هل يعاني المغرب أزمة انحسار نفوذ؟
المتأمل في الأزمات المتلاحقة التي يواجهها المغرب في الآونة الأخيرة، وفي الصمت المطبق المحيط بكيفية تدبيرها، يدرك أن هناك اختلالًا في التوازنات قد يحد من فاعلية الدبلوماسية المغربية ويضعف قدرتها على التعامل مع بعض الملفات الحيوية للمملكة.
خلال أزمة عبور المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، لم نشهد ذلك التحرك القوي الذي قاده المغرب ضد زيارة العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس للمدينتين في نوفمبر 2007 ولا ما قام به عند استقبال إبراهيم غالي في إسبانيا سنة 2021، رغم التصعيد الدبلوماسي غير المسبوق من الجانب الإسباني، والذي وصل صداه إلى الاتحاد الأوروبي، سواء تلك المواقف أو الإجراءات التي لا تخدم وجهة النظر المغربية ومصالح المملكة في البرلمان الأوروبي على وجه خاص، أو من خلال اصطفاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب العاهل الإسباني في مطالبته بحماية الحدود الأوروبية، بما يشمل المدينتين المحتلتين. ويكتسب هذا التطور دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية، وما يجمع البلدين من اتفاقيات ومصالح مشتركة، فضلًا عما كان يجري التحضير له من اتفاقية استراتيجية كان من المفترض أن تُوقَّع في فرنسا بحضور الملك محمد السادس. ومما يزج بالأزمة في مزيد من التعقيد، برمجة زيارة للملك فيليبي السادس إلى المدينتين، بعد موافقة الحكومة الإسبانية، وهو ما يعكس توجهًا دبلوماسيًا إسبانيًا نحو تكريس واقع السيادة على المدينتين، رغم التحفظ المغربي المستمر.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، جاء تقرير الأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية ليزيد المشهد تعقيدًا. يبدو أن التقرير يعيد الملف إلى المربع الأول، إذ لا يلوح في الأفق حل حاسم، كما نص على ضرورة أن يتضمن أي حل للنزاع عملية تشاور مع الصحراويين، في إطار مبدأ تقرير المصير. هذا من شأنه أن يطيل عمر النقاشات والمشاورات سنوات أخرى، وكأن المغرب استبق الأحداث واحتفل بالعرس قبل موعده بليلة أو ربما أكثر، عندما أقر عيدًا وطنيًا للوحدة، في 30 أكتوبر ابتداءً من سنة 2025.
بطبيعة الحال، الدول لا تسابق نفسها، فالعلاقات الدولية شديدة التعقيد، وتتداخل فيها المصالح والتحالفات والاعتبارات الجيوسياسية. كما أن هناك أطرافًا مناوئة تعمل على صيانة مصالحها، وقد تسعى أحيانًا إلى عرقلة الحلول التي يمكن أن تُحدث اختراقًا واضحًا في بعض القضايا التي تهم المغرب. غير أن الأثمان التي دفعها المغرب، ولا يزال يدفعها، ولا سيما في قضية الصحراء، تحتم علينا التساؤل عن مدى فاعلية المقاربة المغربية وعن جدوى بعض الخيارات التي جرى اعتمادها خلال السنوات الأخيرة؟
لقد عكس الحوار الذي أجراه مسعد بولس مع قناة فرانس 24، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، صورة لعلاقة معقدة مع الولايات المتحدة، المفترض أنها من أبرز الحلفاء الدوليين للمغرب. فواشنطن، في بعض الملفات، تبدو وكأنها تحاول الحفاظ على هامش من المناورة بين الرباط والجزائر، بما يسمح لها بإدارة التوازنات بين الطرفين بدل الدفع نحو تسوية نهائية للخلافات القائمة بينهما. وإذا صحّ هذا التوجه، فإن السؤال المطروح هو: هل تستفيد الولايات المتحدة من استمرار حالة التوتر بين البلدين، أم أن لها مصلحة فعلية في تسوية هذا النزاع؟
لقد قدم المغرب أثمانًا سياسية ودبلوماسية باهظة في السنوات الأخيرة، ومن أبرزها قرار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وما ترتب عنه من تداعيات على صورة المغرب ومواقفه الرسمية، خصوصًا في ظل حرب الإبادة الدائرة في غزة. تجلى ذلك في بعض المواقف داخل المؤسسات الدولية، حيث بدا الحضور المغربي أكثر تحفظًا من مواقف دول عربية وأجنبية عديدة. الشاهد هنا ما حدث خلال كلمة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، عندما انسحب 77 وفدًا دوليًا من القاعة، من بينهم دولاً عربية مطبعة، في حين بقي ممثل المغرب في مكانه. هذا التصرف يظل في النهاية موقفًا رمزيًا، لا يغيّر واقع الحرب ولا يوقف معاناة الناس في غزة، لكنه يكشف عن حدود هامش المناورة الذي باتت تتحرك ضمنه الدبلوماسية المغربية، وربما عن القيود التي تفرضها بعض الاتفاقيات والالتزامات التي لا تتضح للرأي العام كل تفاصيلها أو تداعياتها. كما أن انخراط المغرب في مجلس السلام لغزة استجابة لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يطرح بدوره أسئلة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الرباط داخل هذا الإطار، وحول مدى قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، خصوصًا في ظل استمرار تعنت الاحتلال الإسرائيلي في خرق وقف إطلاق النار وما يصاحب ذلك من تداعياتها إنسانية وسياسية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن المغرب يتجه نحو رفع مستوى التمثيلية الدبلوماسية الإسرائيلية لديه، في حين يكرر الكيان الإسرائيلي مواقف وتصريحات استفزازية، سواء تعلق الأمر بالخرائط التي لا تُظهر الصحراء المغربية ضمن التراب الوطني في أكثر من مناسبة، أو من خلال تصريحات تتعلق بالمدينتين المحتلتين سبتة ومليلية تحابي الجانب الإسباني. وهنا يتفرع السؤال نفسه بإلحاح: ماذا استفاد المغرب، حتى الآن، من هذه المقاربة؟ هل حصل، في المقابل، على مكاسب استراتيجية واضحة ومستدامة؟ أم أنه اكتفى بوعود وتصريحات قابلة للتغير وفقًا للسياقات السياسية؟ وهل استطاع أن يحوّل علاقاته الجديدة إلى نفوذ فعلي قادر على حماية مصالحه الأساسية؟ أم أن المعادلة أنتجت، بدل ذلك، هامشًا من الحركة الدبلوماسية أقل مما كان مأمولًا؟
من المؤكد أيضًا أن الجزائر تدفع أثمانًا اقتصادية وسياسية نتيجة لخياراتها الإقليمية والدولية، بما في ذلك استمرار اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على النفط والغاز وتسخير بعضًا من عائداته لخدمة الديبلوماسية، ولو أتى ذلك على الخدمات الاجتماعية الأساسية للشعب المقهور. لكنها لم تنخرط في مسار التطبيع مع المحتل الإسرائيلي، كما لم تستجب لبعض المطالب الأميركية بالدرجة نفسها، وحافظت بذلك، على الأقل في صورتها الرسمية والإعلامية، على هامش أكبر من الاستقلالية في بعض الملفات الإقليمية.
ما يعانيه المغرب حاليًا من صعوبة في احتواء بعض التطورات، ولا سيما ما يُنظر إليه باعتباره ضغطًا أو استفزازًا متواصلًا من الجار الإسباني، رغم الاتفاقيات وأطر التعاون الموقعة بين البلدين، يحيلنا إلى سؤال أوسع يتعلق بمنظومة التوازنات التي تقوم عليها السياسة الخارجية المغربية. فهل يتعلق الأمر بمجرد أزمات ظرفية ومتفرقة، تفرضها طبيعة العلاقات الدولية وتبدل المصالح والتحالفات؟ أم أننا أمام تحول أعمق في موازين القوة الإقليمية والدولية، جعل بعض الخصوم أكثر جرأة في التعامل مع المغرب؟ وهل بدأت بعض الاصطفافات الجديدة تؤثر في هامش الحركة الذي كانت تتمتع به الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الماضية؟
يحيلنا هذا إلى صياغة سؤال مركزي: هل يعاني المغرب بالفعل أزمة انحسار في النفوذ، أم أن الأمر يتعلق بمرحلة انتقالية في سياسته الخارجية، فرضتها إعادة تشكل التحالفات الدولية والإقليمية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز ردود الفعل الآنية، والنظر إلى مجمل التحولات التي طرأت على شبكة علاقات المغرب خلال السنوات الأخيرة، ومقارنة ما قدمه من تنازلات أو التزامات بما حصل عليه من مكاسب استراتيجية قابلة للقياس والاستمرار. فالقوة الدبلوماسية لا تقاس بعدد الاتفاقيات والتحالفات فقط، وإنما بقدرة الدولة على تحويل علاقاتها الدولية إلى نفوذ فعلي، وحماية مصالحها الأساسية، وفرض تكلفة سياسية على الأطراف التي تتجاوز الخطوط التي تعتبرها الدولة حمراء.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط من يقف إلى جانب المغرب؟ بل أيضًا، ما مقدار ما يستطيع المغرب أن يفعله عندما تختلف مصالحه مع حلفائه؟ وهنا تحديدًا تكمن المسألة التي تستحق نقاشًا أعمق حول مستقبل الدبلوماسية المغربية، وحول ما إذا كانت التحالفات التي بُنيت خلال السنوات الأخيرة قد عززت فعلًا هامش المناورة المغربي، أم أنها، في بعض الملفات، أصبحت تقيده أكثر مما تمنحه من أدوات للتأثير.
اترك تعليقاً