الابتكار: المغرب يتقدم.. ولكن إلى أي مدى يمكنه أن يذهب؟
لم يعد الابتكار ترفاً أو موضوعاً يخص المختبرات والجامعات وحدها. فقد أصبح اليوم أحد العناصر الأساسية في تحديد قدرة الاقتصادات على رفع الإنتاجية، وتحسين تنافسية المقاولات، والارتقاء في سلاسل القيمة، وخلق فرص شغل أكثر تأهيلاً. كما أصبح الابتكار مرتبطاً بقضية السيادة، في عالم تتزايد فيه المنافسة على التكنولوجيا والمعرفة والقدرات العلمية.
ولهذا تكتسب مؤشرات الابتكار أهمية متزايدة. ومن أبرزها مؤشر الابتكار العالمي (Global Innovation Index – GII)، الذي تصدره المنظمة العالمية للملكية الفكرية. ويقدم إصدار 2026 صورة شاملة عن وضعية الابتكار في 139 اقتصاداً، من خلال 79 مؤشراً موزعة على سبعة محاور رئيسية.
كيف يقيس مؤشر الابتكار؟
قد يبدو مفهوم «الابتكار» بسيطاً، لكنه في الواقع مفهوم واسع ومعقد. فليس المقصود فقط اختراع منتج جديد أو تسجيل براءة اختراع. الابتكار يشمل أيضاً القدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات وعمليات جديدة، ثم تحقيق قيمة اقتصادية منها.
ولهذا يميز المؤشر بين ما يسمى«المدخلات والمخرجات».
فالمدخلات هي الوسائل والظروف التي تسمح بالابتكار، مثل المؤسسات، والرأسمال البشري والبحث العلمي، والبنيات التحتية، وتمويل الابتكار، وقدرة الأسواق والمقاولات على استيعاب التكنولوجيا.
أما المخرجات فهي النتائج التي تنتج عن هذه الإمكانات، مثل إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، والملكية الفكرية، والبراءات، والعلامات التجارية، والتصاميم الصناعية، والإنتاج الإبداعي.
وهذا التمييز مهم جداً. فقد يتوفر بلد ما على إمكانات مالية وعلمية كبيرة، لكنه لا ينجح في تحويلها إلى ابتكارات ومنتجات ذات قيمة. وقد يحدث العكس: بلد بإمكانات محدودة نسبياً يحقق نتائج أفضل مما توحي به موارده.
خريطة الابتكار في العالم
يكشف مؤشر 2026 أن صدارة الابتكار العالمي ما زالت من نصيب الاقتصادات التي بنت، على مدى عقود، منظومات متكاملة تجمع بين التعليم والبحث العلمي والصناعة والتكنولوجيا والتمويل.
وتتصدر سويسرا الترتيب، تليها السويد والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا والدنمارك والصين. وتحافظ سويسرا على المرتبة الأولى للسنة السادسة عشرة على التوالي.
ويستحق صعود الصين اهتماماً خاصاً. فقد دخلت قائمة الدول العشر الأولى بعدما كانت في المرتبة الحادية عشرة سنة 2024. وهذا التطور يعكس، حسب المؤشر، مساراً طويلاً عززت خلاله الصين قدراتها العلمية والتكنولوجية، وملكية المعرفة، ودور المقاولات المبتكرة.
أما كوريا الجنوبية فتقدم مثالاً آخر جديراً بالاهتمام. فتجربتها تؤكد أن التحول الصناعي لا يعتمد فقط على الاستثمار في المصانع والبنيات التحتية، وإنما يحتاج أيضاً إلى استثمار مستمر في التعليم والبحث العلمي والصناعة والتكنولوجيا.
المغرب: أفضل ترتيب منذ إطلاق المؤشر
في هذه الخريطة العالمية، حقق المغرب تقدماً مهماً. فقد احتل سنة 2026 المرتبة 54 عالمياً من أصل 139 اقتصاداً، وهو أفضل ترتيب له منذ إنشاء المؤشر. كما جاء متقدماً على تونس، التي احتلت المرتبة 71، ومصر 83، والجزائر 111.
والأهم أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية تصنف المغرب ضمن الاقتصادات ذات الدخل المتوسط التي حققت تقدماً كبيراً منذ سنة 2013. وكان المغرب يحتل المرتبة 66 سنة 2024، ما يعني أنه كسب 12 مرتبة خلال عامين.
لكن الأهم من الترتيب نفسه هو طبيعة هذا الأداء.
فالمغرب يحتل المرتبة 76 في مدخلات الابتكار، مقابل المرتبة 46 في مخرجاته. وبعبارة مبسطة، فإن المغرب يحقق نتائج في مجال الابتكار أفضل مما قد نتوقعه بالنظر إلى حجم الوسائل والإمكانات التي يخصصها لهذا المجال. وهذه مفارقة إيجابية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن إمكانات لم تستثمر بعد بالشكل الكافي.
أين تكمن نقاط القوة؟
حقق المغرب نتائج قوية في عدد من المجالات. فهو يحتل المرتبة الخامسة عالمياً في الرسوم والنماذج الصناعية، والثامنة في كثافة الأصول غير الملموسة، والسادسة عشرة في العلامات التجارية، كما يحتل المرتبة 16 في إنشاء تطبيقات الهاتف المحمول.
وفي المجال الصناعي، يأتي المغرب في المرتبة 28 عالمياً في التصنيع عالي التكنولوجيا، وفي المرتبة 13 في نمو إنتاجية العمل. وتعكس هذه النتائج تطور جزء من النسيج الصناعي المغربي واندماجه المتزايد في سلاسل القيمة الدولية.
كما يشكل الرأسمال البشري أحد عناصر القوة، إذ يحتل المغرب المرتبة 18 عالمياً في الإنفاق على التعليم مقارنة بالناتج الداخلي الخام، والمرتبة 23 في نسبة خريجي العلوم والهندسة.
ولكن أين تكمن نقاط الضعف؟
تظهر الصعوبات أساساً عندما ننتقل من بعض مظاهر الابتكار إلى قاعدته العلمية والتكنولوجية
فالمغرب يحتل المرتبة 81 بالنسبة لأفضل ثلاث جامعات وفق تصنيف QS، والمرتبة 79 في نتائج PISA في القراءة والرياضيات والعلوم، والمرتبة 102 في نسبة التلاميذ إلى المدرسين في التعليم الثانوي. كما لا تزال العلاقة بين الجامعات ومراكز البحث والمقاولات وتمويل الابتكار ضعيفة نسبياً.
وتبرز المشكلة أكثر في مجال الملكية الفكرية. فالمغرب يحتل المرتبة 108 في عائدات الملكية الفكرية مقارنة بإجمالي التجارة. وهذا يعني أن القدرة على إنتاج العلامات والتصاميم والأصول غير الملموسة لا تتحول بعد بالقدر الكافي إلى مداخيل في الأسواق الدولية.
أما براءات الاختراع، فتقدم صورة أكثر دلالة. فقد سجل المقيمون المغاربة 421 طلب براءة اختراع في العالم سنة 2024، ما يضع المغرب في المرتبة 60 عالمياً والرابعة إفريقياً. لكن هذه الطلبات لا تمثل سوى نحو 0.011 في المائة من مجموع الطلبات العالمية. وفي المقابل، ارتفع عدد الطلبات المغربية في إطار نظام التعاون بشأن البراءات PCT بنسبة 56.5 في المائة ليبلغ 72 طلباً.
من ترتيب جيد إلى منظومة للابتكار
لا يتعلق التحدي، إذن، فقط بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وإن كان ذلك ضرورياً. فالمطلوب أيضاً تحسين جودة البحث، وتوفير ظروف أفضل للباحثين، وتقوية البحث والتطوير داخل المقاولات، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وربط الجامعات بشكل أكبر بالنسيج الاقتصادي.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأولويات أمام الحكومة المقبلة: رفع الجهد الوطني في البحث والتطوير، وتحسين جودة التعليم العالي والبحث العلمي، وتشجيع المقاولات على الاستثمار في الابتكار، وتطوير تمويل الشركات التكنولوجية، وتحسين تثمين براءات الاختراع، وتقوية الروابط بين العلم والصناعة.
كما ينبغي أن تصبح سياسة الابتكار جزءاً من السياسة الصناعية. فالمطلوب ليس فقط جذب التكنولوجيا الأجنبية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وإنما بناء قدرة وطنية على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وامتلاكها وتثمينها اقتصادياً.
إن المرتبة 54 عالمياً تمثل بلا شك تقدماً مهماً. لكنها لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها. فالمعيار الحقيقي لنجاح المغرب سيكون قدرته على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا واستيعابها إلى إنتاجها، ومن إنتاج المعرفة إلى تحويلها إلى قيمة اقتصادية.
وبعبارة أخرى، فإن الرهان المقبل ليس فقط أن يحتل المغرب مرتبة أفضل في مؤشر الابتكار العالمي، وإنما أن يجعل من الابتكار أحد المحركات الرئيسية للتحول الاقتصادي والتنمية.
اترك تعليقاً