منتدى العمق

لدينا 12 جهة… فلماذا لا نعيد التفكير في معنى التنمية؟

حين تصبح الثروة وطنية عند استخراجها، يجب أن تكون التنمية وطنية عند توزيعها

قد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يحمل في داخله سؤالا أكبر عن شكل المغرب الذي نريد أن نبنيه.
إذا كان المغرب يتكون إداريا من 12 جهة، فلماذا لا نعيد التفكير في التنمية والسياسة من زاوية هذه الجهات أو إنشاء 12 حزبا فقط عوض العشرات من الاحزاب المختلفة و التى يظهر أغلبها في جهة واحدة فقط، كل حزب جهوي يناضل من أجل تنمية الجهة التى يمثلها و يحق لمواطني تلك الجهة محاسبته.

لا أقصد هنا تقسيم المغرب سياسيا، ولا أن تصبح كل جهة دولة داخل الدولة، ولا أن تحتكر كل جهة ثرواتها لنفسها. فالثروات الوطنية ملك لجميع المغاربة، والتضامن بين الجهات مبدأ ضروري لبناء دولة متماسكة.

لكن التضامن لا ينبغي أن يتحول إلى اختلال دائم في التوازن.

فإذا كانت الثروة المستخرجة من جهة ما ثروة وطنية، فإن مسؤولية تنمية تلك الجهة يجب أن تكون وطنية أيضا.
وهنا يطرح السؤال نفسه:

هل يمكن أن نأخذ الثروة من مكان، ثم نترك المكان الذي أنتجها ينتظر نصيبه من التنمية؟
المسألة ليست فقط في مقدار ما تنتجه الجهة، وإنما في مقدار القيمة التي تعود إليها من إنتاجها.

ولعل جهة درعة-تافيلالت تصلح مثالا لفتح هذا النقاش.
فهذه الجهة تمتلك مؤهلات معدنية وطاقية وسياحية وثقافية… مهمة، وإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والسياحة والسينما وغيرها، ومع ذلك ما تزال أجزاء منها أو بالأحرى جلها تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية، وفرص الشغل، والنقل، والتعليم العالي والخدمات الصحية…
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:

كيف يمكن لأرض غنية بالإمكانات أن تعاني في الوقت نفسه من فقر في البنية التنموية؟

لا أطرح هذا السؤال لأقول إن ثروات درعة تافيلالت يجب أن تبقى داخل درعة تافيلالت.

بل أقول العكس تماماً:

لتكن ثروتها ثروة للمغرب كله، ولكن لتكن تنميتها أيضا جزءا من أولوية المغرب كله.
إذا كانت الثروة الوطنية تخرج من أرض ما، فمن الطبيعي أن تتحول جزء من قيمتها إلى مدارس ومستشفيات وجامعات وطرق ومشاريع وفرص عمل داخل تلك الأرض، بالتوازي مع استفادة باقي الجهات منها.
هذه هي العدالة المجالية في جوهرها.
ومن هنا أطرح فكرة قد تبدو غير مألوفة.

ماذا لو أعدنا بناء المنافسة السياسية حول الجهات الاثنتي عشرة؟
ليس المقصود إلغاء الأحزاب أو التعددية، وإنما أن يصبح لكل جهة مشروع تنموي واضح وقابل للقياس والمحاسبة.
مشروع يقول للمواطن بوضوح:

هذه هي حاجات جهتك.

هذه هي مواردها.

هذه هي المشاريع التي تحتاجها.

وهذه هي المدة التي نلتزم بها لإنجازها.

ثم تأتي الانتخابات لاختيار من يستطيع تنفيذ ذلك المشروع، ويصبح الحساب بعد انتهاء الولاية أكثر وضوحاً:
ماذا فعلتم لجهتكم؟
كم مستشفى أُنجز أو تم تطويره؟
كم جامعة ومؤسسة تعليمية أُحدثت؟
كم فرصة عمل حقيقية خُلقت؟
كيف تحسنت الطرق والنقل؟
ما الذي تغير في حياة المواطن؟

عندها يمكن أن تنتقل السياسة من المنافسة على الشعارات إلى المنافسة على النتائج.

لأن السياسة في نهاية المطاف لا ينبغي أن تكون مجرد فن الوصول إلى السلطة، وإنما مسؤولية تحويل الإمكانات إلى حياة أفضل.
والعدالة المجالية لا تعني أن تصبح الجهات متطابقة في كل شيء.
فليس من الضروري أن تكون جهة فلاحية مثل جهة معدنية، أو جهة سياحية مثل جهة صناعية.
الاختلاف بين الجهات طبيعي، بل يمكن أن يكون مصدر قوة.

لكن ما ليس طبيعياً هو أن يصبح مكان الولادة عاملا يحدد مقدار ما يحصل عليه الإنسان من جامعة أو مستشفى أو طريق أو فرصة عمل.
لا ينبغي أن يرث الإنسان نصيبه من التنمية كما يرث اسمه ومكان ولادته.
نحن لسنا 12 شعباً.

نحن شعب واحد داخل 12 جهة.

ولهذا فإن العلاقة بين الجهات يجب أن تشبه أعضاء جسد واحد: الجهة الغنية بمواردها تساعد في بناء قوة الوطن، والوطن بدوره يضمن ألا تتحول تلك الجهة إلى مجرد مصدر للثروة دون أن تكون شريكا كاملا في ثمارها.

فلا ينبغي أن نبني جهة على حساب جهة أخرى.

ولا أن ننقل الفقر من مكان إلى مكان باسم التضامن.

بل أن نحول الموارد المختلفة للجهات إلى قوة تنموية مشتركة يستفيد منها الجميع.
وربما حان الوقت لكي نغير السؤال.

بدلاً من أن نسأل فقط:
كم حزباً لدينا؟
ربما ينبغي أن نسأل:
كم مشروعاً تنموياً حقيقياً لدينا؟
وبدلاً من أن يسأل المواطن السياسي:

ماذا ستقول لنا؟

يمكن أن يسأله:

ماذا ستبني لنا؟

فالوطن لا يُقاس فقط بحجم ثرواته الطبيعية، ولا بعدد الأحزاب، ولا بعدد الشعارات التي تملأ الحملات الانتخابية.

الوطن يُقاس بمدى قدرة هذه الثروات والمؤسسات والسياسات على تحويل حياة الإنسان إلى حياة أكثر كرامة.

ولا أريد مغرباً تكون فيه الجهات متساوية في الفقر، ولا مغرباً تتفاوت فيه الجهات إلى درجة يصبح فيها بعضها يعيش المستقبل بينما ينتظر البعض الآخر وصوله.

أريد مغرباً تختلف فيه الجهات في مواردها وخصوصياتها، لكنها تتقارب في الحقوق والفرص والكرامة.

لأن التنمية الحقيقية ليست أن يصل جزء من المغرب إلى المستقبل قبل الجزء الآخر.

التنمية الحقيقية هي أن يصل المغرب كله.

إيدر تنالت
فنان أمازيغي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *