وعود الترحيل تبخرت.. مصانع “أنزا” تخنق جيرانها بروائح كريهة وتحرج سلطات أكادير

تتواصل معاناة ساكنة حي أنزا بشمال مدينة أكادير مع الروائح الكريهة والانبعاثات الملوثة التي تجتاح المنطقة بشكل متكرر، في ظل استمرار أنشطة صناعية يطالب متضررون بترحيلها إلى المنطقة الصناعية المحدثة بضواحي الدراركة، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن أسباب تعثر هذا الملف، رغم مرور سنوات على الوعود التي قُدمت بإنهائه.
ولم تعد هذه الأزمة البيئية، بحسب تصريحات عدد من المواطنين بشأن الوضع بالمنطقة، مجرد مصدر إزعاج عابر، إذ يتحدث سكان عن روائح قوية تدفع بعضهم إلى تجنب فتح نوافذ منازلهم، فيما امتدت الشكاوى إلى مناطق أخرى من أكادير. وبينما تتواصل المطالب بوضع حد لهذا الوضع، يظل تحديد المصادر الفعلية للتلوث ومدى مسؤولية الوحدات الصناعية ومحطة معالجة المياه العادمة من أبرز الأسئلة التي تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المختصة.
وفي خضم هذه المعاناة، تتجه أصابع الاتهام نحو الجهات المسؤولة عن تدبير الملف، وسط مطالب بتدخل والي جهة سوس ماسة، سعيد أمزازي، لتنسيق جهود المصالح المعنية، والكشف عن مآل الإجراءات السابقة المتعلقة بترحيل الوحدات الصناعية، وإلزام المنشآت المعنية باحترام الضوابط البيئية، بما يضمن حماية السكان من الانبعاثات والروائح التي تؤثر على جودة حياتهم اليومية.
ويعود جانب من الجدل بشأن هذا الملف إلى الوعود التي قُدمت قبل سنوات بإنهاء وجود الوحدات الصناعية المعنية بالترحيل في أنزا، خاصة بعد إحداث المنطقة الصناعية «أليوبوليس» بالدراركة لاحتضان أنشطة صناعية.
وفي هذا السياق، استحضر عبد الغني بوعيشي، النائب الثالث لرئيس مجلس جماعة أكادير، المكلف بالبيئة وجودة الحياة، خلال دورة أكتوبر الجاري، معطيات تعود إلى سنة 2015، حين كان عضوا بالمجلس الإداري للوكالة المتعددة الخدمات، مشيرا إلى أنه سبق أن طرح على الوالي الذي كان يترأس المجلس الإداري آنذاك سؤالا بشأن مصير الوحدات الصناعية المرتبطة بالسمك في أنزا، في ظل إحداث المنطقة الصناعية بالدراركة.
وأوضح بوعيشي أن الجواب الذي تلقاه حينها كان يفيد بأنه بحلول سنة 2016 لن تبقى أي وحدة صناعية معنية بالترحيل في أنزا، متسائلا عن أسباب استمرار الوضع بعد مرور نحو عشر سنوات على ذلك الموعد، دون حل نهائي ينهي معاناة الساكنة.
واعتبر المتحدث أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقع على عاتق الجماعة وحدها، بل تستدعي تدخلا من السلطات المحلية والمديرية الجهوية للبيئة وباقي المصالح المختصة. كما أعلن مطالبة الجماعة بإيفاد اللجنة الإقليمية للبيئة إلى أنزا، لفتح تحقيق شامل ودقيق يحدد مصادر التلوث والمسؤوليات المرتبطة به.
واستحضر بوعيشي تدخلات سابقة للجماعة، من بينها إغلاق تسربات صناعية نحو البحر بأنزا في دجنبر 2023، وتحديد غرامات تصل إلى 20 ألف درهم في حق المخالفين لدفتر التحملات، وفق ما صرح به، مشددا على أن التدخلات الظرفية لا تكفي ما لم تُفض إلى معالجة جذرية للاختلالات المسجلة.
وتعالت مطالب المنتخبين بتدخل السلطات الولائية لحسم ملف التلوث، بالنظر إلى ما يطرحه من تداخل في الاختصاصات بين الجماعة والمصالح البيئية والسلطات المحلية، فضلا عن ارتباطه بتوطين الأنشطة الاقتصادية ونقل الوحدات الصناعية إلى الفضاءات المخصصة لها.
وفي تعليق له خلال دورة أكتوبر الجاري، لمجلس جماعة أكادير، اعتبر مصطفى بودرقة، نائب رئيس المجلس، أن أنزا شهدت تحولا في طبيعة استعمال المجال، بعدما كانت منطقة يغلب عليها النشاط الصناعي وأصبحت تضم أحياء سكنية وتتوفر على مؤهلات سياحية مهمة.
وأشار بودرقة إلى أن المجلس لم يعد يمنح تراخيص جديدة داخل المناطق الصناعية، مذكرا بوجود اتفاقيات سابقة تتعلق بتعويض بعض الوحدات الصناعية ونقلها إلى مناطق مخصصة، ودعا إلى حسم التوجه المستقبلي للمنطقة من خلال المخطط القطاعي المرتقب لأنزا، بما يحدد طبيعتها وموقعها ضمن التحولات العمرانية والسياحية التي تعرفها أكادير.
ومن جهته، حمّل ماء العينين، عن تحالف اليسار المعارض بمجلس جماعة أكادير، مسؤولية استمرار الأزمة إلى المجلس والسلطات المحلية، مطالبا والي جهة سوس ماسة بالتدخل. وقال إن الروائح لم تعد مقتصرة على أنزا، بل باتت تصل إلى مدينة أكادير، منتقدا ما اعتبره تفاوتا في التعامل مع المخالفات، ومشددا على أن السكان هم من يتحملون العبء الأكبر من استمرار الوضع.
وفي مقابل التركيز على الانبعاثات الصناعية، أثار بوجمعة الميري، عن حزب جبهة القوى الديمقراطية، احتمال ارتباط جانب من الروائح بمحطة معالجة المياه العادمة، داعيا إلى توسيع نطاق البحث وعدم حصر المسؤولية في جهة واحدة قبل تحديد المصادر الفعلية للتلوث.
وقال الميري، خلال دورة أكتوبر لمجلس جماعة أكادير، إن بعض الوحدات الصناعية تصب مخلفاتها في المحطة، رغم أن دفاتر التحملات، وفق ما أورده، لا تسمح بذلك، معتبرا أن هذه الممارسات المحتملة قد تكون من بين أسباب المشاكل المرتبطة بالروائح المنبعثة من المحطة.
ودعا المتحدث إلى أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها في معالجة الملف، مؤكدا أن تحديد الاختصاصات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبادل المسؤوليات أو إعفاء أي طرف من واجباته، في وقت تستمر فيه شكاوى السكان.
ويجعل تعدد المصادر المحتملة للروائح إجراء تحقيق ميداني مدعوم بقياسات وتحاليل بيئية دقيقة ضرورة ملحة، لتحديد طبيعة الانبعاثات ومصادرها الفعلية، والتحقق من مدى احترام المنشآت الصناعية ومحطة المعالجة للضوابط البيئية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل جهة تثبت مسؤوليتها عن المخالفات.
وبين استمرار شكاوى السكان والوعود السابقة بترحيل الوحدات الصناعية، يظل السؤال المطروح هو مآل الإجراءات التي أُعلن عنها خلال السنوات الماضية، والأسباب التي حالت دون إنهاء الملف، رغم إحداث منطقة صناعية مخصصة لاحتضان الأنشطة المعنية بالترحيل.
وتتطلب معالجة الأزمة تنسيقا فعليا بين ولاية جهة سوس ماسة والسلطات المحلية والمصالح البيئية والجماعة، كل في حدود اختصاصاته، من أجل تحديد المسؤوليات، والكشف عن وضعية الوحدات المعنية بالترحيل، والتحقق من مصادر التلوث، واتخاذ تدابير واضحة وقابلة للتنفيذ.
فبالنسبة إلى ساكنة أنزا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالروائح الكريهة التي تتكرر بين الفينة والأخرى، بل بحقها في بيئة سليمة ومحيط يضمن شروط العيش الكريم. أما استمرار الأزمة رغم مرور سنوات على الوعود بمعالجتها، فيبقي ملف التلوث مفتوحا على مزيد من التساؤلات بشأن الجهات التي تملك صلاحية الحسم، والموعد الذي ستتحول فيه الوعود إلى إجراءات تنهي معاناة السكان.
وفي تطور جديد في هذا الملف، تحركت ولاية جهة سوس ماسة لعقد اجتماع موسع، يوم غد الخميس 15 أكتوبر 2026، ابتداء من الساعة العاشرة صباحا، برئاسة والي الجهة عامل عمالة أكادير إداوتنان، سعيد أمزازي، وبحضور الصناعيين المعنيين، إلى جانب ممثلي مختلف الإدارات والمصالح والمؤسسات المتدخلة في تدبير الملف.
ووجهت الولاية دعوات إلى عدد من المسؤولين، من بينهم رئيس مجلس جهة سوس ماسة، ورئيس المجلس الجماعي لأكادير، والمديرة الجهوية للبيئة، والمدير الجهوي للصناعة والتجارة، ومدير وكالة الحوض المائي لسوس ماسة، والمدير العام لشركة الخدمات الجهوية متعددة الخدمات، فضلا عن ممثلي قطاعات الصحة والتجهيز والصيد البحري والتعمير والاستثمار، ومدير المنطقة الصناعية هاليوبوليس.
وبحسب مضمون الدعوة، يأتي هذا الاجتماع استنادا إلى المعاينات الميدانية والشكايات المتكررة بشأن النفايات والانبعاثات الصادرة عن الوحدات الصناعية بأنزا، وما تطرحه من آثار سلبية على البيئة وصحة الإنسان. كما يرتقب أن يشكل اللقاء مناسبة لبحث السبل والإجراءات الكفيلة بالتوصل، بتنسيق مع الصناعيين المعنيين، إلى حل نهائي لمشكلة الروائح الكريهة والانبعاثات التي تؤرق ساكنة المنطقة.
ويأتي هذا التحرك الولائي في سياق تصاعد المطالب المحلية بتجاوز التدخلات الظرفية، والانتقال إلى معالجة شاملة تحدد مصادر التلوث والمسؤوليات المرتبطة به، وتضع حدا لمعاناة السكان المستمرة منذ سنوات. كما يضع الاجتماع المرتقب مختلف المتدخلين أمام مسؤولية بلورة إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، سواء تعلق الأمر بمراقبة الوحدات الصناعية ومدى احترامها للضوابط البيئية، أو بتحديد التدابير الضرورية لمعالجة الروائح والانبعاثات المنبعثة من المنطقة.
ويبقى الرهان الأساسي معلقا على مخرجات هذا الاجتماع، ومدى قدرته على تحويل المطالب المتجددة والوعود السابقة إلى قرارات واضحة وآجال محددة للتنفيذ، بما يضمن حق ساكنة أنزا في بيئة سليمة، وينهي حالة الغموض التي لا تزال تحيط بمصادر التلوث ومآل ملف الوحدات الصناعية المعنية بالترحيل.
اترك تعليقاً