تحالف 216 مقعدا… هل يكون بداية توازن سياسي واقتصادي جدي؟
التحالف الممكن بين PAM وPI وPJD لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية جمع المقاعد وتشكيل أغلبية مريحة، بل من زاوية التوازن السياسي الذي يمكن أن ينتجه، خصوصا إذا قام على ميثاق واضح يحدد قواعد التدبير والمسؤولية والمراقبة داخل الحكومة.
وجود PJD داخل الحكومة يمكن أن يضيف عنصرا رقابيا مهما، خصوصا أن الحزب قضى المرحلة السابقة في المعارضة ووجه انتقادات قوية لتدبير عدد من الملفات. دخوله الحكومة سيضعه أمام اختبار تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة فعلية في مراقبة الصفقات العمومية، وبرامج الدعم، وتضارب المصالح، وتدبير المال العام.
وهنا يمكن أن تكون لهذا التحالف خصوصية قد تثير اهتمام شريحة من المغاربة: حكومة تضم داخلها قوى سياسية مختلفة لا تتفق في كل شيء، لكنها تتعاقد على قواعد واضحة وتجعل الاختلاف وسيلة للرقابة المتبادلة بدل أن يكون سببا للشلل.
وهذا ليس أمرا غريبا في الديمقراطيات التي تعتمد الحكومات الائتلافية. في ألمانيا مثلا، لا يكفي أن تتفق الأحزاب على تشكيل أغلبية، بل تتفاوض على ميثاق ائتلافي مفصل يحدد الأولويات والسياسات وقواعد التعاون وكيفية تدبير الخلافات.
لماذا لا نطور نحن أيضا هذا المنطق؟
يمكن لتحالف PAM وPI وPJD أن يضع ميثاقا للأغلبية يحدد منذ البداية قواعد تدبير الصفقات والدعم العمومي، وضوابط تضارب المصالح، والتعيينات، والمنافسة الاقتصادية، وتقييم عمل الوزراء، وآليات حل الخلاف بين مكونات الحكومة.
أما سياسيا، فإن هذا السيناريو سيدفع RNI إلى المعارضة، وهنا سيجد الحزب نفسه أمام تجربة مختلفة تماما عن قيادة الحكومة. المعارضة تحتاج إلى بناء خطاب بديل، ومراقبة الحكومة، وتقديم المقترحات، والمحافظة على القوة التنظيمية والسياسية من خارج الجهاز التنفيذي. وستكون فرصة حقيقية لمعرفة الوزن السياسي للحزب عندما يصبح بعيدا عن تدبير الحكومة.
لكن النقطة الأكثر أهمية هي العلاقة بين المال والسياسة.
المطلوب ليس استهداف القوة المالية لهذا الحزب أو ذاك، ولا استعمال الدولة لإضعاف خصم سياسي، بل بناء قواعد تمنع أي قوة مالية من التحول إلى نفوذ سياسي أو امتياز اقتصادي غير مشروع.
وهنا يمكن للتحالف الجديد أن يكون فرصة لتقوية الرقابة على الدعم العمومي، والصفقات، وتضارب المصالح، والمنافسة، والاحتكار، وضمان عدم حصول أي مقاولة على امتياز بسبب قربها من القرار السياسي.
كما يمكن إعادة فتح ملف الدعم المرتبط بالمحروقات والنقل وتقييمه بصرامة: من استفاد؟ كم كلف؟ ما أثره الحقيقي؟ وهل وصل الدعم إلى من يستحقه؟ المطلوب هو تحويل هذه الأسئلة إلى آليات مراقبة دائمة وليس مجرد شعارات انتخابية.
الاقتصاد المغربي يحتاج إلى منافسة حقيقية، وإلى بيئة تستطيع فيها المقاولات الصغرى والمتوسطة المنافسة دون أن يكون القرب من مراكز القرار عاملا حاسما في النجاح.
أما العلاقة بين PJD وPAM، فمن الطبيعي أن تطرح أسئلة كثيرة. فالبيجيدي انتقد البام بحدة لسنوات، ولا يمكن محو هذا التاريخ بمجرد إعلان تحالف حكومي.
لكن السياسة في النهاية هي أيضا فن التعاقد حول الممكن. ليس ضروريا أن يتفق الحزبان في كل شيء حتى يشتغلا داخل حكومة واحدة. المطلوب أن يعرف المغاربة تحديدا: على ماذا اتفقا؟ ما هي الخطوط الحمراء؟ وما هي الالتزامات التي سيحاسب عليها كل طرف؟
وهنا تكمن أهمية الميثاق.
التحالف الناجح ليس تحالفا يخفي الخلافات، بل تحالفا يحدد كيف ستتم إدارتها.
وفي النهاية، قيمة تحالف PAM وPI وPJD لن تكون في قدرته على إضعاف RNI أو أي حزب آخر. قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على بناء قواعد تجعل الجميع خاضعا للمراقبة نفسها، سواء كان في الحكومة أو المعارضة.
المطلوب ليس استبدال نفوذ بنفوذ، ولا قوة مالية بقوة مالية أخرى.
المطلوب أن تصبح المؤسسة أقوى من الحزب، والقاعدة أقوى من المال، والمنافسة أقوى من الاحتكار.
إذا نجح هذا التحالف في ذلك، فلن تكون أهميته في عدد المقاعد فقط، بل في إمكانية خلق توازن سياسي واقتصادي جديد يحتاجه المغرب.
اترك تعليقاً