وجهة نظر

الامتناع عن التصويت باعتباره سلوكا سياسيا

تجدر الإشارة، بداية، في هذه المقالة، إلى أننا نحاول البحث في فرضية مفادها أن دراسة الانتخابات لا ينبغي أن تنحصر في تحليل نتائج الاقتراع ونسب المشاركة فيها فقط، بقدر ما يجب أن تنسحب – وأن تمتد أيضا – الى دراسة “الممتنعين عن التصويت”، في مرحلة أولى؛ وفي مرحلة ثانية، البحث في الدلالات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن يحملها هذا الامتناع وأسبابه ودوافعه.

إن المشاركة الانتخابية، في الديمقراطيات التمثيلية المعاصرة، لا تعد مجرد فعل تقني يتمثل في وضع ورقة –وفق اختيار معين للمواطن- داخل صندوق الاقتراع يوم التصويت، وإنما تعد جزءا لا يتجزأ من علاقة أوسع بين المواطن والمؤسسات والأحزاب وباقي الفاعلين السياسيين.

وعليه، يمكننا القول بأن الامتناع عن التصويت لا يمكن اختزاله منهجيا في اللامبالاة أو الجهل السياسي بالعملية السياسية عامة أو الانتخابية خاصة. فقد يكون السبب في الامتناع عن التصويت، من جهة، نتيجة ضعف الاهتمام أو تعبيرا عن عدم الثقة أو جوابا عن غياب عرض سياسي مقنع أو حتى اعتقاد بعدم جدوى الانتخابات. كما يمكن أن يرتبط، من جهة أخرى، كذلك بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية. لذلك، نجد أنفسنا امام سؤال مركب ووجيه يطرح نفسه بإلحاح، في هذا الإطار، وهو: ماذا يعني امتناع المواطن/الناخب في سياقه الاجتماعي والسياسي؟ وهل يمثل خروجا من المجال السياسي أم مجرد شكل من أشكال التعبير السياسي غير المباشر؟

للتفاعل مع هذا السؤال المركب، وفي ارتباط مع موضوع الامتناع عن التصويت، تحضرنا أطروحة الاقتصادي الألماني الأمريكي، ألبرت أوتو هيرشمان ALBERT OTTO HIRSCHMAN، بخصوص المشاركة -من عدمها– في الانتخابات، ضمن كتابه ” الخروج، التعبير والولاء: استجابات للتراجع في الشركات والمنظمات والدول” الصادر سنة 1970، والتي تتيح (أي اطروحته) فهم بعض أشكال الانسحاب باعتبارها خروجا من علاقة لم تعد تحقق للفرد ما ينتظره منها، مع بقاء إمكانية الصوت والاحتجاج والمطالبة بالإصلاح قائمة لديه. وقد بينت الأدبيات اللاحقة بأن تطبيق هذا النموذج على السياسة عامة والانتخابات خاصة، يحتاج إلى تمييز دقيق بين أشكال الانسحاب والاحتجاج والمشاركة كمفاهيم قائمة الذات، سواء في مجال علم السياسة أو في مجال سوسيولوجيا الانتخابات بشكل دقيق.

وبالتالي، سنحاول من خلال ثلاثة نقط أساسية، ومتكاملة فيما بينها، أن نعيد قراءة الامتناع الانتخابي ومعانيه النظرية والعملية، انطلاقا من واقع الممارسة السياسية للمواطنات والمواطنين في لحظات الانتخابات؛ وذلك، أولا باعتبار الامتناع سلوكا لا ينبغي تفسيره تلقائيا كغياب للسياسة؛ وثانيا، من خلال التجربة الانتخابية المغربية ما بين استحقاقات 2011 و2021؛ ثم، ثالثا، عبر مساءلة العلاقة بين ارتفاع نسب المشاركة وبين مفهوم المشاركة السياسية الواعية.

أولا: الامتناع عن التصويت ليس بالضرورة غيابا للسياسة!

إن أول خطأ منهجي يجب تجاوزه، في نظرنا، هو مساواة فعل الامتناع بفعل اللامبالاة. فالامتناع ظاهرة مركبة، ولا يمكن تفسيرها بسبب واحد. وقد يجتمع لدى الفرد الواحد أكثر من دافع، كما يمكن للدافع نفسه أن يتغير من انتخابات إلى أخرى. فضلا عن ذلك، يمكن أن يكون الامتناع، أيضا، نتيجة أزمة ثقة في المؤسسات والأحزاب والنخب السياسية. وفي هذه الحالة، لا يكون المواطن بالضرورة، في نظرنا، منفصلا عن السياسة، بل قد يكون واعيا بها ومتابعا لها، لكنه لا يجد في التصويت وسيلة فعالة للتعبير عن مواقفه السياسية. وتنسجم هذه الفكرة مع مفهوم المواطن النقدي عند المعاصرة البريطانية بيبا نوريس PIPPA NORRIS ولاسيما ما أبرزته في كتابها “الهندسة الانتخابية: قواعد التصويت والسلوك السياسي”، الصادر سنة 2004، والذي يميز بين تراجع الثقة في مؤسسات بعينها وبين رفض المبادئ الديمقراطية نفسها. وقد بينت نوريس أن نمو النقد تجاه المؤسسات يمكن أن يؤثر في المشاركة التقليدية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الاهتمام بالشأن العام.

ومن بين الدوافع أيضا، يرتبط الامتناع بضعف العرض السياسي، عندما لا يرى الناخب فروقا جوهرية بين البرامج والمرشحين أو عندما يعجز الخطاب الحزبي عن تحويل القضايا الاجتماعية والاقتصادية اليومية إلى اختيارات سياسية واضحة. وهنا، يصبح الامتناع، في نظرنا أيضا، مؤشرا يستحق الدراسة بالنسبة إلى الأحزاب، لا باعتباره رفضا مؤكدا لها، وإنما باعتباره علامة محتملة على وجود مسافة فارقة بينها وبين قطاعات من المجتمع.

هناك عامل آخر، يمكن أخذه بعين الاعتبار في نفس الاتجاه أيضا، وهو الشعور بعدم الجدوى السياسية، أي الاعتقاد بأن الصوت الفردي لن يؤثر في النتيجة أو أن نتائج الانتخابات لن تغير الواقع المعيشي للمواطنات والمواطنين في أغلب الأحوال. وهذا البعد، يرتبط بمفهوم الفعالية السياسية، الذي يميز بين شعور الفرد بقدرته على فهم السياسة والتأثير فيها وبين اعتقاده بأن المؤسسات تتفهم دوافعه وتستجيب لمطالبه.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نذهب الى الطرف الآخر فنعتبر كل ممتنع محتجا صامتا. فهناك امتناع سببه عدم الاهتمام أو صعوبة الوصول الى مراكز الاقتراع أو ظروف العمل والتنقل أو أن الأمر بعود إلى عوامل أخرى ذات طابع اجتماعي وديموغرافي على سبيل المثال.

وبالعودة إلى الدراسات الدراسات المقارنة، نجدها تشير إلى وجود فئات من الممتنعين النشطين سياسيا، في مقابل فئات أخرى تنسحب من السياسة الانتخابية ومن مختلف أشكال المشاركة الأخرى معا.

وبالتالي، نحن لا نساوي بين الامتناع والاحتجاج، وإنما نعتبر الامتناع سلوكا يحتاج الى تفسير. وهذه نقطة منهجية أساسية، لا يمكن استنتاج نية الممتنع من سلوكه وحده، بقدر ما ينبغي ربط السلوك بالظروف المحيطة بالممتنع وبالسياق الي يجري فيه الامتناع، وكذا بالمعطيات الاجتماعية وبمواقف الأفراد ودوافعهم الشخصية والعائلية.

ثانيا: نِسَب المشاركة الانتخابية في الاستحقاقات التشريعية ما بين 2011 و2021

من خلال تتبعنا السابق خلال الولايتين لما بعد دستور 2011، لاحظنا في ظل الانتخابات التشريعية نوعا من التذبذب في المشاركة السياسية، والذي يصعب تفسيره بكل بساطة تبعا للأرقام المسجلة في نتائج تلك الاقتراعات.

ففي انتخابات 2011 بلغت نسبة المشاركة 45.40 بالمئة، في سياق سياسي تميز بالحراك العربي وباعتماد دستور 2011 وما حمله من إعادة ترتيب لعدد من قواعد العمل المؤسساتي والسياسي بالمغرب. وقد أعلنت النتائج الرسمية عن هذه النسبة بعد اقتراع 25 نونبر 2011؛ ثم انخفضت المشاركة في انتخابات 2016 الى ما نسبته 43 بالمئة، أي أن أغلبية المسجلين في اللوائح الانتخابية لم تدل بأصواتها. وتكشف هذه النسبة، قبل أي تفسير، عن حجم الكتلة الانتخابية غير المشاركة، لكنها لا تكشف وحدها عن أهم دوافعها. وقد ربطت بعض الدراسات هذا المستوى من المشاركة بمحدودية الثقة في الأحزاب السياسية المتنافسة أنداك واتساع المسافة بين المؤسسات التمثيلية وقطاعات من المجتمع؛ وهي، في نظرنا، قراءة تفسيرية ينبغي التعامل معها باعتبارها فرضية قابلة للاختبار وليس حقيقة مستخلصة من حصيلة الأرقام لوحدها.

أما انتخابات 2021 فقد سجلت ارتفاعا واضحا، إذ بلغت نسبة المشاركة ما نسبته 50.35 بالمئة وفق المعطيات التي قدمها المغرب إلى مجلس الأمن، كما أكدت وثائق أممية الارتفاع مقارنة بانتخابات 2016. وتميز استحقاق 8 شتنبر 2021 بإجراء الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه، في سياق جائحة كورونا (كوفيد-19).

وهكذا، نجد أنفسنا أمام مسار رقمي يمكن تلخيصه في انتقال المشاركة من 45.40 بالمئة سنة 2011 الى 43 بالمئة سنة 2016، ثم إلى نسبة 50.35 بالمئة سنة 2021. لكن، الأهم من الرقم هو أن هذه التحولات لا تسمح وحدها بالحكم على مستوى الوعي السياسي للمواطنين. فالرقم يقيس درجة الإقبال على التصويت، ولا يقيس بصورة مباشرة نوعية الدوافع التي تقف وراءه.

ثالثا: نِسَب المشاركة الانتخابية لا تعكس بالضرورة طبيعة المشاركة السياسية الواعية

في نظرنا، يجب قراءة درجة الارتفاع في نسب المشاركة الانتخابية بحذر موضوعي؛ لأن المشاركة والوعي السياسي متغيران مترابطان لكنهما غير متطابقين في مثل هذه الحالات. فقد يصوت المواطن بسبب انتماء حزبي أو بسبب علاقة اجتماعية أو بسبب ثقة في مرشح معين أو بسبب رغبة في الحصول على منفعة محلية أو بسبب استجابة لتعبئة انتخابية، كما قد يصوت بناء على قناعة سياسية أو وفق برنامج ذو استجابة موضوعية لانتظاراته. والرقم الاجمالي للمشاركة لا يسمح لنا بالتمييز بين هذه الدوافع نهائيا.

وبالعودة إلى الأهمية المنهجية لاستحقاقات سنة 2021، نجدها قد شهدت تنظيم الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه للمرة الأولى، وهو ما وفر سياقا انتخابيا متعدد المستويات، يمكن أن يؤثر في قرار المشاركة ودرجات التعبئة لها. كما أن الانتخابات جرت في ظروف استثنائية مرتبطة بجائحة كوفيد-19.

ومن منظور سوسيولوجيا الانتخابات، نظن بأن الحاجة اليوم تكمن في محاولة الانتقال من سوسيولوجيا النِّسَب الى سوسيولوجيا الدوافع والأسباب. فبدلا من الاكتفاء بالقول إن المشاركة قد عرفت ارتفاعا ملموسا أو نسبيا، ينبغي علينا طرح الأسئلة المشاكسة دائما: مَن شارك؟ ومن امتنع؟ وما الفروق بين الشباب وكبار السن؟ وبين المجال الحضري والقروي؟ وبين الفئات الاجتماعية؟ وما علاقة الثقة في المؤسسات بالتصويت؟ وما أثر الاحساس بالفعالية السياسية؟ وما موقع شبكات القرابة والأعيان والوساطة المحلية في صناعة القرار الانتخابي؟

من هنا، يصبح الامتناع عن التصويت، في نظرنا، مادة سوسيولوجية وسياسية لا تقل أهمية عن التصويت نفسه. فالناخب الذي لا يصوت قد يكون خارج السياسة، لكنه قد يكون أيضا داخلها بطريقة مختلفة، عبر الاحتجاج، أو النشاط الجمعوي أو التعبير الرقمي أو النقد السياسي أو حتى عبر رفض الانخراط في علاقة انتخابية، لا يرى فيها تمثيلا كافيا لمصالحه الموضوعية ومطالبه المجتمعية.

ومن ثم، لا ينبغي أن نحتفل بارتفاع نسب المشاركة باعتباره دليلا تلقائيا على ارتفاع الوعي الديمقراطي بالانتخابات وبالتصويت فيها، كما لا ينبغي أن نفسر انخفاضها باعتباره دليلا تلقائيا على اللامبالاة. كلا الاستنتاجين سيحتاج، في نظرنا وبشكل قوي وموضوعي وتبريري، إلى بيانات نوعية وكمية مستقلة عن مجرد نسبة الاقتراع التي تسجلها مكاتب التصويت بعد انتهاء عمليات الفرز والإحصاء العددي.

ختاما، ومن خلال هذه القراءة البسيطة، يمكن أن نقول بأن الامتناع عن التصويت ليس مفهوما أحادي الدلالة، وإنما هو سلوك انتخابي متعدد الدوافع والأسباب والدلالات أيضا. لذلك، نؤكد بأننا لا زلنا بحاجة إلى تجاوز الثنائية التقليدية التي تجعل التصويت مرادفا للمواطنة والامتناع مرادفا للامبالاة.
إن فهم الظاهرة الانتخابية المغربية يقتضي الجمع بين تحليل نتائج الاقتراع وتحليل السلوك الاجتماعي للناخبين، بما في ذلك الممتنعون عن التصويت. فالانتخابات لا تقيس فقط قدرة الأحزاب السياسية على تعبئة الناخبين، وإنما تكشف ايضا عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات وعن مستوى الثقة والفعالية السياسية وجودة العرض الحزبي.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة تحقيق نسب مشاركة مرتفعة بجانب توفير شروط تجعل المشاركة ذات معنى بالنسبة إلى المواطنين، من خلال تحسين جودة العرض السياسي الانتخابي، وتقوية المصداقية الحزبية، وربط البرامج بالنتائج القابلة للقياس، وتطوير آليات التواصل والمساءلة عند كل دورة انتخابية جديدة.

ومن هذا المنطلق، لا نعتبر الممتنعين كتلة سياسية موحدة، ولا نمنح امتناعهم دلالة احتجاجية مسبقة؛ وإنما ندعو إلى التعامل معهم باعتبارهم موضوعا مركزيا للبحث في سوسيولوجيا الانتخابات. فالسؤال الديمقراطي الأكثر عمقا، في نظرنا، ليس في عدد الأشخاص الذين صوتوا، بل في الطروحات الآتية: لماذا صوت من صوت؟ ولماذا امتنع من امتنع؟ وما الذي يمكن أن تكشفه الإجابتان معا حول جودة التمثيل السياسي وقبله مصداقية العرض الانتخابي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *