المغرب بين ضرورة الاستحقاق ورهان الاستثناء
هل نحتاج إلى انتخابات شكلية أم إلى قطيعة استراتيجية؟
تستعد الساحة الوطنية لخوض محطة انتخابية جديدة لانتخاب ممثلي الأمة وتشكل حكومة جديدة لتحديد الملامح التنفيذية للفترة المقبلة. غير أن التساؤل الملحّ والعميق الذي يفرض نفسه بجدية على الشارع المغربي والرأي العام الوطني لا يرتبط بفعل التصويت في حد ذاته كآلية إجرائية، بل بمدى جدوى إعادة تدوير النخب نفسها التي تصدّرت المشهد السياسي لما يقارب ربع قرن – بل إن بعض وجوهها ما يزال يترأس الهيئات السياسية ذاتها ويحمل ذات الرؤى والأدبيات منذ ستينيات القرن الماضي.
إن حالة الإجهاد العارم، والتذمر الشعبي المتزايد، والتراجع التنموي والاجتماعي الذي يرافق هذا المشهد، تجعل فكرة الاكتفاء بانتخابات تقليدية كمن يُعيد خوض نفس التجربة العميقة بانتظام بانتظار نتائج مختلفة. ومن هذا المنطلق، تصبح مراجعة آليات العمل السياسي والبحث عن بدائل شجاعة وعملانية لحماية الجبهة الداخلية أولوية وطنية تعلو فوق الشكليات التنافسية.
أولاً: أزمة النخب الحزبية واستنفاد النموذج التقليدي
لقد أثبتت الواقعية السياسية أن أزمة العمل الحزبي في البلاد لم تعد تقتصر على أيديولوجيا دون أخرى؛ فالخلل أعمق من تقاطعات اليمين واليسار، ولا يفرق بين التوجهات العلمانية أو الإسلامية، أو الليبرالية والاشتراكية. المشكلة الأساسية تكمن في البنية الهيكلية لهذه النخب التي باتت تغلب الغنائم الفردية والمنافع الفئوية ورهانات التموقع على حساب النجاعة التنموية وحاجة المواطن اليومية.
تاريخياً، لم تكن التحولات الوطنية الكبرى وتجاوز الأزمات الكبرى وليدة تنافس حزبي ضيق بقدر ما كانت وليدة قرارات إستراتيجية تصحيحية تقودها المؤسسة الملكية. ويُظهر التاريخ السياسي للمغرب أن الدولة كانت تلجأ عند انسداد الأفق إلى أدوات دستورية وإجراءات حاسمة لتأمين الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات:
- حالة الاستثناء لعام 1965: حينما أعلن الملك الراحل الحسن الثاني حالة الاستثناء بموجب الفصل 35 من دستور 1962 (في 7 يونيو 1965)، عقب أحداث مارس 1965 بالدار البيضاء والانسداد البرلماني المحموم، بهدف إعادة ضبط المشهد المؤسساتي، وحماية هيكل الدولة من الانهيار.
- حكومة التناوب التوافقي (1998): التي قادها الراحل عبد الرحمن اليوسفي في 14 فبراير 1998 بناءً على توافق وطني تاريخي لتجنيب البلاد “سكتة قلبية” اقتصادية وسياسية كشف عنها التقرير البنكي الشهير آنذاك، ومثّلت مرحلة انتقالية هدفت إلى إنقاذ مؤسسات الدولة وتأهيلها.
واليوم، أمام التراجع غير المسبوق في نسبة الثقة الشعبية تجاه الأحزاب والمنتخبين، يُطرح التساؤل الملحّ: هل تملك هذه الطبقة السياسية الفاسدة أو العاجزة المقدرة على مواجهة متطلبات المرحلة؟ أم إن الذهاب إلى صندوق الاقتراع في ظل المعطيات الحالية ليس سوى تمديد لإنتاج العجز ذاته؟
ثانياً: التعقيدات الجيوسياسية والبيئة الدولية الضاغطة
تأتي هذه المحطة السياسية الوطنية في ظرفية عالمية وإقليمية شديدة التوتر تتسم بـ “تغير قواعد اللعبة الدولية” ونشوب نزاعات كبرى كشفت عن هشاشة المنظومة الدولية:
- الصراعات الدولية ومواطن الطاقة: الحروب المشتعلة في أوروبا الشرقية، والتهاب الشرق الأوسط الممتد، واضطراب خطوط الطاقة الملاحية والتجارة العالمية، مما خلق موجات تضخمية وأزمات غلاء غير مسبوقة.
- التربصات الإقليمية ومخاطر الحدود: التحديات الإستراتيجية المعقدة في المحيط المغاربي والإفريقي، والتي تتطلب جبهة داخلية صلبة ومؤسسات تنفيذية حاسمة لا تحتمل الصراعات الهامشية والمزايدات السياسوية.
في ضوء هذه العواصف الجيوسياسية والاقتصادية، أثبتت التجارب الدولية الحديثة أن الدول تركز في أوقات الأزمات الوجودية على نجاعة الإدارة ورجال الدولة بعيداً عن الاستعراض الانتخابي.
ثالثاً: مقترح حكومة التدبير الانتقالي وتولّي ولي العهد للقيادة
إن أصل الفكرة المقترحة لمعالجة هذا الانسداد لا يعود إلى تقويض الديمقراطية، بل إلى “تأهيل بيئتها” وإنقاذ الدولة من احتقان قد يقتلع كل شيء. وتتلخص ملامح هذا الخيار الاستثنائي في الخطوات التالية:
- إعلان حالة تدبير استثنائية وتشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط): تجميد العمل الانتخابي الحزبي المؤقت لتشكيل حكومة أزمات تضم قامات وطنية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والغيرة الوطنية، تدير القطاعات الحيوية والتنموية بعيداً عن منطق المحاصصة الحزبية.
- قيادة مرحلية ببعد مستقبلي (إشراف سمو ولي العهد): قيادة أو إشراف ولي العهد على هذه المرحلة الانتقالية، وهو ما يمثل فرصة تاريخية للالتحاق المباشر بقضايا الشارع، والتعرف عن قرب على الاختلالات البنيوية للإدارة، واكتساب الخبرة الميدانية الحقيقية في تدبير الملفات الكبرى، خاصة في ظل الثقة الشعبية المطلقة الممنوحة للمؤسسة الملكية مقابل انعدامها تجاه الفاعلين السياسيين.
- تطهير المشهد السياسي وربط المسؤولية بالمحاسبة: إطلاق حملة وطنية واسعة لتطهير المشهد الحزبي، والمحاسبة الصارمة لرموز الفساد والمربكين للتنمية، تحت إشراف الأجهزة الأمنية والقضائية، ووضع معايير قانونية وأخلاقية جديدة لتأهيل النخب قبل العودة إلى الخيار الديمقراطي التعددي.
رابعاً: المنظومة الدولية والواقعية السياسية
قد يرى البعض أن اتخاذ خطوات استثنائية من هذا القبيل سيوجه ينتقدات من طرف المنتظم الدولي أو المؤسسات الغربية. إلا أن قراءة التحولات الدولية الحالية تكشف العكس:ضعف المنظومة الدولية وتراجع النموذج الغربي: المنظومة الدولية الحالية تمر بحالة تفكك وإعادة تشكيل؛ حيث أصبحت “الواقعية السياسية” هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، والتي تعطي الأولوية لاستقرار الدول وأمنها الداخلي على حساب الشكليات الديمقراطية المصنعة.
- النماذج الناجحة للحوكمة الصارمة: أظهرت تجارب دولية حديثة (مثل النموذج المالي والسنغافوري والشرق أسيوي) أن الاستبداد الإيجابي أو الحوكمة التكنوقراطية الصارمة خلال مراحل الأزمات كانت هي السبيل الوحيد لإعادة بناء الدولة وتأهيل مجتمعاتها قبل العودة للديمقراطية التنافسية.
إن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي لا يحتمل المجاملة السياسية ولا يحتمل التدبير بالصدفة. فالعالم يتغير من حولنا بسرعة مذهلة، والأزمات الجيوسياسية تحيط بحدودنا الوطنية، والجبهة الداخلية بحاجة ماسة إلى التماسك وقوة القرار.
إن الشجاعة السياسية تقتضي منا اليوم الاعتراف بعجز الطبقة الحزبية الحالية، والجرأة في اتخاذ قرارات حاسمة – ولو كانت استثنائية – لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وبناء دولة الكفاءة والمحاسبة التي تستجيب لتطلعات المغرب والجيل القادم.
اترك تعليقاً