وجهة نظر

الصحراء المغربية بعد التقرير الأممي: هل اقتربت ساعة الحسم؟

تُعد قضية الصحراء المغربية نزاعا إقليميا مفتعلا طال أمده لأزيد من خمسين سنة، وظل يشكل عائقا أمام بناء اتحاد مغاربي قوي ومتكامل، رغم ما تتوفر عليه المنطقة من مؤهلات اقتصادية وبشرية واستراتيجية. وخلال هذه العقود، تمسكت المملكة المغربية بوحدتها الترابية، وواصلت الدفاع عن مغربية الصحراء عبر المسارات الدبلوماسية والسياسية والتنموية، مؤكدة أن الحل الحقيقي لا يكمن في إدامة الصراع، وإنما في التوصل إلى تسوية سياسية واقعية ودائمة تضمن الاستقرار وتفتح آفاق المستقبل أمام سكان الأقاليم الجنوبية.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 باعتبارها مقترحا جادا وذا مصداقية، يقوم على تمكين سكان الصحراء من تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة. وقد اكتسبت هذه المبادرة زخما دوليا متزايدا، في ظل المواقف الداعمة للمقترح المغربي، وفي مقدمتها موقف الولايات المتحدة الأمريكية ومواقف عدد من الدول الأوروبية. وشكل اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في هذا المسار، إذ جعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه، مع التأكيد على متطلبات التسوية السياسية ومبدأ تقرير المصير.

ويكتسي التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الصادر في فاتح أكتوبر 2026، أهمية خاصة في تقييم مستجدات القضية، بالنظر إلى ما يتضمنه من معطيات بشأن استئناف الاتصالات والمفاوضات برعاية أمريكية، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر والجمهورية الاسلامية الموريتانية، في سياق تفعيل القرار 2797. ويعكس هذا المسار انتقال الملف إلى مرحلة دبلوماسية أكثر تركيزا على البحث عن صيغة عملية للتسوية، بعدما أصبح من الضروري تجاوز المواقف الجامدة والتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها محورا أساسيا للنقاش السياسي. غير أن الانخراط في المفاوضات لا يعني، في حد ذاته، أن الأطراف توصلت إلى اتفاق نهائي أو أن جبهة البوليساريو قبلت رسميا بالمقترح المغربي.

ومن أبرز المعطيات المرتبطة بهذا المسار، النقاشات التي احتضنتها مدريد وواشنطن خلال فبراير 2026، والتي تناولت مقترحات تتعلق بإطار انتقالي محتمل، وبقضايا الموارد والمصالحة والترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلا عن الضمانات الدولية الممكنة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي. كما برزت أهمية تحديد طبيعة المرحلة الانتقالية المفترضة وحدودها وآليات تدبيرها، في حال التوصل إلى تسوية سياسية. وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة التعامل بحذر مع ما يُتداول بشأن “المجلس الانتقالي”، إذ إن مناقشة مثل هذه الصيغ لا تعني اعتمادها نهائيا، بل تظل جزءا من المسار التفاوضي الذي لم يصل بعد إلى اتفاق شامل.

وتتواصل، في المقابل، مسؤولية الجزائر السياسية في هذا النزاع، بالنظر إلى دعمها لجبهة البوليساريو واحتضانها لقيادتها، وهو ما يجعل مشاركتها في المفاوضات أمرا أساسيا لأي تسوية قابلة للاستمرار. وقد ساهم استمرار هذا الدعم، على مدى عقود، في تعقيد المسار السياسي وإطالة أمد الخلاف، وسط تساؤلات حول خلفياته الاستراتيجية والإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بموازين القوى والنفوذ في المنطقة المغاربية والساحل والمحيط الأطلسي. كما أن استمرار التوتر في العلاقات مع عدد من دول الجوار، وتباين الرؤى بشأن القضايا الإقليمية، يبرزان الحاجة إلى مراجعة المقاربات التي تجعل الخلاف حول الصحراء عائقا أمام التعاون والتنمية والاستقرار المشترك.

وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي وشراكاته الدولية، مستندا إلى الاستقرار المؤسساتي والانفتاح الاقتصادي والمشاريع التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، فضلا عن علاقاته المتنامية مع شركائه في إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. وتؤكد هذه الدينامية أن قضية الصحراء المغربية لم تعد مجرد خلاف إقليمي تقليدي، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمستقبل الأمن والاستقرار والتكامل الاقتصادي في المنطقة. ومن هنا، فإن الزخم الدولي المتزايد حول مبادرة الحكم الذاتي يشكل فرصة ينبغي استثمارها لدفع الأطراف نحو تسوية واقعية، بعيدا عن منطق التصعيد والمناورات السياسية التي لم تنتج، طوال عقود، سوى مزيد من الجمود والمعاناة.

إن مستجدات تقرير أنطونيو غوتيريش والتحركات الدبلوماسية المرتبطة بالقرار 2797 تضع قضية الصحراء المغربية أمام مرحلة دقيقة تتطلب من الجزائر وضوحا في المواقف وجدية في التفاوض، مع ضرورة التمييز بين الوقائع المؤكدة والتأويلات السياسية لما يجري خلف أبواب المفاوضات. فالرهان اليوم هو تحويل الحراك الدولي إلى مسار ينهي النزاع المفتعل، ويضع حدا لمعاناة اللاجئات في مخيمات تندوف، ويفتح الباب أمام مستقبل مغاربي قائم على حسن الجوار والتعاون والتنمية. وبالنسبة للمغرب، يظل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مرتكزا أساسيا للحل الذي يدافع عنه، فيما تظل مسؤولية جميع الأطراف هي الانخراط بجدية في مسار سياسي يفضي إلى تسوية دائمة، تحفظ الاستقرار وتصون المصالح المشروعة لشعوب المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *