قيادات الـPPS ترحب بدخول الحكومة بدون “صناع الأزمة”.. وبنعبد الله: لا تحالف مع الأحرار
رحبت قيادات وأعضاء في اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية بخيار مشاركة الحزب في الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، معتبرين أن الانخراط في تدبير الشأن العام من داخل المؤسسات يمكن أن يتيح ترجمة البرنامج الانتخابي للحزب إلى سياسات عمومية ملموسة، فيما ربط آخرون هذا الخيار بجملة من الشروط السياسية والبرامجية، وفي مقدمتها طبيعة البرنامج الحكومي وموقع الحزب داخل الأغلبية ومدى الحفاظ على استقلالية قراره السياسي.
وقالت شرفات أفيلال، عضو المكتب السياسي للحزب، إن التقدم والاشتراكية راكم تجربة مؤسساتية وبرلمانية، معتبرة أن الظرفية السياسية الحالية تفرض على الحزب أخذ الوقت الكافي لإنضاج موقف يحافظ على وحدته وتماسكه، ويضع “مصلحة الوطن أولا، ثم مصلحة الحزب”.
وأوضحت أفيلال أن نتائج الانتخابات أفرزت، في تقديرها، عودة مكونات الائتلاف الحكومي السابق إلى واجهة المشهد، مشيرة إلى أن الحزب ظل طيلة السنوات الخمس الماضية في موقع المعارضة في مواجهة مكونات هذا الائتلاف، وانتقد اختياراته وسياساته العمومية واختلالاته، وقدم نفسه بديلا عنها.
وأضافت أن هذا المعطى يجعل قرار المشاركة في الحكومة “صعبا إلى حد ما”، مؤكدة أن اختلاف التقديرات داخل الحزب بشأن الموقف المرتقب “شيء صحي ومؤشر إيجابي لسلامة الحزب والتنظيم الحزبي”، وأن التباين في وجهات النظر يندرج ضمن تقاليد الحزب في مناقشة القضايا الكبرى قبل اتخاذ القرار.
وبخصوص خيار المعارضة، قالت أفيلال إن الحزب قادر على ممارسة معارضة تحمل صوته السياسي الخاص، “دون أن ندوب وسط معارضة راديكالية، ودون أن ندوب وسط معارضة شمولية”، معتبرة أن خيار المعارضة لا يشكل، بالنسبة إليها، مصدر تخوف على مستقبل الحزب أو قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي.
وفي المقابل، ربطت أفيلال إمكانية المشاركة الحكومية بعدد من المحددات، في مقدمتها طبيعة البرنامج الحكومي وموقع الحزب داخله، مؤكدة أن البرنامج الذي سيعرض على المؤسسة التشريعية لنيل التنصيب ينبغي أن يقدم أجوبة على ما وصفته بالاختلالات والفضائح وتضارب المصالح واقتصاد الريع، إلى جانب وضع الإنسان في صلب العمل الحكومي.
وشددت على وجود “خطوط حمراء” في تحديد طبيعة المشاركة، قائلة إن السؤال المطروح هو “مع من سنحكم؟ ومع من سنقول بالاختلاف الحكومي؟”، معتبرة أن الحزب لا يمكنه، وفق تصورها، التعايش مع مكونات تعتبرها مسؤولة عن الأزمة والاحتقان، فيما يمكن بحث أرضيات للتعايش مع أحزاب أخرى بهدف الإصلاح، قبل أن يتفاعل مع الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله بقوله إن التحالف مع الحزب الذي كان يقود الحكومة (في إشارة لحزب الأحرار) “غير وارد” بالنسبة للحزب.
من جهته، ركز مصطفى البرايمي، عضو اللجنة المركزية، المكتب السياسي إلى بلورة موقف بخصوص المشاركة في الحكومة ينسجم مع رؤية الحزب، معتبرا أن المشاركة في تدبير الشأن العام يمكن أن تتيح للحزب الإسهام في العمل الحكومي، بالتوازي مع تطوير أساليبه التنظيمية والتواصلية وتعزيز قدرته على التواصل مع المواطنين وتعبئتهم.
وقال البرايمي إن الحزب مطالب، بالتوازي مع تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، بفهم التحولات التي يعرفها المجتمع وتطوير أدواته التنظيمية والتواصلية، بما يمكنه من استعادة قدرته على التواصل مع المواطنين والمساهمة في إخراج المسلسل الديمقراطي من الوضع الذي وصل إليه.
أما رشيد حموني، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، فقد استحضر حصيلة تجربة الحزب في المعارضة خلال الولاية السابقة، مشيرا إلى اشتغال الفريق البرلماني على كشف ما اعتبره اختلالات وتضارب مصالح، وتقديم مقترحات وبدائل في عدد من الملفات، من بينها القدرة الشرائية وأسعار المحروقات. غير أنه اعتبر أن هذه التجربة طرحت سؤال مدى قدرة المعارضة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، الذين كانوا خلال الحملة الانتخابية يبحثون عما تحقق لهم فعليا.
وأوضح حموني أن هذا المعطى دفع الحزب إلى إعادة طرح سؤال “لمن سنخدم؟ ومع من سنخدم؟”، معتبرا أن خيار المعارضة صعب، وأن تقييم التجربة السابقة يجعله يميل إلى المشاركة في الحكومة، خاصة في ظل ما وصفه بالتقارب الكبير بين برنامج الحزب والبرنامج المطروح للمرحلة المقبلة، والذي قال إن نسبة التطابق بينهما تقارب 90 في المائة. وشدد على أن الهدف من المشاركة ليس الحصول على المناصب، وإنما تنفيذ البرنامج الانتخابي وخدمة المواطنين من داخل المؤسسات.
وأكد حموني أن المشاركة الحكومية، في حال اعتمادها، لن تعني تخلي الحزب عن مواقفه أو استقلالية قراره السياسي، مشددا على احتفاظه بحقه في الانسحاب إذا ابتعدت الحكومة عن التزاماتها وبرنامجها، مستحضرا تجربة خروج الحزب من الحكومة سنة 2019. كما أشاد بالبرنامج الانتخابي الذي أعده الحزب، مؤكدا أن النقاش حول المشاركة ينطلق من أولويات وبرامج تهم الديمقراطية والصحة والتعليم العمومي وغيرها من القضايا، وليس من البحث عن المقاعد أو المناصب.
من جهته، أكد محمد قاشا، البرلماني عن دائرة تنغير، أن مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة المرتقبة من شأنها أن تمنح الحزب فرصة لتعزيز حضوره على مستوى الجماعات الترابية، معتبرا أن موقع الحزب في المعارضة خلال المرحلة السابقة لم يساعده بالشكل الكافي على ترسيخ حضوره في مجالس الجماعات الترابية وتحقيق مشروعية الإنجاز محليا.
وأوضح قاشا، أن وجود الحزب في الحكومة سيكون “إيجابيا جدا” على أداء المجالس المنتخبة، مستحضرا تجربة جماعة تنغير، التي قال إن حضور الحزب في الحكومة السابقة مكنه من تنزيل جزء مهم من برنامج عمل الجماعة خلال ثلاث سنوات. وأضاف أن موقفه من المشاركة ينبع من موقعه كمتابع للشأن المحلي ورئيس جماعة لثلاث ولايات، مؤكدا أن تعزيز الحضور الحكومي للحزب يمكن أن ينعكس على أدائه في المجال الترابي.
وشدد البرلماني عن دائرة تنغير على أن المشاركة في الحكومة قد تساهم كذلك في تقوية حضور الحزب خلال الاستحقاقات الجماعية المقبلة، مبرزا أن تجربة إقليم تنغير أظهرت، حسب تعبيره، أن “مشروعية الإنجاز” كانت عاملا أساسيا في تحقيق نتائج انتخابية متقدمة. وخلص قاشا إلى أن المواطن “ينتظر الإنجاز على أرض الواقع، وليس الكلام”، معتبرا أن دخول الحزب إلى الحكومة يمكن أن يسهم في ترسيخ الثقة بينه وبين المواطنين.
من جانبها، أعلنت البرلمانية خديجة الباز دعمها “المطلق والكامل والمسؤول” لمقترح مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة المقبلة، معتبرة أن هذا الخيار يمثل، في تقديرها، تموقعا استراتيجيا يعكس “النضج المؤسساتي” للحزب وينسجم مع خطه السياسي ومرجعيته الفكرية.
واعتبرت الباز أن المشاركة الحكومية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها نزوعا براغماتيا عابرا أو بحثا عن كراسي التدبير والحقائب والمناصب، وإنما باعتبارها، وفق تعبيرها، “امتدادا طبيعيا وخيارا فكريا” متجذرا في أدبيات الحزب ومساره السياسي.
واستحضرت الباز تجربة الراحل علي يعتة، معتبرة أن الفكر التقدمي الذي دافع عنه الحزب يقوم على ربط النظرية بالواقع الملموس، وعلى جعل التغيير السياسي مرتبطا بالاشتباك مع الواقع والمشاركة في قنوات التأثير وصناعة القرار، وتحويل الطموحات الفكرية إلى سياسات عمومية ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وقالت إن حزب التقدم والاشتراكية يطرح بديلا اقتصاديا واجتماعيا يهدف إلى معالجة الفوارق بين مؤشرات النمو والواقع المعيشي، معتبرة أن بناء الدولة الاجتماعية يستوجب صون القدرة الشرائية للمواطنين، وتوفير خدمات عمومية كافية وذات جودة في مجالات الصحة والتعليم والسكن، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري والمؤسساتي.
كما ربطت الباز الرؤية التنموية للحزب بإدماج العوامل الثقافية والمؤسساتية والاجتماعية في صلب العملية التنموية، مستحضرة في هذا السياق إسهامات الراحل عزيز بلعلال، الذي وصفته برائد الفكر الاقتصادي الوطني وأحد منظري الحزب.
وفي جانب آخر من مداخلتها، شددت الباز على أن النهضة الديمقراطية والتنمية، وفق تصورها، لا يمكن أن تتحققا دون مساواة فعلية ومناصفة بين الجنسين، معتبرة أن مشاركة الحزب في حكومة ترأسها امرأة لا تمثل حدثا عابرا، وإنما “تحولا نضاليا” يتقاطع مع مرجعيته السياسية والفكرية.
وأكدت أن هذا الخيار، في نظرها، يشكل امتدادا لدور الحزب في الدفاع عن حقوق النساء ومواجهة هيمنة الرجال على المشهد السياسي، معتبرة أن الرفيقات المناضلات راكمن على مدى عقود رصيدا نضاليا في هذا المجال.
من جانبه، دعا جمال بنشقرون، عضو اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، إلى إجراء تقييم شامل لتجربة الحزب خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن مرشحيه خاضوا الانتخابات في مختلف الدوائر في “معركة نضالية نظيفة وشريفة”، رغم ما اعتبره غياب شروط التنافس الشريف والتكافؤ. وأكد أن التقييم ينبغي ألا يقتصر على النتائج الانتخابية، بل أن يشمل أيضا العمل النضالي والميداني ومدى حضور الحزب إلى جانب المواطنين، وبناء تنظيم قوي قادر على صناعة منتخبين ومنتخبات مستقبلا.
واعتبر بنشقرون أن الحزب يوجد اليوم “في مفترق الطرق وفي محطة فارقة جدا”، مشددا على أن “المشاركة في الحكومة ليست غاية في حد ذاتها، كما أن المعارضة ليست قدرا محتوما على حزبنا”، داعيا إلى تجاوز الاختيار الميكانيكي بين الموقعين والنظر في ما يمكن أن يحققه كل خيار. وفي هذا السياق، أكد أن تجربة المعارضة بدورها تحتاج إلى تقييم، مبرزا أن الحزب قدم برنامجا انتخابيا “وازنا وقويا”، قبل أن يطرح موقفه الأبرز بالقول إن “حزبنا اليوم ليس هو الذي في حاجة إلى مشاركة في الحكومة، بل الحكومة هي التي في حاجة إلى حزب من حزب التقدم والاشتراكية”.
وشدد بنشقرون على أن الحسم في خيار المشاركة أو المعارضة ينبغي أن ينطلق من المكاسب التي يمكن تحقيقها للمواطنين والمواطنات، ومن مصلحة الوطن وتعزيز حضور الحزب ومعالجة الإشكالات المطروحة. وأشار إلى وجود تقارب بين البرنامج الذي أعده الحزب والبرنامج الذي تتقدم به الأغلبية الحكومية، مستحضرا في هذا السياق تجربة الحزب السابقة داخل الحكومة، ومؤكدا أن القرار النهائي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة والإشارات المرتبطة بالبرنامج الحكومي المقبل.
في غضون ذلك، من المنتظر أن يحسم حزب التقدم والاشتراكية موقفه من المشاركة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بعد استكمال النقاش داخل أجهزته التقريرية، في ظل نقاش داخلي يركز على طبيعة البرنامج الحكومي، وموقع الحزب داخل الأغلبية، والضمانات السياسية التي يمكن أن تؤطر مشاركته.
اترك تعليقاً