد أو خائن أو متواطئ أو منافق، وهنا المعضلة !
ومما يثير بعض الدهشة أيضا أن البرامج الحزبية الوطنية لم تتضمن – فيما بدا – العمل على إشاعة الأمن ومحاربة الجريمة، طبعا الجريمة بكل أشكالها، إذ ما معنى استشراء الظاهرة العدوانية لكثير من أصحاب الدراجات النارية – على سبيل المثال لا الحصر – بضجيجها وأذاها الذي وصل الليل بالنهار، والذي عم معظم المدن..، فما معنى التهجم بهذا العنف المدمر لطمأنينة رضع وعجزة ومرضى في أسرتهم دون أن يجدوا من يحفظ راحتهم وهدوءهم، وبالتأكيد وجعهم، و.. كرامتهم..؟ !
ولقد سبق لِبَعضٍ من “النخب” ببلادنا أن أثـارت الاعتراض على رفع أذان الفجر بداعي أنه ينفر السياح ويقلق راحتهم أثناء نومهم، مع أن الأذان مدته قصيرة جداً وليس فيه ما يُزعج أو يُفسد راحة الناس أو يَكسر طمأنينتهم، ثم إن الأذان – وحتى التهليل الشائع ببعض المساجد لدينا – في الحقيقة هو قيمة جمالية وقيمة ثقافية تشرفنـا، وهو جزء من هويتنا وكينونتنا، فكيف نلغيه لأنه (ربما) يزعج بعضاً من السياح ؟ ومعلـوم أن مما يجلب السياح عادة نحو بلد ما أو قارة ما هو ثقافة الآخر وما يتميز به عما يَحْيَوْنَهُ ببلادهم، والأذان يندرج ضمن ثقافتنا وهو مما يميزنا بلا ريب.
لكن السؤال الجوهري والملح هو مَا المُسيءُ و المُضِر للسياح، ولنا أيضا وللمقيمين بيننا..؟ أليس هذا العدوان اليومي المخجل الصادر عن بعض الشباب المغفل الطائش، وقد يكون بعضُهم أبناء لطغاة ممن يعتنقون مفاهيم مغلوطة لـ “الحرية” و”الثقافة” و”الأمن” و”التعايش”..؟ !
لذلك، فالواجبُ أن يُرَاعى الواجبُ في المرحلة المنتظرة في شموليته، ولا ينبغي بأي حال أن يُجزأ أو يُؤجل أو يُنتقى..، الواجبُ أن يُلتفت إلى التنمية عامة، إلى التعليم بكل مراحله وبكل جزئياته وتفاصيله، ومنها تصحيح مفهوم المجانية فيه، ومواجهة ظاهرة “دروس الدعم” التي غزت المنظومة بشكل رهيب..، ويُلتفت إلى الصحة، إذ السياسة الصحية ببلادنا عيوبها بنيوية وتحتاج إلى جُرأة وإلى شجاعة وإلى قوة الدولة لمواجهة اللوبيات التي باتت غير آبهة بالقيم التي تأسس عليها مبدأ الطب وفلسفته، كما أنها غير مهتمة ولا معنية بجذور هذه الأمة التي تخلفت حتى عن جوارها الشمالي الذي كان بالأمس القريب يستجدي قوته بيننا !
نحن، أصحاب الأصوات (…) ننادي بجمالية لبلدنا توافق تاريخه وجغرافيته وثقافته وتنوعه وأدبه وعُرفه، وتنسجم ورؤية المشترك بيننا، ولكي يتحقق هذا لابد من تقدير روح الدستور واحترام سيادة القانون على الخاص والعام على حد سواء، والعمل وجوباً على إشاعة الأخلاق العامة، ولسنا بحاجة لمن ينظر للأخلاق من كرسيه الوثير بزعم كاذب مكشوف، بينما يخرقه بوقاحة.. حتى لكأن الوزارة – أو المؤسسة – التي يتسيد عليها إرث عن أبيه، أو ملكية فُوِّتَت له على طبق من ذهب أو فضة.
اترك تعليقاً