المرتكزات الشرعية للمشاركة السياسية
كلمة مشاركة مصدر من الفعل الرباعي شارك وتفيد في وضع اللغة: الخلط والمزج والاختلاط، فهي المساهمة الرسمية وغير الرسمية للأفراد والجماعات في كل أنشطة المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بهدف تحقيق الصالح العام أو هي حجم مساهمة الفرد ومباشرته للعمل السياسي العام بهدف التأثير على القرارات السياسية، من خلال الإسهام في وضع الأهداف العامة للمجتمع، وتحديد الوسائل المناسبة لتحقيقها. فالمشاركة عموما تحمل معنى المساهمة، ومخالطة العامة والاهتمام بشأنهم العام السياسي، تحقيقا لمصالحهم الدنيوية والأخروية وتحقيقا لمبدإ الاستخلاف في الأرض.
فالمشاركة السياسية إذن تعني إشراك المواطنين في إدارة الشؤون العامة، أو اختيار القادة السياسيين على المستوى الوطني أو المحلي، والتدخل في السياسات العامة والبرامج والأنشطة والفعاليات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مثل الترشيح للانتخابات أو التصويت فيها، أو الترويج لها، أو المشاركة الكتابية، أو التبرع بالمال أو الوقت لإنجاز بعض الأعمال ذات الصلة بالحكم والسلطة، أو الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو مجموعات الضغط أو المنظمات غير الحكومية، فضلا عن أنشطة إبداء الرأي أو الاعتراض أو المقاطعة وغيرها، وانسجاما مع أصل استخلاف الإنسان في الأرض والقيام بالواجب عرّفت المشاركة السياسية كذلك بـأداء الواجب الرسالي في إقامة الدين وعمران الدنيا، وبذلك يتحقق الاستخلاف الاجتماعي العالمي في إطار ثلاثية الفلسفة السياسية الإسلامية المتمثلة في التوحيد – التسخير – الاستخلاف، ليشمل حركة المجتمع كافة في إقامة الدين وعمران الدنيا، وفي تعريف قريب منه تعرّف المشاركة كذلك بمجموعة الأنشطة الفكرية والعملية التي تتسع لتشمل الأعمال والأنشطة السياسية المباشرة وغير المباشرة التي تلبي أهداف الشريعة والمجتمع والدولة الإسلامية، فمن خلال التعريفات السابقة والتي تتقارب فيما بينها نستخلص أن المشاركة السياسية هي المساهمة في كل أنشطة المجتمع والشأن العام بغية تحقيق المصالح العامة المشتركة، والتأثير في القرارات السياسية وصناعة السياسات العمومية، كما أن هناك من اعتبرها جزءا من الواجب الرسالي في الاستخلاف وإعمار الأرض.
الموقف من المشاركة السياسية:
معظم الاجتهادات والدراسات في الموضوع قد تختلف في حكم المشاركة السياسية، إلا أن القضية الأساس هي المرتكزات الشرعية، والأدلة المرعية، والمقاربات المنهجية المعتمدة في إصدار هذه الأحكام، فمنها من اعتمد النصوص الشرعية والقياس عليها، فوقعت في إسقاطات تاريخية وأحكام عامة دون تفصيل في المعطيات الجزئية المعاصرة، من مثيل الانتخابات والترشح والدستور والبرلمان والحزب والمعارضة والائتلافات الحزبية والعلاقات الخارجية، ومنها من اعتمد على الاجتهاد المصلحي، حيث ربط حكم المشاركة بتوفر المصالح وغلبتها على المفاسد، أو لضرورة دفع المفاسد وتقليلها، غير أن هذا التوجه يحتاج لتفصيل وتدقيق حيث لا ترصد في الغالب المصالح والمفاسد المتحققة فعلا، ولا تذكر المآلات المحتملة وتدرسها …فقد تتحول المصالح الآنية إلى نوع من الاستدراج، وإلى مفاسد عظيمة، ذلك أن المكاسب الآنية لا ينبغي أن تشغلنا عن التفكير في المآلات والمآزق التي غالبا ما تنتهي إليها الخيارات السياسية، وانعكاساتها المستقبلية السلبية على مشاريع النهوض، فالموقف من المشاركة السياسية من عدمه يقدر بقدره بحسب المصالح والمفاسد الواقعة والمتوقعة.
ويسجل بعض الباحثين أن الاجتهاد السياسي في موضوع المشاركة السياسية قد شابته الكثير من الاختلالات المنهجية التي جعلته يصل إلى أحكام عامة ومتسرعة قبل أن يستوفي شروط النظر، ودون أن يحيط علما بالواقع الذي يحكم فيه، ولا يقف الخلل عند التسرع في استصدار الأحكام ولكنه يتجاوز ذلك إلى استدامة الخطإ والركون إلى النتائج الجزئية، وقطع الطريق على البحث الجدي المتكامل والمستقل عن إكراهات الواقع، فموضوع المشاركة السياسية من المواضيع التي لا تزال تحظى براهنيتها بالرغم من ابتعاد الزمان منذ بداية الخوض فيها، أي منذ النصف الأول من القرن العشرين، الذي عرف تشكل الدول القطرية الخارجة من ربقة الاستعمار حديثا، وقد سال الكثير من المداد في الشق الاستدلالي والتكييفي للمشاركة السياسية بين المؤيدين والرافضين، وأغلب ما كتب ينزع إلى النظر المستقل للموضوع، كما يغلب التأصيل الفقهي التجريدي الذي يكتفي بأحكام عامة بعيدا عن الدراسة التفصيلية لواقع سياسي معين، فمثلا على مستوى المفهوم لا يجب الوقوف على حدود الدلالة اللغوية العرفية التي تحصر المفهوم في الدخول للبرلمان، أو تولي المناصب الوزارية، بل لابد من الاستفادة من السعة المفاهيمية وتعدد الاتجاهات التي توفرها العلوم السياسية في مقاربة المشاركة أو المعارضة، وأكيد أن ذلك كله له تأثير في الأحكام التي تصدرها أو تتخذها تلك الاجتهادات.
والنظر المقاصدي مطلوب أن يولي هذا الجانب الاهتمام المطلوب. والمؤكد هو أن البحث النظري في هذا الموضوع لا يساير سرعة التغييرات في الواقع السياسي، ولا يعكس اختلاف الظروف والوقائع إلى درجة لا يمكن معها تلمس السياقات التاريخية ضمن الاجتهاد السياسي أو الفتوى المتعلقة بمشاركة من المشاركات، والبحث اليوم في موضوع المشاركة السياسية لا يبتغي استئناف النظر في مسألة المشاركة السياسية استدلالا وتكييفا وانتصارا للمؤيدين أو الرافضين بل يروم استجلاء النفس العام الذي يحكم أكثر تلك الاشتغالات النظرية حول هذه المسألة، لنتبين مدى حظها من المسلك الاجتهادي القويم. أي استجلاء الأسس الاجتهادية التي رجحت الموقف منه عند هذا أو ذاك.
ومنطلق النظر السديد في مثل هذه القضايا هو التصور الصحيح والشمولي لهذه المسألة فلا يكون الفقه متينا مسددا إلا إذا نشأ عن تقدير صحيح وتصور جلي للمجال الذي يشتغل فيه، وليس غريبا أن نجد بعض الأطروحات الفكرية التي يدلي بها مفكرو الغرب والمنشغلون بالفلسفة السياسية خصوصا أقرب إلى حقيقة الاجتهاد الإسلامي من بعض الفتاوى التي يغلب عليها الاستعجال الصادرة عن فقهاء مسلمين في الشأن السياسي، لأن مدار الصواب ليس على اعتقاد الباحث، بل على امتلاكه للمعطيات الدقيقة واقتداره المنهجي في الإفادة من الفكر السياسي والعلوم السياسية في تحليل تلك المعطيات وتفسيرها، فمن كان أقرب إلى تصور حقيقة الأمر كان أقدر على الحكم عليه.
من ناحية أخرى يتميز الفقه السياسي بطبيعته المعرفية الخاصة فهو يرتبط بالأمن العام، فالفقيه لا ينظر فيه إلى سلوك فردي أو ما يجزئ الفرد في تدينه، بل إلى أحوال الجماعة المسلمة ضعفا وقوة، وحركيتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. فالذهول عن طبيعة النظر السياسي وخصوصيته المعرفية، أفضى إلى اختلالات منهجية خطيرة، وتتعامل الكثير من الاجتهادات مع النوازل السياسية من قبيل الانتماء للأحزاب، المشاركة في الانتخابات، الترشح للمجالس والولايات على أنها نوازل خاصة تقتضي جوابا فرديا مبنيا على الموازنة بين المصالح والمفاسد الجزئية، والأصل أنه لا فتوى للفرد في هذا المجال إلا ضمن الرؤية العامة التي يمتلكها الفقيه عن حالة الأمة الإسلامية ومستقبلها، وعموما يرتبط موضوع المشاركة السياسية بأغلب المواضيع المعاصرة التي وجد الفكر السياسي الإسلامي نفسه مضطرا للنظر فيها، إذ لا يمكن تحديد الموقف بشأن المشاركة في نظام سياسي معين دون النظر قبل ذلك في شكل هذا النظام وطبيعة الحكم السائد وفي التعددية السياسية ففقه الواقع بكل تفاصيله وتعقيداته ودراسة المصالح والمفاسد والمآلات المترتبة على ذلك، أثر كله على الموقف من المشاركة السياسية.
موقف الرافضين:
انطلق رافضوا المشاركة السياسية في أنظمة غير إسلامية بانتقاد الأسس التي اعتمد عليها الرأي الآخر معتبرين أن “صدور أكثر الاجتهادات السياسية المعاصرة عن قوى إسلامية تتبنى الخيار السياسي في التغيير والإصلاح، جعل إعمالها لميزان المصالح والمفاسد مختلا، وذلك لجملة من الاعتبارات منها أنها تنطلق من واقع سياسي فرضه الاستعمار، فاعتبرته أصلا لا يمكن تجاوزه وأصبحت الكثير من جهودها منصبة على تبرير الواقع وإيجاد المخارج الشرعية له، وأنها أعملت الموازنة المصلحية ضمن دوائر ضيقة، فأخرجت المصالح والمفاسد من عمومها للأمة الإسلامية إلى خصوصية الدولة القطرية المفروضة، ثم من الدولة إلى خصوص التنظيم أو الحزب الإسلامي، ومنه إلى المصالح المرتبطة بأفراد معينين، بمعنى أن الذين أيدوا واختاروا رأي المشاركة خاصة في الأنظمة غير الإسلامية، قاموا بتبرير الواقع، وتغليب المصالح الآنية الخاصة المرتبطة بالقطر أو التنظيم أو الأشخاص أحيانا بعيدا عن المصالح العامة للأمة والمآلات المحتملة لكل اختيار.
كما حاول تيار الرفض التنبيه إلى بعض المفاسد المحتملة حالة فشل تجربة المشاركة، والتي قد تكون من تخطيط قوى معادية وخارجية “كإذكاء منطق الصراع وتكريس الانقسام المجتمعي والانخراط في صراع أيديولوجي على المكاسب السياسية الرخيصة مما يفضي إلى تشويه العمل الإسلامي، وقد أشار الكاتب الأمريكي “غراهام فوللر” إلى هذا الأمر، حيث اعتبر أن المحك الأساسي لاختبار الإسلاميين هو فخ السلطة، التي إن فشلوا فيها كانت السم الترياق الذي يميتهم ويستأصلهم، وكأنه يحث أمريكا على دفع الإسلاميين إلى اعتلاء كرسي الحكم قبل أن يقوى عودهم وتكون لديهم المقدرة على تسيير دفة الحكم، لذلك قال أنه “لا شيء يمكن أن يظهر الإسلاميين بأسوإ صورة من تجربة فاشلة في الحكم” .أي إن المشاركة قد تكون مجرد استدراج من طرف قوى خارجية معادية تريد الإيقاع بالمشروع الإصلاحي الإسلامي.
كما عالجت كتابات أخرى بعض جوانب المشاركة السياسية وانتقدت أسس المدافعين عنها، فيعتبرون أن الإسلاميين الذين يبيحون لأنفسهم دخول هذه المجالس بحجة الدفاع عن الشريعة والقبول بالدخول في البرلمانات وإن ترتب عليه بعض المصالح الآنية، إلا أن مصيره في النهاية يؤول إلى مفسدة حقيقية، وهي أكبر من كل مصلحة متخيلة، حيث يؤدي ذلك مع تقادم الزمان إلى هجر الاحتكام إلى الشريعة فيما يتعلق بالأحكام التي تخص المجتمع، ويصير الاحتكام إلى آراء الناس وتصوراتهم أو الخضوع لبعض الضغوط الداخلية أو الخارجية المتناقضة أحيانا للمصالح الشرعية ومقاصد الشريعة، فهي بهذا الوصف قد تضمنت تحصيل مفسدة و درء مصلحة على عكس المطلوب، إذ المشاركة في هذه المجالس النيابية لا تحقق المصالح الشرعية على مستوى الضروريات والحاجيات والتحسينيات في الغالب.
موقف المؤيدين:
أبرز يوسف القرضاوي في كتابه من “فقه الدولة في الإسلام” الأوجه الدلالية والاعتبارات الشرعية المرجحة لموقف المشاركة السياسية في حكم غير منضبط لأحكام الشريعة، مبينا أن “الأصل عدم المشاركة، وألا يشارك المسلم في حكم لا يستطيع فيه أن ينفذ شرع الله فيما يوكل إليه من مهام الولاية أو الوزارة، وألا يخالف أمر الله تعالى ورسوله الذي يجب أن يخضع لهما بمقتضى إيمانه…وقولنا هو الأصل أي القاعدة الأساس أو الأعم والأغلب، ومفهومه أن هناك حالات يخرج فيها عن الأصل لاعتبارات يقدرها الشرع قدرها، ومن هذه الاعتبارات تقليل الشر والظلم. وارتكاب أخف الضررين ويؤكد ذلك الاعتبار الثاني وهو ما قرره الشارع من ارتكاب أخف الضررين أو أهون الشرين دفعا لأعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما.ثم النزول من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، حيث إن هناك مثلا عليا نصبها الشرع للإنسان المسلم ليرنو إليها بعينه ويهفو إليها بقلبه، ويسعى إليها بحركته، ولكن الواقع كثيرا ما يغلبه، فيعجز عن الوصول إليها فيضطر إلى النزول عنها إلى ما دونها، تحت ضغط الضرورة، وعملا بالممكن الميسور بعد تعذر الصعود إلى المثال المعسور، كذلك سنة التدرج، فلله سنن من سننه في خلقه، لا ينبغي لنا أن نغفلها …وفي تاريخنا الإسلامي أمثلة ونماذج فيها أسوة حسنة يقتدي بها فيهتدى، نجد ذلك في سيرة خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقد أحيا من سنن الهدي، وأقام من معالم العدل ونشر من معاني الخير مالا يجهله أحد ولا ينساه التاريخ، ولكنه لم يستطيع أن يفعل كل ما يريد بدليل أنه لم يعد الخلافة شورى كما هو الأصل في الإسلام. فالمشاركة تحيل على مبدإ التراكم الذي يمكن استقاؤه من قيمة التدرج، والتدرج من سنن الله في الأرض والإصلاح.
ويستند المؤيدون لمبدإ المشاركة كذلك على بعض السوابق التاريخية خاصة في العهد النبوي حيث اتخذت المشاركة السياسية أشكالا متعددة في هذا العهد، الأمر الذي جعل تأثيرها على الاستقرار السياسي جليا ومباشرا، فكان من أهم أشكالها: – المشاركة السياسية عن طريق البيعة – المشاركة السياسية عن طريق ممارسة الشورى – المشاركة السياسية عن طريق حرية الاختيار، كأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في بيعة العقبة الثانية أن يختاروا من بينهم اثني عشر نقيبا، مؤكدين أن النظام السياسي الإسلامي سبق النظم والدساتير المعاصرة في جعل المشاركة السياسية حقا دستوريا وواجبا شرعيا، كما أعطى للأمة الحق في اختيار الحاكم ومراقبته ومحاسبته بل وعزله، كما وفر جميع الضمانات اللازمة للمشاركة السياسية مثل مشروعية المشاركة في الدستور، والحرية الفكرية والمساواة والمواطنة ووجود المعارضة السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، أما أثر المشاركة السياسية فيظهر في الاستقرار السياسي في العهد النبوي من خلال المؤشرات الآتية: – الثبات الدستوري – سيادة القانون – العدل والمساواة – التنمية الاجتماعية الشاملة وتجاوز الأزمات الداخلية والخارجية، لذلك نجد علال الفاسي يعتبر أنه لا يصح أن يتخلى أبدا أي فرد من أفراد الأمة عن العمل السياسي أي عن مراقبة السلطة وأعمالها، فالحكومات مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا كان الوسط نظيفا حرا والمواطن صالحا ومشاركا وموجها فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، و”إذا كان الوسط متسما بالقابلية إلى الاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية. أي أن الأصل هو المجتمع، كيف ما كان يولى عليه.
وقد أدرك الماوردي أن استئثار أهل المدينة المنورة باختيار الخليفة خلال فترة الخلافة الراشدة كان أمرا عرفيا عمليا، ولم يكن تشريعا نصيا، إذ النص صريح بعموم الشورى.”فليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية تقدم بها عليه، وإنما صار من يحضر ببلد الإمام متوليا لعقد الإمامة عرفا لا شرعا، لسبق علمهم بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلده وإلا فإن الأصل هو مشاركة عموم الأمة في هذا الشأن الذي جعله الشارع من خصائصها.
إذ المشاركة السياسية جزء من مقاصد التنشئة السياسية التي قوامها العقيدة السمحة والإدراك المعرفي العميق، فالمشاركة تتعلق بكون العناية بالسياسة الشرعية ليست مسؤولية الفاعلين السياسيين المباشرين وإنما هي تكليف للأمة جميعها، ومن هنا يكون كل مسلم مكلفا بأداء واجبه بحسب استطاعته وطاقته في تغيير المنكر وبناء الصلاح، فالمشاركة السياسية الشرعية تكليف من التكاليف الشرعية غايته تحقيق الاستقرار والاستمرار لنظام الحكم الإسلامي ، وإبراز أن أولي الأمر لن يكونوا إلا من المؤمنين، وبهذا يكون الحكم قائما على الشورى وليس على سلطة القهر والقوة والغصب، ومن أوجه الدلالة على ما سبق كذلك أن التشاور في اختيار الحاكم (الإمام الأعلى) من طرف لجنة الشورى الستة الذين ولاهم عمر رضي الله عنهم بعد طعنه وهو(عثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمان بن عوف) جعل أهل الشورى الأمر بالتشاور إلى عبد الرحمان بن عوف ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه …حتى خلص إلى النساء المخدرات (المتحجبات) في حجابهم وحتى سأل الولدان (الصغار)، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها (وهذه هي الديمقراطية المباشرة). فالأصل هو إشراك الجميع في الأمر وليس فئة خاصة لاعتبارات معينة.
وعموما إن القول بجواز المشاركة شرعا هو الحكم العام لكل المسلمين في العالم، أما المشاركة فعلا أو عدمها على وجه التفصيل، فتتوقف على مدى ما تحققه المشاركة من مكاسب وما تدرؤه من مفاسد، فأحيانا يكون الإقدام ومرة يكون الإحجام، والذين يقررون الدخول أو عدم الدخول، هم أهل الرأي وأصحاب النظر الثاقب من الذين يمكنهم المشاركة، فكثير من الشبهات التي كانت تطرح في هذا المجال قد هوت، فقد شارك العاملون بالإسلام في كثير من الديار وأثبتوا أنهم قادرون على تحقيق الخير من غير أن يذوبوا ويفسدوا، ورأى الناس أنواعا من الكفاءات لم يروها في عالم السياسة قادرة على أن تمثل القيم الخيرة وتظهر النموذج الإسلامي وهذا يؤكد أن الأمر اجتهادي مرتبط بالنظر والتقدير ويرجع في الأساس لمسألة المصلحة الشرعية.
والمشاركة السياسية ليست شكلا واحدا فقد تمر بدرجات أو مراحل مختلفة. فهي تبدأ بالاهتمام بالشأن العام أو السياسي ثم تتطور إلى الانخراط السياسي، قبل أن تتحول إلى القيام بنشاط سياسي، ومن ثم تنتهي بالوعي بضرورة تحمل المسؤوليات السياسية وتعاطي النشاطات السياسية وكل أشكال العمل والنضال السياسي ، كما تتسع لتشمل كل ما من شأنه أن يساعد على تحقيق الأهداف العليا للإسلام، حيث تشمل الالتزام بالقوانين والتعاون على تنفيذها، والإسهام في الحفاظ على الأمن السياسي العام، والمشاركة في عمليات الإنتاج والحفاظ على المال العام، وحماية التوازن المادي، ومحاربة الفقر والفساد والجريمة، وأداء الخدمة العسكرية، والمشاركة في الدعوة والاتصال، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحة الدين والدنيا معا. وبناء عليه، فالسعي لتحقيق الأهداف العامة للدولة لا يكون فعالا إلا من خلال مشاركة شعبية واجبة ومتأتية من منطق المسؤولية العامة للفرد، ولهذا نجد أن مناط الخلاف في الحكم والتقدير والتصور بين الفقهاء حول شرعية المشاركة السياسية للمسلم من عدمها تدور بالأساس عند هؤلاء حول التصور العام عن شكل الدولة في الإسلام، وعن حكمهم لطبيعة الدولة القائمة راهنا. عموما نفهم مما سبق أن علماء المسلمين حينما يتحدثون عن التعددية السياسية وعن موقف الشرع من المشاركة السياسية فإنهم لا يقصدون بذلك موقف الإسلام من العمل السياسي على إطلاقه. إذ إنهم متفقون جميعا على أن الإسلام يتضمنها في صلب دعوته. فقد تتعدد أشكال المشاركة السياسية حسب الوعي بها ووسع الفرد في تعاطيه مع الشأن العام والمساحة التي تتيحها الدولة لذلك تحقيقا لأهدافها وأهداف المجتمع، والمصالح المتوقعة من المشاركة عموما.
محاولات التقريب بين الموقفين:
وللتقريب بين الموقفين حتى لا يصبح هذا الموضوع محل تقاطب وتجاذب خاصة بين منتسبي الصف الواحد وأصحاب الأرضية الفكرية المشتركة اتجه رأي ثالث للتوفيق بين المؤيدين والمعارضين من المشاركة السياسية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وذلك بقبول مبدإ المشاركة باستحضار مجموعة من الشروط التي اعتبرت ضرورية، ولا بد من وجودها لإجازة المشاركة شرعا، وإلا عاد الحكم إلى أصل المنع، أولها: أن تكون ثمة مشاركة فعلا، لا قولا ولا مجرد دعوى، فلا يكون المشارك محض آلة في يد غيره ينفذ به الحاكم الفعلي ما يريد هو وليس لديه صلاحيات أو اختصاصات معقولة تجعله قادرا على أن يقيم العدل ويطارد الظلم ويحق الحق ويبطل الباطل في دائرة اختصاصه ولو بصورة جزئية، وإلا لم يكن لمشاركته معنى ولا أثر. وألا يكون الحكم موسوما بالظلم والطغيان ومعروفا بالتعدي على حقوق الإنسان، وأن يكون له حق معارضة كل من يخالف الإسلام مخالفة بينة أو على الأقل التحفظ عليه. وأن يقوّم المشاركون في الحكم تجربتهم بين الحين والحين ويخضعوها للاختبار والمراجعة، ويتبينوا هل استفادوا من التجربة فعلا أو لا، وهل حققوا ما ينشدون إليه من إقامة العدل والمصلحة وإلى أي مدى؟ أي أن المشاركة المشروعة هي المشاركة الواعية والفاعلة والخاضعة للتقييم المستمر للوقوف على مدى نجاعتها ومبرر بقائها.
وعموما يبقى النظر المقاصدي المصلحي المستحضر لروح الشريعة والواقع بكل أبعاده والمآل ومستحقاته أهم محددات النظر في مستحقات وتفاصيل عملية المشاركة السياسية، فأغلب الفتاوى الصادرة في شأن المشاركة السياسية عبارة عن مبادئ عامة تسائل المستفتي أكثر مما تجيبه وتكلفه مسؤولية معرفة أحوال الواقع، واتخاذ ما يراه مناسبا على قاعدة المحدثين، فمن أسند لك فقد حمّلك، حيث يبدو أن الفتاوى تربط حكم المشاركة بتوفر المصالح وغلبتها على المفاسد، أو لضرورة دفع المفاسد وتقليلها، ولكنها لا ترصد المصالح والمفاسد المتحققة فعلا ولا تذكر المآلات المحتملة… لقد اقتصر نظر المجتهدين السياسيين غالبا على المصالح والمفاسد القريبة والظاهرة المرتبطة بالشؤون الداخلية بنفس منطق الحكم الإسلامي القديم، أي تولي الولايات والخطط الشرعية لدى حاكم ظالم لتقليل المفاسد، فبقي حبيس النظرة التراثية ولم يستطع أن يتجاوزها ليبصر معطيات الواقع بكل مؤثراتها وملابساتها المحلية والدولية، ففي ظل العولمة حيث العامل الخارجي أبعد أثرا وأكثر تحكما في اختيارات الدول، قد تتحول المصالح الآنية إلى نوع من الاستدراج إلى مفاسد عظمى والعكس صحيح، فقد يكون الإحجام عن المشاركة لدرء مفسدة آنية، وقد تفوت مصالح ومنافع متوقعة، وهكذا فالمسألة تقدر بقدرها.
من هنا وجب التأكيد على أن المشاركة هي جزء لا ينفصل عن المفاهيم الأخرى المرتبطة بالديمقراطية، كالتجمع والمساواة وسيادة الشعب ومناقشة القوانين أو تعديلها، كما أن المشاركة السياسية تعد المقياس لنمو الحكومات الديمقراطية، فكلما اتسعت رقعة المشاركة السياسية كان ذلك أدعى للقبول العام في المجتمع، هذا فضلا على أن المشاركة السياسية ترتبط بالحرية الشخصية للمواطن، وسيادة قيم المساواة، وبإقرار الحاكمين بالحقوق الدستورية والقانونية للمحكومين التي تمنحهم حق المشاركة في اتخاذ القرار، وإتاحة الفرص أمامهم لممارسة هذا الحق دون ضغط أو إرهاب. فالسعي لتحقيق الأهداف العامة للدولة من وجهة نظر الإسلام لا يكون فعالا إلا من خلال مشاركة شعبية واسعة ومتأتية من منطق المسؤولية العامة للفرد. لذا يتوجب على المسلم المشاركة في الشؤون العامة للمجتمع، فالإسلام يؤكد أن التصرف في شؤون الأمة، هو من حق الأمة فقط، ولا يستطيع الآخرون أن يتصرفوا في شؤونها إلا بتوكيل ورضا منها، وعليه فإن للناس أن يشاركوا بشكل مباشر وغير مباشر في إدارة شؤونهم وتحقيق مصالحهم، سواء بالانتخاب أو التصويت أو الموافقة أو الاعتراض أو المقاطعة كذلك فهي وجه من أوجه المشاركة، وإذا كانت الشورى والمشاركة هي جزء من هذه المنظومة، فإنها بالمقارنة بالمفهوم الحديث للمشاركة السياسية أكبر من حصرها في إحدى الآليات السياسية والقانونية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل هي في الإسلام أسلوب ومنهاج لتنظيم حياة المسلمين في مختلف المجالات الخاصة والعامة بما في ذلك الحياة السياسية، فالمشاركة السياسية واحدة من القيم الأصيلة في الإسلام وتحقق من المصالح العامة والخاصة ما يرجح قبولها ويؤكد أهميتها في تحقيق مقاصد الإسلام من السياسة ويضبط ويرشد السلطة تأسيسا وتدبيرا.
اترك تعليقاً