خصوصية الحملات الانتخابية للأحزاب في تشريعيات 23 شتنبر 2026 بين الشخصنة السياسية وتشديد المراقبة القانونية (3)
3-برودة انطلاق الحملة االانتخابية بالدارالبيضاء
تميزت بداية الحملة الانتخابية في الدوائر الانتخابية بالدارالبيضاء بنوع من البرود مقارنة بدوائر انتخابية في مدن أخرى بالمملكة. فقد لوحظت برودة نسبية في انطلاق الحملة الانتخابية داخل عدد من الدوائر الحضرية بالدار البيضاء، خصوصاً إذا قورنت بالصورة التقليدية للحملة في المدينة التي تتمثل في كثافة الملصقات، وتزايد الجولات، واستخدام مكبرات الصوت، والتجمعات، وحضور المرشحين في الأحياء. وكذا بشدة المنافسة حيث يتنافس وطنياً 7288 مرشحاً على 395 مقعداً، وهو ما يعني أن كثافة التنافس على المستوى الوطني مرتفعة جداً. من هنا ، يمكن أن يعزى هذا البرود في بداية الحملة التي انطلقت صباح يوم 10 شتنبر 2026 إلى عدة أسباب من بينها:
1.3طبيعة الناخب البيضاوي
فالدار البيضاء ليست مجالاً انتخابياً شبيهاً بالوسط القروي. فالناخب الحضري في الدارالبيضاء أكثر انفصالاً عن المرشح والحزب، وأكثر ميلاً إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها شأناً سياسياً لا مناسبة اجتماعية. لذلك لا تنتج بداية الحملة بالضرورة مظاهر التعبئة الجماهيرية التي نشاهدها في الدوائر القروية. فكلما كان المجال الحضري أكثر كثافة سكانياً، لا يعني ذلك بالضرورة أنه أكثر كثافة انتخابياً. بالإضافة إلى ضعف قدرة الأحزاب على تعبئة الشارع في مدينة من أكبر مدن المملكة كثافة . فالأحزاب تستطيع أن تقدم برامج وأرقاماً وقيادات وطنية، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحويل ذلك إلى تعبئة محلية في مدينة ضخمة ومجزأة مثل الدار البيضاء.وهذا يفسر لماذا أصبح جزء من الحملة ينتقل من الشارع إلى الهاتف والشبكات الاجتماعية: فيديو قصير، لقاء محدود، بث مباشر أو تصريح للمرشح قد يحل محل جولة انتخابية كبيرة. كما أن المرشحين والأحزاب يعرفون أن الناخب قد لا يقرر إلا في الأيام الأخيرة، ولذلك يميلون إلى توزيع جهودهم زمنياً، خصوصاً في الدوائر التي تكون فيها المنافسة متقاربة.وبعبارة أخرى فالبرودة الحالية قد تكون برودة البداية وليست بالضرورة برودة الانتخابات كلها.
2.3. خصوصية الدار البيضاء كمدينة للامتناع الانتخابي
تحمل مدينة الدارالبيضاء تاريخاً من ضعف المشاركة الانتخابية مقارنة بحجمها الديمغرافي. لذلك لا تستطيع الأحزاب أن تفترض أن كثافة السكان تعني سهولة تعبئتهم. إذ أن رهانها في انتخابات 2026، ليس فقط على إقناع الناخب، بل على إخراجه من حالة اللامبالاة إلى التصويت. فالدار البيضاء تعتبر من أبرز المدن المغربية التي يظهر فيها الامتناع الانتخابي بصورة بنيوية، نظرا لضعف الروابط التقليدية بين الناخب والمرشح. فإذا كان المرشح في المجال القروي، يستطيع الاعتماد على العائلة، والقبيلة، والأعيان، وشبكات القرابة والمعرفة الشخصية ، فالعلاقات الاجتماعية في هذه المدينة المترامية الاطراف أكثر تفككاً، والسكان أكثر حركة، وبالتالي يصعب تحويل العلاقات الاجتماعية إلى تعبئة انتخابية مباشرة. فالدار البيضاء هي أكبر تجمع حضري في المغرب، لكن ضخامة السكان تجعل الناخب يشعر أحياناً بأن صوته الفردي بعيد عن التأثير في القرار. وهنا تظهر مفارقة مهمة:ا لكثافة السكانية العالية لا تنتج بالضرورة كثافة سياسية وانتخابية عالية. بالإضافة إلى تراجع حضور الأحزاب باعتباره إطاراً يومياً “للمواطن البيضاوي” الذي قد يعرف أسماء الأحزاب والقيادات الوطنية، لكنه لا يعرف بالضرورة مرشح الدائرة أو فرع الحزب في حيه. وهذا ما يفسر لماذا تبدو الحملة أحياناً باردة في الشارع، رغم أن المنافسة بين الأحزاب قوية. كما أنه بالنسبة إلى جزء من الناخبين البيضاويين ، فالانتخابات لا تبدو دائماً قادرة على تغيير أوضاعهم اليومية بسرعة: النقل، السكن، الأسعار، البطالة، الصحة، التعليم، والنظافة. لذلك يتحول الامتناع إلى شكل من اللامبالاة السياسية أو الاحتجاج الصامت. فالأحزاب ركزت في برامجها على أرقام كبيرة تشمل خلق فرص العمل، وتحسين القدرة الشرائية، والرفع من نسب الاستثمار، وتحسين خدمات الصحة والتعليم وغيرها، لكن الناخب في الدار البيضاء يريد أن يعرف: ماذا سيتغير في حيه؟ ماذا عن النقل؟ النظافة؟ السكن؟ الاكتظاظ؟ الأمن؟ المرافق؟ البطالة؟ لذلك توجد فجوة بين الحملة الوطنية التي تتحدث بلغة الأرقام الكبرى وبين الحملة المحلية التي تحتاج إلى خطاب يومي ملموس.
3.3. طبيعة المنافسة الانتخابية
يبدو أن الأحزاب المتنافسة في الانتخابات الحالية تحاول أكثر فأكثر تشخيص الحملة عبر شخصيات معينة: بنكيران بالنسبة إلى العدالة والتنمية، أخنوش بالنسبة إلى التجمع، لقجع بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة، وغيرهم.لكن هذه الشخصنة لا تنتقل آلياً إلى الدائرة الانتخابية خاصة بمدينة كبيرة كالدارالبيضاء. فقد تكون القيادة الوطنية شديدة الحضور إعلامياً بينما يبقى المرشح المحلي محدود الحضور في الحي. فبرودة بداية الحملة في الدار البيضاء لا تعكس بالضرورة ضعف التنافس، وإنما تعكس جزئياً تأخر انتقال التنافس من مستوى الأحزاب والقيادات إلى مستوى المرشحين والدوائر؛ وقد ساهم عدم حسم وضعية بعض المرشحين في تقليص الزمن الفعلي للحملة وإضعاف حضورها الميداني في الأيام الأولى. وهنا يمكن تفسير جزء من البرودة البيضاوية بأنها نتيجة لفجوة بين الحملة الوطنية الساخنة والحملة المحلية الباردة. فالحملة الانتخابية في الدار البيضاء بدأت ببرودة جماهيرية أكثر منها برودة سياسية. فالتنافس موجود، لكن أدوات التعبئة التقليدية تبدو أقل حضوراً، بينما تنتقل المنافسة تدريجياً إلى الإعلام الرقمي، والشبكات الاجتماعية، والعلاقات الانتخابية المحلية.وهذا يجعل الدار البيضاء مؤشراً مهماً جداً على طبيعة انتخابات 2026: فإذا بقيت الحملة باردة في الأيام الأخيرة، فقد يكون ذلك دليلاً أقوى على استمرار أزمة التعبئة الحضرية؛ أما إذا ارتفعت سخونتها في الأسبوع الأخير، فسنكون أمام استراتيجية انتخابية تؤجل التعبئة إلى اللحظة الحاسمة. فالدار البيضاء ليست فقط مدينة تعرف عزوفاً انتخابياً؛ إنها تمثل نموذجاً لتحول الامتناع من موقف فردي إلى سلوك حضري جماعي، تغذيه هشاشة الروابط الحزبية، وضعف الثقة في فعالية التصويت، واتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.لكن يجب الاحتراز من جعل ذلك حقيقة إحصائية مطلقة. فالامتناع يختلف بقوة بين دوائر وأحياء الدار البيضاء، كما أن الفروق الاجتماعية والاقتصادية داخل المدينة نفسها كبيرة. ولذلك فإن تحليل انتخابات 23 شتنبر 2026 سيكون أكثر دقة إذا انتقلنا من سؤال «هل البيضاويون يعزفون؟» إلى سؤال «أي أحياء وفئات من الدار البيضاء تعزف، ولماذا؟».
وعموما ، فخصوصية انتخابات 23 شتنبر 2026 تظهر بوضوح الجمع بين مسارين متوازيين: تشديد الإطار المؤسساتي والقانوني لنزاهة الانتخابات من جهة، وتحول شكل المنافسة والحملة الانتخابية من جهة أخرى. وهذا يجعلها، انتخابات تتميز بمحاولة أكبر لضبط العملية الانتخابية، مقابل حملة أقل تقليدية وأكثر شخصنة ورقمية وتفاوتاً بين المجالين الحضري والقروي. وبالتالي ، فهذه الانتخابات تعرف تطوراً واضحاً في تقنيات ضبط النزاهة والشفافية، بالتوازي مع تحول في طبيعة المنافسة السياسية نفسها التي انتقلت من الحملة الجماهيرية التقليدية إلى حملة أكثر شخصنة ورقمية وتفاوتاً بين الدوائر، ومن الصراع حول البرامج فقط إلى الصراع حول الأرقام والأشخاص القادرين على تجسيدها. والمفارقة أن تشدد الدولة في حماية نزاهة الاقتراع يقابله ضعف نسبي في قدرة الأحزاب على تعبئة المواطن، خصوصاً في المجال الحضري.وهذه المفارقة تجعل انتخابات 2026 مختلفة عن مجرد كونها انتخابات تشريعية عادية. فالسلطة تحاول حماية «نزاهة الاختيار»، بينما الأحزاب تحاول أولاً إقناع المواطن بأن الاختيار نفسه يستحق أن يمارسه.
اترك تعليقاً