وجهة نظر

فنجان السياسة

برلمان جديد لا يعكس الإرادة الشعبية، في فعل انتخابي طبع بتدني نسبة المشاركة، وحكومة جديدة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، في مسار ديمقراطي مشوب بالتشكيك في نزاهة بعض الإجراءات والمساطر المصاحبة للعملية الانتخابية، وفي تناغم تام بين الأغلبية والمعارضة، على مستوى المقاربات والخطابات والوعود، التي ظلت رهينة الشعارات، دون أثر يذكر على واقع الحال، في ظل استمرار غلاء الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر والهشاشة، وتفاقم البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتدني الخدمات العمومية، في التعليم والصحة والنقل، وغيرها من المرافق الحيوية، التي باتت تؤرق المواطنين، وتزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، وتغذي مشاعر اليأس والإحباط، وتدفع نحو العزوف عن المشاركة السياسية، والابتعاد عن صناديق الاقتراع، في حلقة مفرغة، تكرر نفسها مع كل استحقاق انتخابي، دون أن يتغير شيء يذكر، في المشهد السياسي والحزبي، الذي ظل على حاله، رغم كل الوعود والشعارات، ورغم كل الحديث عن التغيير والإصلاح، ورغم كل ما قيل عن ضرورة تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية، ورغم كل ما يقال عن الديمقراطية التشاركية، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

اعتبارا لحالة اليأس المستشري داخل المجتمع، أمام انحسار الحلول المبدعة والمبتكرة القادرة على انتشال البلاد من واقع التخلف والتبعية، وأمام عجز النخب السياسية والحزبية عن تقديم بدائل حقيقية، وأمام استمرار نفس الوجوه ونفس الممارسات، وأمام غياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، قادرة على الإجابة عن انتظارات المواطنين وتطلعاتهم، وأمام اتساع الهوة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والإنجازات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام برلمان جديد وحكومة جديدة، أم أمام نفس المشهد القديم بأثواب جديدة؟

أحداث سبتة السليبة، وقبلها أحداث جيل زيد المقلقة، محطات عابرة، عكست الوجه الخفي لما بات يتخبط فيه المجتمع من يأس وإحباط وفقدان للثقة، في ظل غياب بدائل حقيقية، وفي ظل استمرار نفس السياسات ونفس المقاربات، التي أثبتت فشلها الذريع، في معالجة الإشكالات الحقيقية التي يعاني منها المواطنون، في معيشتهم اليومية، وفي مستقبل أبنائهم، وفي كرامتهم وحقوقهم الأساسية.

ما تخلل الحملة الانتخابية من كر وفر ووعد ووعيد وتهديد، واتهامات بالجملة، وما طبع الولاية الحكومية المنتهية، من توجهات وقرارات مغذية لليأس والإحباط وفقدان الثقة، وما ميز الخطاب السياسي من “معاطية سياسية” و”قلة حياء”، ومن خرجات مشحونة بمشاعر الاستقواء والتحدي والتحكم لبعض القادة والزعماء، هي تصرفات وممارسات سياسية وجب القطع معها في الولاية الحكومية والبرلمانية الجديدة، لما لها من إساءة للدولة وضرب لمصداقية المؤسسات، ومن تكريس لثقافة اليأس والإحباط في أوساط المجتمع. وفي هذا الإطار، من السابق لأوانه، قراءة فنجان “الحكومة المنصورية”، أو التنبؤ بتحركات واتجاهات عجلات الجرار في الخمس سنوات القادمة، والأمل كل الأمل، أن يرى المغاربة في هذا الجرار الذي ظل على الدوام، محل جدل وانتقاد وهجوم شرس من قبل الخصوم السياسيين، ما يتطلعون إليه من قرارات شعبية، دافعة نحو التنمية وداعمة للقدرة الشرائية.. جرار يكون الراكبون فيه، في مستوى التطلعات والانتظارات والرهانات التنموية والترابية والاستراتيجية الكبرى للبلاد، في سياق جيوسياسي دولي، موسوم بالصراع والترقب واللايقين، وسياق داخلي، لم يعد يحتمل من ينسج خيوط الهرب والفرار، ولا من يضع العصا في عجلة التنمية، ويحرم الوطن من فرص النهوض والصعود، ولا من يسعى وراء مصالحه وحساباته السياسوية الضيقة، ولا تسري في عروقه دماء الوطن وثوابت الأمة الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *