البوحسني: ضعف المشاركة في انتخابات 2026 لم يكن مفاجئا بل رسالة سياسية للمؤسسات (فيديو)
اعتبرت لطيفة البوحسني الأستاذة الجامعية والمناضلة النسائية والحقوقية أن ضعف المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 يعكس أزمة سياسية عميقة وتراجعا في ثقة المواطنين في المؤسسات، معتبرة أن نتائج الاقتراع لا يمكن فصلها عن الحصيلة الحكومية خلال السنوات الخمس الماضية، وما رافقها، بحسب تقييمها، من تضييق على الحريات وتراجع القدرة الشرائية وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية.
وأكدت المتحدثة، خلال مشاركتها في الحلقة الأولى من “حلقات النقاش الديمقراطي” التي ينظمها الحزب الاشتراكي الموحد، أن الانتخابات الأخيرة شكلت محطة سياسية فارقة، لكنها لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي الذي سبقها ورافقها، مشيرة إلى أن ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع لم يكن مفاجئا بالنظر إلى تراكم الاختلالات السياسية والاجتماعية التي طبعت المرحلة السابقة.
وأضافت أن الحكومة التي قادها التحالف المكون من أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال تتحمل، في نظرها، مسؤولية حصيلة سلبية على مستويات متعددة، مستحضرة ما وصفته بالتضييق على الحريات والاعتقالات التي طالت نشطاء ومدونين وفاعلين حقوقيين، إلى جانب استمرار تداعيات الاحتجاجات الاجتماعية، وتنامي المخاوف المرتبطة بتضارب المصالح داخل الحكومة.
وسجلت المتحدثة أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتصاعد الاحتجاجات المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العيش شكلا بدورهما جزءا من السياق الذي طبع الاستحقاق الانتخابي، معتبرة أن هذه العوامل ساهمت في اتساع الهوة بين المواطنين والطبقة السياسية.
ورأت المتحدثة أن ضعف المشاركة الانتخابية لا يعكس فقط موقفا من الحصيلة الحكومية، بل يمثل أيضا تعبيرا عن رفض أوسع للمسار السياسي الذي عرفه المغرب منذ سنة 2011، معتبرة أن النتائج لم تترجم بالضرورة رغبة الناخبين في إحداث تغيير جوهري في موازين القوى السياسية.
وفي هذا السياق، انتقدت ما اعتبرته تراجعا عن المكتسبات الدستورية والسياسية، محذرة من أن بعض المؤشرات المرتبطة بالحريات والاحتجاجات تعيد إلى الواجهة أجواء من التضييق والاحتقان، وإن اختلفت أشكالها وسياقاتها عن مراحل سابقة من تاريخ المغرب.
كما أشارت إلى تنامي الاحتجاجات في عدد من المدن والقرى والمناطق النائية، حيث يطالب السكان بتحسين الخدمات الأساسية وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية وشروط العيش الكريم، معتبرة أن هذه التحركات تعكس حجم المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي لم تجد، بحسب تقديرها، الاستجابة الكافية.
وفي تقييمها لشروط التنافس الانتخابي، اعتبرت المتحدثة أن الحديث عن حياد الدولة خلال يوم الاقتراع لا ينبغي أن يحجب، بحسب رأيها، تأثير الاختيارات السياسية والقانونية السابقة للانتخابات، مشيرة إلى التقطيع الانتخابي والقاسم الانتخابي باعتبارهما من العناصر التي ترى أنها أثرت في موازين المنافسة بين الأحزاب.
وذهبت إلى أن هذه الآليات ساهمت، وفق قراءتها، في إضعاف فرص القوى السياسية التي تدافع عن المطالب الاجتماعية، مقابل تعزيز موقع الأحزاب المرتبطة بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي.
كما أثارت مسألة تضارب المصالح، معتبرة أن النقاش الذي رافق بعض الملفات المرتبطة بتدبير المال العام كشف، في نظرها، عن اختلالات تستدعي تعزيز الشفافية والمساءلة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين ويحمي الثقة في المؤسسات.
وسجلت أن الحدث الأبرز في الانتخابات الأخيرة لا يتمثل فقط في النتائج التي أفرزتها، بل أيضا في ضعف المشاركة، الذي اعتبرته رسالة سياسية تستدعي إعادة التفكير في علاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي معرض حديثها عن المشهد الحزبي، اعتبرت المتحدثة أن المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة كشفت عن تمايزات داخل الحقل السياسي، منتقدة ما وصفته بغياب الاستقلالية في القرار لدى عدد من الأحزاب، مقابل قوى ترى أنها لا تزال تتمسك باستقلالية قرارها السياسي.
وفي هذا الإطار، دعت إلى فتح نقاش جدي بشأن إمكانات التنسيق بين حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار، معتبرة أن القضايا المشتركة بين الطرفين قد تكون أكثر من نقاط الاختلاف، شريطة التعامل بمرونة مع التباينات المرجعية والإيديولوجية.
وشددت على ضرورة التمييز بين القضايا ذات الطبيعة المرجعية والفكرية، التي قد تؤدي إلى استقطاب سياسي حاد، وبين القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمثل أولويات مشتركة، من قبيل التعليم والصحة والتشغيل ومحاربة البطالة وتحسين البنيات التحتية وضمان شروط العيش الكريم.
واعتبرت أن عددا من الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية تمحور حول مطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية، وهو ما يفرض، بحسبها، على الأحزاب الراغبة في تمثيل الفئات العريضة من المجتمع إعطاء الأولوية لهذه الملفات، والعمل على بلورة مواقف مشتركة بشأنها.
وأكدت أن التنسيق المقترح لا يعني التخلي عن الاختلافات الإيديولوجية أو المرجعية، وإنما يقتضي تدبيرها وفق طبيعة المرحلة السياسية، مع التمييز بين القضايا التي تحتاج إلى مسار استراتيجي طويل الأمد، وتلك التي يمكن تحقيق تقدم بشأنها في المدى المتوسط أو القريب.
اترك تعليقاً