المعارضة في خصومةٍ مع المستقبل
المعارضة لا ينبغي أن تستعجل إصدار موقف من أداء حكومة لم تبدأ عملها بعد، وأن تترك للأداء الفعلي أن يكشف نجاحها أو إخفاقها، وبقدرتها على تحمل المسؤولية أمام المؤسسات والمواطنين. أما إصدار حكم مسبق على حكومة لم تستكمل بعد تشكيلها، ثم بناء خطاب سياسي كامل على افتراض سقوطها أو فشلها، فينقل المنافسة من ميدان البرامج إلى ميدان الخصومة الشخصية والحسابات الحزبية.
ويكشف خطاب قيادة حزب العدالة والتنمية عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة عن هذا المنحى بوضوح. فقد أعلن عبد الإله بنكيران رفض مشاركة حزبه في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، وربط موقفه بتشكيكه في ظروف النتائج، ثم تجاوز ذلك إلى توقع عدم نجاح الحكومة المقبلة، مستندا في ذلك إلى ما صدر عن الحزب الفائز خلال الحملة الانتخابية.
ولا جدال في حق أي حزب في رفض المشاركة في الحكومة واختيار موقع المعارضة؛ فهذا خيار سياسي مشروع، كما أن المعارضة حق دستوري لا يحتاج إلى مسوغ خارج المؤسسات. غير أن ممارسة هذا الحق شيء، والحكم مسبقا على تجربة حكومية لم تبدأ بعد شيء آخر.
لكن جوهر الإشكال يبدأ عندما تنتقل المعارضة من مساءلة الخيارات إلى بناء سردية مسبقة حول المصير. فالحكومة التي لم تبدأ عملها بعد لا تملك حصيلة حتى تخضع للمحاسبة، ولا تستطيع المعارضة أن تحاكم نتائج سياسات لم تر النور. تستطيع أن تنتقد البرنامج المقترح، وأن تفكك وعود الأغلبية، وأن تكشف تناقضاتها، وأن تضع شروطا واضحة للمراقبة؛ أما تحويل التوقع إلى حكم نهائي، فيجعل الخصومة أسبق من التجربة.
غير أن هذا الموقف يضعنا أمام خلل أعمق في ثقافة العمل السياسي، لا يخص حزبا بعينه. المعارضة الناضجة تنتظر من الحكومة فرصة العمل حتى تبني ملفها النقدي على الوقائع. تراقب الميزانية، وتفحص التشريعات، وتتابع تنفيذ الوعود، وتسائل الوزراء، وتستعمل أدوات البرلمان والقضاء والإعلام والمجتمع المدني. أما المعارضة التي تستبق النتائج، فتخاطر بتحويل البرلمان إلى امتداد للحملة الانتخابية، وتتعامل مع الدولة كأنها ساحة متواصلة لتصفية الحسابات.
ويزداد الأمر حساسية عندما تتحول اللغة السياسية إلى وسيلة للتشكيك في الخصم قبل اختبار تجربته. فقد استخدم حزب العدالة والتنمية خلال الأشهر السابقة خطابا شديد اللهجة تجاه الحكومة وأحزاب الأغلبية، ووصف حصيلتها بالإخفاق في عدد من الملفات، كما انتقد قرارات وتعيينات وتشريعات محددة. هذا النوع من النقد يظل جزءا طبيعيا من التنافس الديمقراطي ما دام يستند إلى ملفات قابلة للفحص. ويفقد النقد قيمته عندما يصبح الخطاب نفسه بديلا عن الحجة، وحين تنقلب المنافسة من سؤال: «ماذا ستفعل الحكومة؟» إلى سؤال: «كيف نمنعها من النجاح؟»
الفرق دقيق لكنه حاسم. السياسي الذي يريد محاسبة خصمه ينتظر فعله، ثم يقدم الدليل على الخطأ، ويطالب بالتصحيح أو المسؤولية. السياسي الذي يجعل من خصمه خصما وجوديا قد يرى في نجاحه تهديدا لموقعه، فيتحول نجاح المؤسسات عنده إلى خسارة حزبية. فيغيب المواطن عن مركز المعادلة، إذ تحكم الحزبَ حساباتُ الربح والخسارة السياسية، بدلا من النظر إلى أثر القرار في حياة الناس.
ولا ينبغي حصر هذه الظاهرة في العدالة والتنمية وحده. الحياة السياسية المغربية عرفت خلال سنوات طويلة نماذج متعددة للخطاب الحاد، سواء من قيادات حزبية أو مسؤولين حكوميين أو شخصيات معارضة. لذلك فالمسألة تتطلب قراءة أوسع لثقافة سياسية تسمح أحيانا بانزلاق النقاش من نقد السياسات إلى الطعن في الأشخاص، ومن مساءلة القرار إلى محاكمة النيات، ومن الاختلاف حول البرامج إلى استعمال اللغة كأداة لإذلال الخصم.
المثير هنا أن الخطاب السياسي الرسمي للدولة يقدم نموذجا مختلفا في إدارة الخلافات. خطابات الملك محمد السادس، وكذلك الخطاب الدبلوماسي المغربي في المحافل الدولية، يحافظان غالبا على لغة محسوبة، حتى عند تناول ملفات شديدة الحساسية أو قضايا تتصل بخصومات خارجية. هذا الأسلوب يمنح الموقف السياسي قوة إضافية، لأن صلابة الدولة لا تحتاج إلى صخب لغوي حتى تعبر عن نفسها. وفي المجال الدبلوماسي تحديدا، تصبح العبارة جزءا من إدارة المصالح، وكل كلمة تحمل احتمالاتها السياسية.
هذه المفارقة تطرح سؤالا يستحق نقاشا أعمق: لماذا يجد بعض السياسيين سهولة في استعمال لغة الصدام داخل المجال الوطني، بينما تحضر الحكمة والاحتراز بصورة أكبر في الخطاب الرسمي الموجه إلى الخارج؟ هل يتعلق الأمر بثقافة حزبية نشأت على منطق التعبئة والمواجهة؟ أم بتقاليد انتخابية تجعل رفع منسوب التوتر وسيلة لجذب الانتباه؟ أم أن بعض الفاعلين ما زالوا يحملون إلى السياسة أساليب اجتماعية قديمة ترى في الصوت العالي دليلا على القوة؟
ربما يجتمع أكثر من عامل في إنتاج هذه الظاهرة. فالسياسي الذي يخاطب جمهوره الحزبي يحتاج إلى لغة تحشد وتستنهض المشاعر، لكن المسؤول العمومي يحتاج إلى لغة أخرى تضع المصلحة العامة فوق الانفعال. ومع مرور الوقت قد تختلط وظيفة التعبئة بوظيفة التدبير، فيصبح الخطاب الانتخابي حاضرا حتى بعد انتهاء الانتخابات.
من هنا تأتي أهمية مفهوم المسؤولية السياسية. المعارضة لا تحتاج إلى تمني فشل الحكومة حتى تؤدي دورها. يكفيها أن تجعل نجاح الحكومة مشروطا بالشفافية، وربط الإنفاق بالنتائج، واحترام القانون، وتقديم الحساب أمام البرلمان والرأي العام. فإذا أخفقت الحكومة، امتلكت المعارضة آنذاك ملفا قويا تستند إليه؛ وإذا نجحت في بعض الملفات، تستطيع المعارضة أن تسجل ملاحظاتها من دون أن تبدو كأنها تعارض النجاح لذاته.
وقد قدم حزب العدالة والتنمية نفسه خلال الحملة الانتخابية تصورات وبرامج تخص الصحة والتشغيل ومحاربة الفساد والاستثمار وغيرها من الملفات، كما تحدث إدريس الأزمي عن أولويات محددة للمائة يوم الأولى من أي حكومة مقبلة. وهذا يفتح أمام الحزب طريقا سياسيا أكثر فاعلية: تحويل قدرته على النقد إلى مقترحات قابلة للقياس والمناقشة، ثم مراقبة الحكومة من خلال نتائجها.
السياسة في النهاية امتحان للأخلاق بقدر ما هي صراع حول السلطة. المواطن لا يحتاج إلى خصومات دائمة بين الأحزاب؛ يحتاج إلى مؤسسات تعمل، ومعارضة تراقب، وأغلبية تتحمل المسؤولية، وخطاب يحترم ذكاء الناس. أما تحويل المجال العام إلى حلبة انتظار لسقوط الخصم، فيستهلك السياسة ويضعف ثقة المواطن فيها.
المعارضة التي تستحق الاحترام لا تتمنى للحكومة الفشل؛ إنها تجعل الفشل مكلفا سياسيا عندما يقع، وتجعل النجاح قابلا للاعتراف عندما يتحقق. وبين الموقفين تتحدد قيمة الفاعل السياسي: هل يرى الدولة ملكا لحزبه، أم يرى الحزب أداة لخدمة الدولة والمجتمع؟ هذا السؤال أعمق من نتيجة انتخابية عابرة، لأنه يتعلق بنوع الثقافة التي نريدها للسياسة المغربية: ثقافة خصومة تستمد قوتها من ارتفاع الضجيج، أم ثقافة مسؤولية تجعل قوة الحجة أعلى من حدة الصوت.
اترك تعليقاً