وجهة نظر

الخطاب الملكي بين طموح الدولة ومسؤولية الحكومة: من يملك شجاعة الانتقال إلى الإنجاز؟

لم يكن الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مجرد إعلان عن افتتاح ولاية تشريعية جديدة، بل جاء محملا برسائل سياسية ودستورية واستراتيجية تضع الحكومة والبرلمان والأحزاب أمام امتحان حقيقي للمسؤولية.

لقد تحدث الملك بلغة الدولة التي تستشرف المستقبل، وتستحضر التحولات الدولية، وتحدد أولويات التنمية والسيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية، في وقت لا يزال فيه جزء من المشهد الحزبي منشغلا بحسابات تشكيل الأغلبية، وتوزيع الحقائب، وتدبير الطموحات الشخصية.

وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تستحق التأمل: الدولة تفكر في مغرب المستقبل، بينما لا تزال بعض الممارسات الحزبية أسيرة حسابات الماضي.

إن أهم ما حمله الخطاب الملكي هو التعبير عن انتظار أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفا حقيقيا في مسار المملكة. وهي عبارة لا ينبغي اختزالها في بعدها التحفيزي، لأنها تطرح، من زاوية التحليل السياسي، سؤالا جوهريا حول حصيلة التجارب الحكومية السابقة، ومدى قدرتها على مواكبة الطموح الاستراتيجي للدولة.

فالمنعطف الحقيقي لا يتحقق بتغيير الوجوه، ولا بتوسيع التحالفات، ولا بإعادة توزيع المناصب بين الأحزاب. وإنما يتحقق حين تتغير طرق تدبير الشأن العام، وحين تصبح المسؤولية الحكومية مرتبطة بالإنجاز، لا بمجرد الاستمرار في السلطة.

ومن الناحية الدستورية، تكتسي هذه المسألة أهمية خاصة. فالفصل 42 من الدستور يحدد موقع الملك باعتباره رئيسا للدولة وضامنا لاستمرارها وحسن سير مؤسساتها، بينما ينيط الفصل 89 بالحكومة ممارسة السلطة التنفيذية وتنفيذ البرنامج الحكومي والقوانين.

وهذا التمييز ليس شكليا، بل يمثل أساسا لفهم المسؤولية داخل النظام الدستوري المغربي.
فالتوجيهات الاستراتيجية الملكية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء سياسي تختبئ خلفه الحكومات عند الإخفاق، أو إلى وسيلة لاحتكار المبادرات الناجحة والتنصل من مسؤولية التعثر.

إن احترام المؤسسة الملكية يقتضي أيضا أن تتحمل الحكومة كامل مسؤوليتها السياسية والدستورية، لأن قوة الدولة لا تعفي الحكومة من المحاسبة، بل تجعل هذه المحاسبة أكثر إلحاحا.

ويكتسب هذا النقاش راهنيته في ظل المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة، حيث يطرح سؤال بالغ الأهمية: هل يجري البحث عن أغلبية تمتلك مشروعا سياسيا مشتركا، أم عن تسوية حسابية لتوزيع المقاعد والحقائب؟

فالدستور، في فصله 47، يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب، بينما يجعل الفصل 88 تنصيب الحكومة رهينا بثقة المجلس في برنامجها.

ومعنى ذلك أن الشرعية الانتخابية لا ينبغي أن تنتهي عند تشكيل الأغلبية، وإنما يتعين أن تمتد إلى وضوح التعاقد السياسي، وانسجام البرنامج الحكومي، وتحمل الأحزاب المشاركة مسؤولية اختياراتها أمام الناخبين.

ولا يستقيم أن تدخل أحزاب إلى الحكومة بخطابات متباينة، ثم تقدم للمواطنين برنامجا مشتركا دون توضيح التنازلات والالتزامات التي قامت عليها شراكتها.

كما لا يستقيم أن يتحول الاستوزار إلى مسار دائم للأشخاص أنفسهم، وكأن التداول على المسؤولية يعني تغيير الحكومات مع الإبقاء على الوزراء.
فالوزارة ليست مكافأة حزبية، ولا امتيازا شخصيا، وإنما مسؤولية عمومية يفترض أن يكون معيار إسنادها هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز والمحاسبة.

أما الرسالة الأكثر مباشرة في الخطاب، فتتعلق بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
فحين يؤكد الملك أنه لم يعد مقبولا أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، فإننا نكون أمام تشخيص واضح لاختلال مؤسساتي طال أمده.
فالميثاق الوطني للاتمركز الإداري صدر سنة 2018، ومع ذلك لا تزال إشكالات نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية مطروحة، بما يطرح سؤال المسؤولية عن بطء التنزيل.

لقد أرسى الدستور، ولا سيما الفصول 136 و140 و141، مبادئ التدبير الحر والتفريع وربط نقل الاختصاصات بتحويل الموارد الضرورية لممارستها.
غير أن الفجوة بين النصوص والممارسة لا تزال تطرح إشكالا حقيقيا في تدبير التنمية الترابية.

فكيف يمكن مطالبة الجهات بتحقيق التنمية، إذا كانت وسائل القرار والتنفيذ لا تزال موزعة بين مستويات إدارية متعددة؟ وكيف يمكن الحديث عن حكامة ترابية فعالة دون تحديد دقيق للاختصاصات والمسؤوليات؟

إن الجهوية المتقدمة لا يمكن أن تنجح بنقل الأعباء إلى الجهات دون نقل السلطة والموارد اللازمة لتحملها.

والأخطر من التأخر في الإصلاح هو أن يتحول هذا التأخر إلى وضع مألوف، لا يثير مساءلة سياسية أو إدارية تتناسب مع كلفته الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الجانب الاقتصادي، حمل الخطاب توجها استراتيجيا نحو تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتطوير الاحتياطات الاستراتيجية، وتسريع الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وهي اختيارات تترجم إدراكا لتحولات عالمية أصبحت فيها السيادة مرتبطة بالقدرة على الإنتاج والتكنولوجيا وتأمين الحاجيات الأساسية، وليس فقط بالمواقف الدبلوماسية.

لكن الانتقال إلى هذا المستوى من الطموح يقتضي حكومة تمتلك الكفاءات والرؤية والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة عمومية قادرة على مواكبة التحولات، وقطاعا خاصا يتحمل مسؤوليته في الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل.

كما أن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يجب أن ينعكس على التعليم والتأهيل والتشغيل والارتقاء الاجتماعي، لا أن يظل عنوانا يتكرر في البرامج الحكومية دون أثر كاف في الحياة اليومية.

فالثقة في المؤسسات لا تستعاد بالشعارات، وإنما عندما يشعر المواطن بأن السياسات العمومية تحدث تغييرا ملموسا في أوضاعه.

وفي الشق المتعلق بالعلاقات مع إسبانيا وتدبير الهجرة، حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن طبيعة الشراكات الدولية، ومفادها أن التعاون اختيار سيادي يقوم على الاحترام المتبادل، ولا يجوز أن يخضع لمنطق الضغط أو الابتزاز.

وهو موقف يفتح النقاش حول ضرورة تجديد الإطار القانوني والمؤسساتي للتعاون، بما يحقق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، ويحترم استقلال القضاء والحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حقوق القاصرين.

فالسيادة لا تتناقض مع دولة القانون، بل تستمد جزءا أساسيا من قوتها ومصداقيتها من احترامه.
غير أن الرسالة السياسية التي ينبغي ألا تضيع وسط بقية المضامين هي تلك الموجهة إلى البرلمان.

لقد وصف الملك الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين.
وهنا نصل إلى جوهر الإشكال الديمقراطي.
فالنائب البرلماني ليس مجرد رقم في أغلبية، ولا مجرد صوت يمنح الثقة للحكومة، بل ممثل للأمة يتحمل مسؤولية التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، كما ينص على ذلك الفصل 70 من الدستور.

ولا يمكن للبرلمان أن يضطلع بهذه الأدوار إذا اختزلت الأغلبية وظيفتها في مساندة الحكومة دون مساءلة فعلية، أو اختزلت المعارضة دورها في الاعتراض دون تقديم بدائل.
فالأغلبية ليست تفويضا مفتوحا للحكومة، والمعارضة ليست موقعا هامشيا، وإنما هما مكونان أساسيان في التوازن الديمقراطي وفي ربط السلطة بالمحاسبة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح مع بداية هذه الولاية ليس فقط ماذا ستنجز الحكومة، وإنما أيضا كيف سيراقب البرلمان تنفيذ التزاماتها، وبأي معايير سيقيم نتائجها، ومن سيتحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاق؟

إن الخطاب الملكي، في عمقه، يضعنا أمام إشكالية تتجاوز تشكيل الحكومة المقبلة إلى طبيعة ممارسة السلطة في المغرب.
فليست المشكلة دائما في غياب النصوص أو البرامج أو الرؤى الاستراتيجية، وإنما في ضعف الانتقال من القرار إلى التنفيذ، ومن الاختصاص إلى المسؤولية، ومن الإعلان السياسي إلى النتيجة الملموسة.

وإذا كانت الدولة قد حددت أولويات المرحلة، فإن الأحزاب مطالبة بأن تثبت أن وجودها في المؤسسات لا يقتصر على البحث عن المواقع، والحكومة مطالبة بأن تثبت قدرتها على الإنجاز، والبرلمان مطالب بأن يمارس وظائفه الدستورية كاملة.

إن التحدي الحقيقي ليس أن تتسابق الأحزاب إلى الإشادة بالخطاب الملكي، وإنما أن تتنافس في تقديم البرامج والاختيارات القادرة على ترجمة مضامينه إلى واقع.
فالإشادة لا تصنع التنمية، والتصفيق لا يعوض المحاسبة، وتوزيع الحقائب لا يصنع حكومة ناجحة.

ولذلك، فإن السؤال السياسي والدستوري الذي ينبغي أن يرافق هذه الولاية برمتها هو:
من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يراقب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

ذلك أن أخطر ما يهدد الإصلاح ليس غياب الرؤية، بل اعتياد المؤسسات على الاحتفاء بها دون تحمل مسؤولية تنفيذها.
فالمغرب الذي يتطلع إلى المستقبل يحتاج إلى حكومة تصنع النتائج، وبرلمان يمارس الرقابة، وأحزاب تنتج النخب، لا إلى مجرد أغلبية تتقاسم السلطة ثم تتقاسم الأعذار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *