الطعون الانتخابية أمام المحكمة الدستورية
ثلاثون يوما لتقديم الطعون بشأن نتائج اقتراع 23 شتنبر
لم تنتهِ العملية الانتخابية بمجرد إعلان النتائج النهائية لانتخاب أعضاء مجلس النواب. فبعد الاقتراع وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، ينفتح أجل للمنازعة في صحة الانتخاب أمام المحكمة الدستورية، وفق الشروط والآجال التي يحددها القانون.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية، يوم الجمعة 25 شتنبر 2026، أن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر تطابق النتائج العامة المؤقتة التي سبق الإعلان عنها، وذلك عقب انتهاء لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية من عمليات إحصاء الأصوات وإعلان النتائج ووضع المحاضر وإيداع نظير منها لدى المحكمة الدستورية.
ويكتسي تاريخ الإعلان عن النتائج أهمية إجرائية خاصة، لأن المادة 32 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية تحدد في ثلاثين يوماً الموالية لتاريخ الإعلان عن نتيجة الاقتراع الأجل الذي يمكن خلاله الطعن، طبقاً للقانون، في انتخاب أعضاء البرلمان أمام المحكمة الدستورية.
وبذلك بدأ أجل تقديم الطعون المتعلقة بصحة انتخاب أعضاء مجلس النواب أمام المحكمة الدستورية، وهي مرحلة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء شكلي، وإنما باعتبارها إحدى الضمانات القانونية المرتبطة بصحة الانتخاب وسلامته.
من يطعن؟ وكيف؟
المنازعة الانتخابية أمام المحكمة الدستورية تخضع لمقتضيات إجرائية دقيقة. فالمادة 34 من القانون التنظيمي نفسه تنص على أن النزاع يحال إلى المحكمة الدستورية بواسطة عريضة مكتوبة، يمكن إيداعها لدى الأمانة العامة للمحكمة، أو لدى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم الذي جرت فيه العمليات الانتخابية، أو لدى رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي جرى الانتخاب بدائرتها.
كما تحدد المادة 35 البيانات التي ينبغي أن تتضمنها العريضة، ومن بينها هوية الطاعن وصفته، وهوية المنتخب أو المنتخبين المطعون في انتخابهم، فضلاً عن بيان الوقائع والوسائل المحتج بها لإلغاء الانتخاب وإرفاق المستندات المؤيدة للطعن.
وهذا يعني أن مجرد وجود ملاحظات أو اعتراضات سياسية على سير العملية الانتخابية لا يكفي، في حد ذاته، لإحداث أثر قضائي؛ إذ يتعلق الأمر بمنازعة لها شروطها القانونية ووسائل إثباتها ومساطرها المحددة.
ماذا يمكن أن تنظر فيه المحكمة؟
تتعلق المنازعة بصحة انتخاب أعضاء البرلمان، وهي من الاختصاصات التي أسندها الدستور إلى المحكمة الدستورية. فالفصل 132 من الدستور ينص على أن المحكمة تبت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان، كما يحدد لها أجلاً أصلياً للبت في الطعون الانتخابية يمتد إلى سنة ابتداء من تاريخ انتهاء أجل تقديم الطعون، مع إمكانية تجاوز هذا الأجل بقرار معلل في الحالات التي يبررها عدد الطعون أو طبيعة الطعن.
ومن الناحية العملية، قد تنصب المنازعة على مخالفات أو وقائع مرتبطة بمراحل العملية الانتخابية، سواء تعلق الأمر بعمليات الاقتراع أو الحملة الانتخابية أو شروط الترشح أو احتساب النتائج، متى كانت الوقائع المدعى بها داخلة في اختصاص المحكمة ومؤيدة بما يكفي من عناصر الإثبات.
غير أن تسجيل الطعن لا يعني بالضرورة إلغاء الانتخاب.
وهذه نقطة أساسية في قراءة المرحلة الحالية. فالمحكمة الدستورية لا تتعامل مع كل مأخذ انتخابي بالنتيجة نفسها؛ إذ تنص المادة 38 على إمكانية رفض العريضة إذا كانت المآخذ الواردة فيها يظهر جلياً أنها لم يكن لها تأثير في نتائج الانتخاب.
وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق فقط بإثبات وجود مخالفة، وإنما أيضاً بمدى ارتباطها بصحة العملية الانتخابية ونتيجتها، وفق ما ستقدره المحكمة في كل ملف على حدة.
بين استقرار النتائج وحق الطعن
تكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية لأنها تقع عند نقطة التوازن بين مبدأين متلازمين: استقرار المؤسسات المنتخبة من جهة، وضمان الحق في المنازعة القضائية في صحة الانتخابات من جهة أخرى.
فالمشرع لم يجعل إعلان النتائج نهاية مطلقة للنزاع، كما أنه لم يجعل تقديم الطعن سبباً تلقائياً لوقف آثار الانتخاب. بل نصت المادة 35 صراحة على أن العريضة الانتخابية ليس لها أثر واقف.
وفي الوقت نفسه، منح القانون للمحكمة الدستورية صلاحية تقرير الأثر القانوني المناسب عندما يثبت لديها ما يبرر تدخلها. فوفق المادة 39، يمكن للمحكمة، إذا قضت لفائدة الطاعن، أن تلغي الانتخاب المطعون فيه أو أن تصحح النتائج الحسابية التي أعلنتها لجنة الإحصاء، وأن تعلن، عند الاقتضاء، المرشح الفائز بصورة قانونية.
وهنا تبرز أهمية عدم استباق قرارات القضاء الدستوري. فقبل صدور الأحكام، تظل النتائج المعلنة قائمة، وتظل الطعون مجرد منازعات معروضة على جهة قضائية مختصة، وليس من الدقيق التعامل معها باعتبارها دليلاً مسبقاً على عدم صحة انتخاب معين.
هل نحن أمام احتمال انتخابات جزئية؟
طرح هذا السؤال سيكون مشروعاً خلال الأسابيع المقبلة، لكن الإجابة عنه لا يمكن أن تكون مسبقة.
فإذا انتهت المحكمة الدستورية في ملف معين إلى إلغاء الانتخاب، فإن الآثار القانونية المترتبة عن ذلك تُحدد وفق المقتضيات القانونية ذات الصلة، وقد يستلزم الأمر، بحسب الحالة، إجراء انتخاب جديد. غير أن الوصول إلى هذه النتيجة يظل رهيناً بما سيعرض على المحكمة من طعون، وبحجج الأطراف، وبما ستخلص إليه المحكمة في قراراتها.
لذلك، فإن الحديث عن احتمال تغير بعض مكونات مجلس النواب يجب أن يظل، في هذه المرحلة، احتمالاً قانونياً مشروطاً بنتائج المنازعات الانتخابية، وليس نتيجة سياسية أو انتخابية مقررة سلفاً.
مرحلة اختبار جديدة للرقابة الانتخابية
الأهمية الحقيقية للأيام الثلاثين المقبلة لا تكمن فقط في عدد الطعون التي قد تصل إلى المحكمة الدستورية، وإنما أيضاً في طبيعة المسائل التي ستطرح أمامها وفي مدى قدرة المتنافسين على تقديم منازعات مؤسسة على وقائع قابلة للإثبات.
فالانتخابات لا تكتمل مؤسساتياً بمجرد الإدلاء بالأصوات وإعلان النتائج؛ إذ تظل خاضعة لرقابة قضائية تستهدف حماية القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وصيانة سلامة التمثيل الناتج عنها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى أجل الثلاثين يوماً باعتباره مرحلة قانونية فاصلة بين إعلان النتائج وبين استكمال مسار المنازعة بشأن صحتها. أما الحسم في كل طعن، وفي النتائج المترتبة عنه، فيبقى من اختصاص المحكمة الدستورية وحدها.
وفي انتظار استكمال المسار الدستوري والمؤسساتي المترتب عن إعلان النتائج، ستتولى المحكمة الدستورية النظر في الطعون التي ستقدم إليها داخل الأجل القانوني. وعند صدور قراراتها، ستكون تلك القرارات هي المرجع الحاسم في تحديد ما إذا كانت هناك انتخابات يتعين إلغاؤها أو نتائج حسابية تستوجب التصحيح، وفق ما يسمح به القانون.
وهكذا، فإن 30 يوماً من المنازعة الانتخابية لا تعني بالضرورة 30 يوماً من عدم الاستقرار، وإنما تمثل مرحلة قانونية ضرورية لاختبار صحة النتائج المعلنة أمام القضاء الدستوري.
اترك تعليقاً