منتدى العمق

المنصوري رئيسة للحكومة: هل تغيّر وجه السلطة أم تتغيّر طريقة تدبيرها؟

إبراهيم الخياطي

لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026 مجرد انتقال من رئيس حكومة إلى آخر، بل محطة سياسية تفتح النقاش حول طبيعة السلطة التنفيذية في المغرب، وحدود التغيير الذي يمكن أن تحمله قيادة جديدة في سياق مؤسساتي وسياسي تحكمه توازنات دستورية وحزبية واجتماعية معقدة. فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعداً، كلف الملك محمد السادس المنصوري بتشكيل الحكومة، استناداً إلى الفصل 47 من الدستور. وبذلك أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية.

يحمل هذا التعيين دلالة رمزية ومؤسساتية واضحة، إذ تنتقل المرأة المغربية إلى موقع قيادة الجهاز الحكومي، بعد سنوات من الحضور في البرلمان والوزارات والجماعات الترابية. غير أن أهمية الحدث لا ينبغي أن تختزل في كونه سابقة نسائية؛ فالتحدي الحقيقي يبدأ من اللحظة التي تتحول فيها الرمزية إلى مسؤولية سياسية مباشرة، ويصبح المطلوب هو تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية وتنسيق عمل المؤسسات وتحمل نتائج القرارات الحكومية. كما أن تعيين امرأة على رأس الحكومة لا يعني، في حد ذاته، أن السياسات ستتغير أو أن طبيعة السلطة ستتبدل تلقائياً؛ فذلك رهين بالاختيارات والبرنامج وطريقة ممارسة الصلاحيات.

ومن الناحية الدستورية، لا تبدأ المنصوري من فراغ، كما لا تتولى سلطة مطلقة. فدستور 2011 منح رئيس الحكومة اختصاصات في قيادة العمل الحكومي، وممارسة السلطة التنظيمية، والإشراف على الإدارة، وتنسيق السياسات العمومية، إلى جانب صلاحيات التعيين في عدد من المناصب المدنية العليا، مع مراعاة الاختصاصات الدستورية الأخرى. وفي المقابل، يحتفظ الملك باختصاصات محددة في الدستور، من بينها رئاسة المجلس الوزاري والتعيين في المناصب الاستراتيجية وفق الفصل 49. وهكذا فإن السؤال ليس فقط من يقود الحكومة، بل كيف ستُمارس الصلاحيات داخل منظومة تتوزع فيها المسؤوليات بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان.

وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فحزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، لم يحصل على الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، التي تبلغ 198 مقعداً من أصل 395. وهو ما يجعل تشكيل أغلبية حكومية منسجمة أول اختبار سياسي أمام المنصوري. وستكشف المفاوضات مع الأحزاب الأخرى عن طبيعة التحالفات الممكنة، وعن مدى قدرة رئيسة الحكومة على بناء فريق حكومي يتجاوز منطق توزيع الحقائب إلى الاتفاق على برنامج واضح، وآليات للتنسيق والمحاسبة.

فالائتلاف الحكومي ليس مجرد جمع لأحزاب متباينة تحت سقف واحد، بل هو اختبار لقدرة القيادة على تحويل الاختلافات الحزبية إلى برنامج مشترك. وإذا كانت المناصب الوزارية تعكس توازنات التفاوض، فإن السياسات العمومية هي التي ستكشف لاحقاً مدى الانسجام بين مكونات الأغلبية. ومن هنا، ستكون تركيبة الحكومة المقبلة مؤشراً مهماً على طبيعة التدبير، لكنها لن تكون وحدها معيار الحكم على أدائها.

أما على المستوى الاجتماعي، فتجد الحكومة الجديدة نفسها أمام انتظارات تتجاوز الأسماء والشعارات. فالشغل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن، والماء، ليست ملفات يمكن تأجيلها إلى نهاية الولاية. والمواطن الذي تابع الحملات الانتخابية لا ينتظر فقط تغييراً في الوجوه، بل يريد أن يلمس أثراً مباشراً في حياته اليومية. لذلك ستصبح قدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى إجراءات قابلة للقياس، وعلى تحديد آجال التنفيذ ومصادر التمويل والمسؤوليات، جزءاً أساسياً من شرعيتها السياسية.

ويضاف إلى ذلك رهان الاستثمارات الكبرى المرتبطة باستعدادات المغرب لكأس العالم 2030. فهذه المشاريع تفتح إمكانات لتطوير البنية التحتية والنقل والسياحة، لكنها تطرح أيضاً سؤال الأولويات: كيف يمكن ضمان أن تتحول الاستثمارات إلى فرص شغل مستدامة وخدمات أفضل، وأن لا يبقى أثرها محصوراً في المنشآت الكبرى؟ هنا تحديداً سيظهر الفرق بين حكومة تدير الأوراش وحكومة تستطيع ربطها بحاجات المجتمع.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن دور البرلمان والمعارضة. فالحكومة، مهما كانت طبيعة قيادتها، تظل مطالبة بعرض برنامجها أمام البرلمان والحصول على ثقة مجلس النواب وفق الفصل 88 من الدستور. كما تخضع للمساءلة عبر الأسئلة البرلمانية وآليات الرقابة الدستورية. وسيكون أداء المعارضة بدوره جزءاً من معادلة التغيير، من خلال مراقبة الالتزامات الحكومية وتقديم البدائل ومتابعة تنفيذ السياسات، بعيداً عن اختزال العمل السياسي في المواجهة الخطابية.

إن تعيين المنصوري يغيّر بالفعل وجه القيادة الحكومية، ويكسر سابقة تاريخية في التمثيل النسائي داخل أعلى موقع تنفيذي. لكنه لا يقدم وحده جواباً عن سؤال التغيير السياسي والاجتماعي. فذلك الجواب سيُكتب عبر طبيعة الأغلبية التي ستتشكل، والبرنامج الذي ستعتمده، والقرارات التي ستتخذها، والنتائج التي ستتحقق على أرض الواقع.

في النهاية، قد يبدأ التغيير بصورة تاريخية لامرأة تتولى رئاسة الحكومة، لكنه لا يكتمل إلا عندما تتحول هذه الصورة إلى مؤسسات أكثر فعالية، وسياسات أكثر إنصافاً، ومسؤولية سياسية واضحة. فالمواطن لا يقيس السلطة بمن يجلس في موقع القرار فقط، بل بما يتغير في حياته نتيجة القرارات المتخذة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *