انتخابات 2026، سياسة

الغالي يقدم قراءة في نسبة المشاركة بالانتخابات ويتحدث عن تأثير “حزب اللامبالاة” على النتائج

د الغالي عميد كلية الحقوق

اعتبر محمد الغالي، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، أن نسبة المشاركة المسجلة في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، والتي بلغت 38 في المائة على المستوى الوطني، تبقى “عادية ومتوسطة”، خصوصاً عند مقارنتها بانتخابات 2021، موضحاً أن الفارق المسجل لا يمكن قراءته بمعزل عن اختلاف طبيعة الاستحقاقين، بعدما كانت انتخابات 2021 تجمع بين الانتخابات الجماعية والتشريعية، بينما تقتصر انتخابات 2026 على انتخاب أعضاء مجلس النواب.

وأوضح الغالي، خلال حلوله ضيفاً على التغطية الخاصة لجريدة “العمق المغربي”، ضمن برنامج “الطريق إلى برلمان 2026″، أن الانتخابات الجماعية تُعد انتخابات للقرب، وهو ما يجعل التعبئة والحشد فيها أكبر، بالنظر إلى أن الناخب غالباً ما يصوت لـ”ولد الحومة” أو “ولد الحي” أو “ولد الدوار” أو “ولد الزنقة”، وبالتالي تكون الروابط المحلية عاملاً مؤثراً في رفع مستوى التعبئة والإقبال على مكاتب التصويت.

وأضاف أن انتخابات مجلس النواب تختلف من هذه الناحية، على اعتبار أن المرشح يخوض المنافسة داخل دائرة انتخابية قد تصل إلى مستوى الإقليم، وقد يكون معروفاً لدى فئة من الناخبين أو غير معروف لديهم، ما يجعل دور الوسطاء الانتخابيين أكثر حضوراً في التعريف بالمرشحين وحث الناخبين على التصويت لهم، من خلال تقديمهم باعتبارهم أشخاصاً قادرين على تمثيل الدائرة وخدمة مصالحها.

وبناءً على ذلك، أكد الأستاذ الجامعي أن نسبة المشاركة البالغة 38 في المائة تبقى، في نظره، ضمن المعدلات العادية والمتوسطة، مشيراً إلى أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت أن الفترة الممتدة من الخامسة إلى السابعة مساءً تعرف عادة ارتفاعاً في الإقبال، إذ يستغل عدد من المواطنين انتهاء أعمالهم للتوجه إلى مكاتب التصويت. وأضاف أن التعبئة الانتخابية تزداد خلال الساعات الأخيرة من الاقتراع، بعدما يحاول كل مرشح حشد أكبر عدد ممكن من الناخبين تفادياً لأي مفاجآت خلال اللحظات الأخيرة من العملية الانتخابية.

وفي السياق ذاته، لفت الغالي إلى وجود اختلاف في نمط الإقبال بين المجال الحضري والعالم القروي، موضحاً أن ارتفاع نسب المشاركة في الحواضر غالباً ما يستمر إلى الساعات الأخيرة، في حين يتجه سكان المناطق القروية إلى التصويت في وقت مبكر أو خلال منتصف النهار، بحكم رغبتهم في العودة إلى منازلهم، خاصة أن مكاتب التصويت في العالم القروي لا تكون دائماً بالقُرب نفسه المتاح في المدن.

وفي رده على سؤال حول تأثير انخفاض عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية مقارنة بانتخابات 2021 على نسبة المشاركة، أوضح الغالي أن التسجيل في اللوائح الانتخابية لا يعني بالضرورة أن المسجل سيشارك في التصويت، مؤكداً أن الهدف يظل هو الوصول إلى معدل مشاركة مقبول يعكس الحد الأدنى من التعبير عن الإرادة العامة.

واستحضر الأستاذ الجامعي، في هذا الإطار، المعطيات الدولية المتعلقة بتراجع المشاركة الانتخابية، مشيراً إلى أن المعدل العالمي للمشاركة كان في فترات سابقة يتجاوز 60 في المائة، بينما أصبح في حدود 55 في المائة، بعدما كانت بعض الدول تسجل نسباً تفوق 75 و80 في المائة. وأضاف أن الانتخابات في عدد من الدول، بما فيها دول عريقة في مجال الديمقراطية، أصبحت تسجل نسب مشاركة تدور تقريباً حول النصف، أي في حدود 50 أو 52 أو 53 في المائة، وهو ما يطرح، بحسبه، سؤالاً أوسع حول مدى فعالية الشكل التقليدي للتصويت الحضوري داخل مكاتب الاقتراع وقدرته على الاستمرار في ظل التحولات التي تعرفها العملية الانتخابية.

وفي هذا الصدد، أشار الغالي إلى أن بعض الدول اتجهت إلى اعتماد التصويت الإلكتروني، وهو ما ساهم في حالات معينة في رفع نسب المشاركة، غير أنه شدد في المقابل على أن هذا النمط يطرح مخاطر مرتبطة بالأمن السيبراني للعملية الانتخابية، فضلاً عن الانتقادات التي أثيرت بشأن احتمال تعرض الأنظمة الإلكترونية للاختراق، وما قد يترتب عن ذلك من تأثير في الإرادة العامة وإرادة المصوتين.

وأكد أن بلوغ نسبة مشاركة في حدود 50 في المائة أو الاقتراب منها أو تجاوزها، مع الأخذ بعين الاعتبار المعدل العالمي، يمكن اعتباره مؤشراً مهماً، مبرزاً أن رفع المشاركة يحتاج إلى تعبئة المواطنين والمواطنات من أجل التسجيل في اللوائح الانتخابية، ثم التوجه إلى مكاتب التصويت، باعتبار أن التصويت يمثل انخراطاً والتزاماً ومسؤولية، ولا يمكن للمواطن أن يكتفي بالمطالبة دون أن يبادر بدوره إلى ممارسة حقه ومسؤوليته.

وانتقل الغالي إلى مسألة التمثيلية السياسية، موضحاً أن التمثيلية الشعبية يمكن أن تأخذ أشكالاً وصيغاً مختلفة، من بينها الاستفتاء، حيث يتوجه المواطنون مباشرة للتصويت على القرارات والقضايا المطروحة، مستحضراً في هذا السياق التجربة السويسرية، مقابل النموذج الأكثر انتشاراً والقائم على التمثيلية الوطنية، حيث يختار الشعب من يمثله داخل المؤسسات الدستورية، ليتحدث ويصوت باسمه ونيابة عنه.

وأوضح أن هذا النموذج يطرح بدوره نقاشاً حول طبيعة الوكالة التي يمنحها الناخب لممثله، وما إذا كانت وكالة إلزامية أم اختيارية، مستحضراً إمكانية التساؤل حول ما إذا كان من حق الناخبين، في حال ثبت بعد مرور سنة مثلاً أن المنتخب لم يلتزم بالوعود والتعهدات التي قدمها، جمع العرائض والمطالبة بإنهاء مهمته، أم أن سلطة الناخب تنتهي بمجرد وضع ورقة التصويت في الصندوق، على أن تتم محاسبة المنتخب بعد نهاية الولاية الانتخابية.

وشدد الغالي على أن نسبة المشاركة لا ينبغي اختزالها فقط في عدد الأشخاص الذين توجهوا إلى مكاتب التصويت أو أولئك الذين لم يصوتوا، لأن عدم التصويت لا يعني بالضرورة الرفض أو عدم الرغبة في المشاركة، بل قد يكون مرتبطاً أيضاً بما وصفه بـ”حزب اللامبالاة”، أي الفئة التي ترى أن الانتخابات لن تضيف إليها شيئاً ولن تغير واقعها.

وأكد أن رفع نسبة المشاركة بشكل كبير يظل مرتبطاً بمدى شعور الناخب بأن صوته ستكون له قيمة وتأثير، موضحاً أنه عندما لا يشعر المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق، فإنه لن يكون متحمساً بالقدر الكافي للمشاركة وتحمل مسؤوليته السياسية. وأشار في المقابل إلى أن هناك من يتخذ قرار عدم التصويت انطلاقاً من موقف مرتبط بطبيعة المرشحين والبرامج الحزبية أو بصورة الأحزاب ومدى قدرتها على إحداث التغيير، معتبراً أن هذا الموقف يظل حقاً من حقوق المواطن، لكنه شدد على أن تعزيز المشاركة السياسية يقتضي الاشتغال على فكرة أن صوت المواطن يمثل رمزاً للتغيير.

وقال الغالي إن التغيير لا يمكن أن يتحقق من خلال اكتفاء الناخب بتقديم النصائح والمواعظ دون ممارسة دوره، موضحاً أن الحديث عن الشفافية والنزاهة يقتضي كذلك تحمل المواطن والناخب لمسؤوليته، من خلال منح صوته للجهة التي تتوفر فيها، بحسب تقديره، المواصفات التي تمكن من تحقيق هذه المبادئ.

وختم الأستاذ الجامعي بالتأكيد على أن المشاركة السياسية ينبغي أن تكون “فعلية وفعالة وناجعة”، موضحاً أن المقصود بذلك هو أن تكون لها القدرة على توفير الإحساس بالأمن والأمان والسكينة والطمأنينة، باعتبار أن هذه العناصر تظل أساسية في علاقة المواطنين بالمشاركة السياسية واستشراف المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *