منتدى العمق

تطبيع المغرب وإسرائيل في ميزان المصالح والمفاسد

بعد حين من فشل الثورة العرابية وذهاب ريحها أفول نجمها ظهر على الساحة المصرية حزبين ( والساحة المصرية آنذاك نموذج مصغر للعالم العربي المعبر عن مشاكله وآمال شعوبه) أحدهما حزب الأمة وكانت صحيفة الجريدة هي صوته المعبر عنه، والآخر الحزب الوطني الحر وكانت جريدة المقطم لسانه المبين، وما كان يوحد الحزبين أشياء كثيرة أهمها: الدعوة إلى قطع كل أسباب الصلة مع الجامعة الإسلامية والجامعة العربية، وتقوية العلاقة مع المحتل الإنجليزي تحت علة وجود مصالح مشتركة وأن ما يربط المصريين بالإنجليز هي المصالح الحقيقية، وهذا هو نفسه الذي نسمعه اليوم ممن يرون ضرورة التقارب وزيادة تقوية العلاقات المغرب مع إسرائيل.

ولم يكد ينتشر خبر إتفاق واشنطن بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على رفع مستوى التمثيل الديبلوماسي بين البلدين  إلى فتح السفارتين بدل مكتبي الإتصال، حتى أخذ هؤلاء، ممن يرون ضرورة التقارب وتقوية العلاقات، على أنفسهم ليس فقط تبرير هذه الخطوة، وإنما العمل على إظهارها في أجود صورة وأنها الضرورة التي لابد منها فضلا عن أنها انتصار للديباوماسية المغربية، بل وأخذ الأمر إتجاها آخر بالدعوة إلى القطيعة مع كل مكونات المنطقة والقطع مع كل رابطة إسلامية وعربية تجمعنا بشعوب ودول الإقليم والإقبال الكلي على دولة إسرائيل لأنها، على حسب إدعائهم، تقدم لنا المصالح الحقيقية!! وهذا الكلام وهذه الدعوة يختلط فيها العاطفي بصناعة الرأي بالاشبيه على الناس بتصوير ما حدث هو في مصلحة المغرب وأنه سيجلب عليه من المنافع ما لا يمكن إحصاءه، وبهذا فأصحاب هذه الدعوة لا يزيدون عن كونهم إمتداد لحزب الأمة والحزب الوطني الحر، فلأجل المصالح يمكن استقطاب الاستعمار ودعمه وتسهيل الطريق أمامه.

 

دعونا نرجع الأمور إلى أصلها ونعلقها بعللها ونربطها بأسبابها، ونناقش الحدث وفق منطق المصالح، والذي يقتضي بالضرورة أن ننظر في المفاسد أيضا ونوازن بينهما وعلى هذا الأساس تتحرك الدول وتحدد إتجاهها وخطواتها، وهنا سؤال جدير بنا أن نسأله: ما هي المصلحة الراجحة التي حصل عليها المغرب من هذا العمل؟ وما هي المفسدة التي يمكن أن تترتب عنه؟ 

أولا: سنة 2020 حين وقع المغرب على إتفاق التطبيع حصل على اعتراف دونالد ترامب بمغربية الصحراء، ولكن رفض فتح سفارة مع إسرائيل إلا إذا وافقت على أن تجعل قنصلية بالأقاليم الجنوبية، لكن الطرف الإسرائيل امتنع وتعنت، وهكذا بقي الحضور الديبلوماسي قاصرا على مكتب إتصال، وفي السنتين الأخيرتين رفع المسؤولون الإسرائيليون وقنواتهم الرسمية أكثر من مرة خارطة المغرب دون صحرائه، فما الذي تغير الآن؟ أين هي المصلحة الراجحة على المفسدة هنا؟ 

ثانيا: مادام الأمر كله تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو المعترف بمغربية الصحراء وسيادته على أقاليمه الجنوبية، فلماذا لم يقدم على تقديم مشروع الاعتراف الأمريكي إلى مجلس النواب حتى يكون الاعتراف اعتراف دولة لا اعتراف شخص؟ فبعد سنتين من الآن سيجد المغرب نفسه دون عائد من هذا الإتفاق، لأن أي رئيس آخر سيخلف ترامب هو غير ملزم بهذا الاعتراف إذا لم يمر عبر محلس النواب الامريكي، وترامب على طول مدى السنتين الماضيتين كان صاحب الأغلبية في مجلس النواب، وكان يمكن تمرير الاعتراف، لكنه لم يفعل.

ثالثا: إسرائيل الآن تعاني عزلة دولية، وأقرب المقربين منها بدأ ينقلب عليها، وما موقف بريطانيا عنا ببعيد، والقرب منها سيجعل المغرب يخسر الكثير، وقد اعترفت وزارة الخارجية الألمانية أن خسارة مقعدها في مجلس الأمن سنة 2026 كان بسبب موقفها الداعم لإسرائيل، فكيف سيتم التعامل الأممي مع المغرب وكيف سيدعم في قضيته الوطنية، مع العلم أنه لا يمكن الإتكاء على قرار مجلس الأمن الذي صدر سنة 2025 حول الصحراء المغربية، وذلك لعدة أسباب، منها: أن القرار نفسه غير ملزم للدول الأعضاء في الأمم المتحدة لأنه يندرج تحت الفصل السادس من الميثاق الأممي، وعنوانه “تسوية النزاعات بالطرق السلمية”، وما يندرج تحت هذا الفصل ليس ملزما، ولهذا أصدرت الأمم المتحدة يوم 4 سبتمبر 2026 تتضمن خريطة المغرب مبثورة من صحرائه، وهنا فإن احتمال أن تنفض الدول من حول المغرب، ولا تعترف بسيادته على صحرائه وتعاقبه كما عاقبت ألمانيا، هو احتمال راجح، ثالثا القانون نفسه لمن قرأه جيدا هو ضد المغرب.

فبهذه النظرة البسيطة إلى ميزان المصلحة والمفسدة التي يمكن أن تنتج عن تطبيع تام للعلاقات بين المغرب وإسرائيل،  ورفع مستوى التمثيل الديبلوماسي بينمهما من مكتب للإتصال إلى إحداث سفارة، يتبين كل التبين لمن كان له عقل، أن المفاسد هي الراجحة، وهذا فقط في موضوع الصحراء دون أن نعرج على موضوع سبتة ومليلية المحتلتين والابعاد الجيوسياسية للمغرب، أما من أراد أن يلوك مصطلحات المصلحة والسيادة وغيرهما دون تحقيق أو تدقيق فله ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *