ظاهرة أسامة بريك بميدلت.. عندما تصنع «الشعبوية الرقمية» مقعدا برلمانيا
شهدت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، تحولات لافتة في المشهد السياسي، لم تقتصر على تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، بل امتدت إلى عدد من الدوائر المحلية التي حملت مفاجآت غير متوقعة.
وفي دائرة ميدلت، برز اسم الشاب أسامة بريك كواحد من أبرز مفاجآت هذه الاستحقاقات، بعدما تصدر النتائج الأولية عن حزب الوحدة والديمقراطية، المعروف لدى المتابعين بلقب «حزب الصنبور» أو «حزب الروبيني». ووفق المعطيات المتوفرة بعد فرز جزء كبير من الأصوات، حصل بريك على 21.19 في المائة، متقدماً على عدد من مرشحي الأحزاب المعروفة، ليضمن بذلك مقعداً برلمانياً للحزب.
هذه النتيجة لا تبدو مجرد مفاجأة انتخابية عابرة، بل تطرح سؤالاً أوسع حول التحولات التي تعرفها طرق صناعة النخب السياسية في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على بناء حضور جماهيري واسع خارج القنوات الحزبية التقليدية.
من الحضور الرقمي إلى القاعدة الانتخابية.
لسنوات، عمل أسامة بريك على بناء حضور متواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما «فيسبوك»، من خلال نشر مقاطع فيديو وتناول قضايا ومشاكل مرتبطة بحياة سكان المنطقة، والدفاع عن مطالب تتصل بالتنمية والخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الجبلية.
وبذلك، تشكلت لديه قاعدة واسعة من المتابعين قبل دخوله رسمياً غمار المنافسة الانتخابية. ومن منظور سياسي واتصالي، يمكن النظر إلى هذا الحضور المتراكم باعتباره رصيداً جماهيرياً جاهزاً للتحول إلى دعم انتخابي لحظة إعلان الترشيح.
وهنا تبرز إحدى سمات السياسة الجديدة: فالحملة الانتخابية لم تعد بالضرورة تبدأ مع انطلاق الحملة الرسمية، وإنما يمكن أن تسبقها بسنوات من خلال بناء صورة المرشح وحضوره وعلاقته المباشرة مع المواطنين عبر المنصات الرقمية.
لغة بسيطة في مواجهة الخطاب السياسي التقليدي.
اعتمد بريك، في حضوره الرقمي، أسلوباً تواصلياً يقوم على اللغة البسيطة والمباشرة، والاقتراب من القضايا اليومية التي تهم المواطنين، بعيداً عن اللغة السياسية التقليدية التي كثيراً ما تبدو معقدة أو بعيدة عن انشغالات المواطن العادي.
وقد ساعد هذا الأسلوب، على ما يبدو، في منحه قدرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب والفئات التي تشعر بالابتعاد عن الخطاب الحزبي التقليدي.
غير أن هذا الأسلوب يفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول مفهوم «الشعبوية الرقمية». فمنتقدو هذا النوع من التواصل قد يرون فيه اعتماداً كبيراً على العاطفة وعلى تقديم المرشح نفسه باعتباره «صوت المقهورين»، بينما يرى مؤيدوه أن الأمر يتعلق بطريقة جديدة لتقريب السياسة من المواطن، واستعمال لغة يفهمها الجميع بدل الاكتفاء بالخطابات الحزبية التقليدية.
وبين القراءتين، تبقى النتيجة الانتخابية نفسها معطى لا يمكن تجاهله: حضور رقمي واسع استطاع أن يتحول إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
«الروبيني».. عندما يصبح الرمز الانتخابي جزءاً من المعادلة.
لم تتوقف عناصر المفاجأة عند شخصية المرشح وحضوره الرقمي، بل امتدت أيضاً إلى الرمز الانتخابي الذي خاض به السباق.
فحزب الوحدة والديمقراطية، الذي حمل رمز «الصنبور» أو «الروبيني»، استطاع من خلال هذا الرمز البصري البسيط أن يحضر في ذهن الناخبين بصورة مباشرة، في وقت كان فيه المرشح أكثر حضوراً وشهرة من الحزب نفسه.
وهنا تبرز مفارقة انتخابية لافتة: فقد يصوت الناخب في بعض الحالات لشخصية يعرفها ويتابعها يومياً، أكثر مما يصوت لاسم الحزب أو برنامجه السياسي. ويصبح الرمز الانتخابي، في هذه الحالة، وسيلة للوصول إلى المرشح أكثر منه تعبيراً عن هوية حزبية راسخة.
وقد أكدت النتائج الرسمية المؤقتة حصول حزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد في مجلس النواب، في مقابل حصول الأحزاب الكبرى على أغلبية المقاعد.
هل بدأت الأحزاب التقليدية تفقد احتكار صناعة المرشحين؟.
ما حدث في ميدلت يطرح سؤالاً يتجاوز شخص أسامة بريك أو حزب الوحدة والديمقراطية: هل بدأت وسائل التواصل الاجتماعي تغير فعلاً قواعد اللعبة الانتخابية؟
لقد كانت الأحزاب التقليدية تعتمد، لعقود، على التنظيمات المحلية، والهياكل الحزبية، واللقاءات المباشرة، والقدرة المالية والتنظيمية على إدارة الحملات الانتخابية. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان شخص يمتلك حضوراً رقمياً قوياً أن يدخل المنافسة من خارج هذه القنوات التقليدية، وأن يخاطب آلاف المواطنين مباشرة، وأن يحول المتابعين إلى قوة انتخابية.
وتكشف تجربة ميدلت، على الأقل في هذه الانتخابات، أن العلاقة بين الناخب والمرشح لم تعد تمر بالضرورة عبر الحزب وحده. فقد يستطيع المرشح أن يبني رصيده الشخصي أولاً، ثم يبحث عن الإطار الحزبي الذي يخوض من خلاله الانتخابات.
ميدلت.. رسالة إلى السياسة المغربية الجديدة.
إن ظاهرة أسامة بريك في ميدلت تستحق التوقف عندها ليس فقط باعتبارها مفاجأة انتخابية، وإنما باعتبارها نموذجاً لتحول أوسع في وسائل التواصل السياسي.
فقد أظهرت هذه التجربة أن «المؤثر الرقمي» لم يعد مجرد شخصية تملك جمهوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يمكن أن يتحول، في ظروف معينة، إلى فاعل سياسي يمتلك شرعية انتخابية ويمثل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية.
كما أنها تحمل رسالة واضحة إلى الأحزاب التقليدية: العالم الرقمي لم يعد هامشاً في الحياة السياسية، والتواصل مع المواطن لم يعد موسماً انتخابياً يبدأ قبل الاقتراع بأسابيع وينتهي بإغلاق صناديق التصويت.
لقد أصبحت السياسة تُصنع أيضاً في الهواتف والشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح المواطن قادراً على متابعة المرشح والتفاعل معه ومحاسبته ومقارنة خطابه قبل أن يصل إلى يوم الاقتراع.
ولذلك، فإن صعود أسامة بريك في ميدلت قد يكون أكثر من مجرد حالة انتخابية استثنائية؛ فقد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة مع الإعلام الرقمي، ويتراجع فيها احتكار الأحزاب التقليدية لصناعة الوجوه السياسية.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي أمام هذا النوع الجديد من المنتخبين هو الانتقال من شعبية المنصات الرقمية إلى العمل المؤسساتي، ومن قوة الحضور على «فيسبوك» إلى القدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم داخل البرلمان.
فالفوز الانتخابي قد تصنعه المنصات الرقمية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى قبة البرلمان.
اترك تعليقاً