الأسرة

دراسة ترصد تداعيات العزوبية على الشباب.. تراجع الرضا عن الحياة وارتفاع الشعور بالوحدة

كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي عن وجود تأثيرات سلبية ومستمرة للعزوبية على مستويات الرضا عن الحياة والشعور بالوحدة لدى الشباب مقارنة بأقرانهم الذين تمكنوا من الدخول في علاقات زوجية مستقرة.

وأوضحت الدراسة التي أنجزها فريق بحثي دولي مكون من مايكل كرامر وجوليا ستيرن ولورا بوخينجر وجيوف ماكدونالد وفيبكي بليدورن أن الفجوة في جودة الحياة بين العزاب والمتزوجين تكون شبه منعدمة في مرحلة المراهقة لكنها تتسع بشكل تدريجي وملحوظ مع تقدم الشباب في العمر وبلوغهم أواخر العشرينيات.

وأكدت المعطيات المستقاة من ثلاثة استطلاعات كبرى شملت 17390 مشاركا من ألمانيا والمملكة المتحدة أن الشباب الذين بقوا عزابا طوال فترة التتبع الممتدة من سن السادسة عشرة إلى التاسعة والعشرين سجلوا تراجعا مستمرا في مؤشرات الصحة النفسية.

وأبرزت التحليلات الإحصائية التي استندت إلى 110261 ملاحظة سنوية متكررة أن الدخول في تجربة الزواج الأولى يرتبط بشكل مباشر بزيادة مستوى الرضا عن الحياة وتراجع الشعور بالوحدة سواء على المدى القصير أو الطويل دون أن يسجل أي تأثير ملموس على مستويات الاكتئاب.

وسجلت الورقة البحثية في شقها المتعلق بعوامل الاستمرار في حالة العزوبية أن الأشخاص الذين يعانون مسبقا من انخفاض الرضا عن الحياة وارتفاع مستويات الوحدة والاكتئاب يكونون أكثر عرضة لتأخر الزواج والبقاء عزابا لفترات زمنية أطول.

وأضاف الباحثون أن العوامل الديموغرافية والاجتماعية تلعب دورا حاسما في تحديد مسار الزواج حيث تبين أن الذكور يميلون إلى البقاء عزابا لفترة أطول مقارنة بالإناث بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية أو المادية.

وأشارت النتائج بخصوص تأثير المستوى التعليمي إلى أن التقدم في المسار الأكاديمي والحصول على شهادات عليا يؤخر تأسيس مؤسسة الزواج لدى كلا الجنسين حيث يميل الشباب إلى إعطاء الأولوية للتحصيل العلمي وتحقيق الاستقلالية الفردية قبل التفكير في الزواج.

وتابعت الدراسة رصد ارتباط ظروف العيش بفرص الزواج مبينة أن الشباب الذين يقطنون بمفردهم أو أولئك الذين ما زالوا يعيشون مع آبائهم يسجلون احتمالات أكبر للبقاء خارج مؤسسة الزواج مقارنة بمن يتقاسمون السكن مع أشخاص آخرين كالأصدقاء والزملاء.

وبينت المقارنات الطولية لمسارات التطور النفسي أن مؤشرات الرضا عن الحياة تبدأ في التراجع لدى العزاب بشكل ملموس انطلاقا من سن الثامنة عشرة بينما يبدأ الشعور بالوحدة في التزايد بشكل تصاعدي ابتداء من سن التاسعة عشرة.

واستطرد الفريق العلمي في رصد هذه المسارات موضحا أن الفوارق النفسية بين العزاب المستمرين ومن أصبحوا أزواجا تتفاقم تدريجيا لتصل إلى ذروتها في سن السابعة والعشرين حيث يعاني العزاب من نقص حاد في الرضا عن الحياة وزيادة كبيرة في مشاعر العزلة.

وفصلت المادة العلمية في مسار الاكتئاب مؤكدة أن مستوياته ترتفع لدى المجموعتين مع التقدم في العمر لكن الفوارق بين العزاب والمتزوجين تظل طفيفة في البداية ولا تظهر بشكل جلي إلا في سن الثالثة والعشرين حيث يبدأ العزاب في تسجيل طفرات اكتئابية أكثر حدة.

وكشفت قراءة المشرفين على البحث لتأثير عامل الجنس على مسارات العزوبية عن غياب اختلافات جوهرية دائمة بين الذكور والإناث في مدى تحمل التبعات النفسية للبقاء دون زواج باستثناء فترات عمرية قصيرة بين سن الرابعة والعشرين والسادسة والعشرين حيث سجلت النساء تراجعا أقل حدة في الرضا عن الحياة.

وانتقلت التحليلات لتقييم تأثير السكن مع الآباء لتفرز معطيات دقيقة تفيد بأن العزاب الذين يستمرون في العيش داخل بيت الأسرة يعانون من تراجع أكبر في جودة الحياة وارتفاع أقوى في معدلات الوحدة مقارنة بأقرانهم العزاب الذين يستقلون بسكنهم الخاص.

وأفادت البيانات المتعلقة بمرحلة ما بعد الزواج الأول بأن هذه الخطوة تشكل نقطة تحول إيجابية وجذرية في حياة الشباب حيث تعقبها زيادة فورية ومستمرة في الرضا عن الحياة وانخفاض واضح في مستويات الوحدة طوال فترة المتابعة التي استمرت حتى مشارف الثلاثينيات.

ولاحظ واضعو التقرير أن الفوائد النفسية للزواج لا تخضع لمبدأ التكيف الممتع الذي يفترض عودة الإنسان إلى حالته النفسية الأصلية بعد مرور فترة على الأحداث الإيجابية بل تظل هذه المكاسب مستقرة ومستمرة في الزمن.

وربطت التحليلات إيقاع هذه التغيرات الإيجابية بعمر الشخص عند الزواج حيث تبين أن الشباب الذين دخلوا في القفص الذهبي في سن متأخرة نسبيا سجلوا تحسنا أكبر وأسرع في مؤشراتهم النفسية خلال السنة الأولى تعويضا عن فترات الحرمان السابقة.

وأرجع الباحثون صمود المكتسبات النفسية على المدى الطويل إلى أهمية تلبية مهام التطور العمري مستندين إلى نظريات نفسية واجتماعية تؤكد أن تحقيق الحاجة إلى الانتماء وتأسيس أسرة يمثل ركيزة أساسية لبلورة الهوية وتحقيق النضج في مرحلة البلوغ المبكر.

وأفصحت نتائج تتبع الاستقرار الزوجي عن معطى مثير يبرز أن الشباب الذين اختبروا زيجات مستقرة دون حالات طلاق متكررة حققوا تراجعا أعمق في مشاعر الوحدة مقارنة بمن تعددت تجاربهم الزوجية رغم أن الرضا عن الحياة تحسن لدى الجميع بمجرد خوض تجربة الزواج الأولى.

وأقرت الدراسة باحتمال وجود تنوع في ملفات العزاب بين من يختارون العزوبية طوعا للتركيز على مساراتهم المهنية والشخصية وبين من تفرض عليهم نتيجة ضعف التفاعل الاجتماعي حيث يميل الصنف الأول إلى الاستقلالية بينما يجسد الصنف الثاني صورة الشاب غير السعيد الذي يعيش مع والديه.

ودعت قراءة مقارنة بين بيانات ألمانيا وبريطانيا إلى الانتباه لوجود تطابق كبير في النمط العام للنتائج مع بروز تفصيل دقيق يهم بريطانيا وحدها حيث أظهرت الإناث الحاصلات على مسارات جامعية عليا ميلا أقوى لاختيار العزوبية المستمرة مقارنة بنظيراتهن في ألمانيا متأثرات باختلاف الأنظمة التعليمية وسوق الشغل.

وخلصت الدراسة إلى التنبيه لبعض قيودها المنهجية المتمثلة في التركيز فقط على الزواج وتجاهل العلاقات العابرة وتوقف التتبع عند سن التاسعة والعشرين نتيجة صعوبة تتبع الشباب بعد مغادرتهم لمنازل أسرهم مع التأكيد على ضرورة توسيع الأبحاث مستقبلا لتشمل ثقافات غير غربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *