بعد 49 عاما من تعاقب الوزراء وتحول الاختصاصات.. قلوب فيطح أول امرأة تقود “العلاقات مع البرلمان”
عرف قطاع العلاقات مع البرلمان تعاقب وزراء وتغيّرات في التسمية والاختصاصات

منذ تأسيسه سنة 1977، عرف قطاع العلاقات مع البرلمان تعاقب وزراء وتغيّرات في التسمية والاختصاصات، شملت المجتمع المدني وحقوق الإنسان والناطق الرسمي باسم الحكومة، ومع تعيين قلوب فيطح على رأسه في الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، يسجل القطاع سابقة بتولي امرأة مسؤوليته للمرة الأولى، بعد نحو 49 عاما من إحداثه.
ويشكل تعيين قلوب فيطح وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، محطة جديدة في تاريخ قطاع حكومي أُحدث سنة 1977، وارتبط منذ نشأته بتنسيق العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويكتسي هذا التعيين، الذي أُعلن عنه ضمن الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، دلالة خاصة، إذ أصبحت فيطح أول امرأة تتولى مسؤولية هذا القطاع منذ إحداثه.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد المرتبط بوصول امرأة إلى المسؤولية عن قطاع العلاقات مع البرلمان، بل يأتي أيضا في سياق تاريخ مؤسساتي عرف تغييرات متكررة في تسمية الوزارة ومستوى المسؤولية الحكومية عنها، وفي الملفات التي أُلحقت بها أو فُصلت عنها، فقد تعاقب على القطاع مسؤولون تولوا حقيبة العلاقات مع البرلمان وحدها، وآخرون جمعوا بينها وبين المجتمع المدني، فيما ارتبطت المسؤولية خلال مرحلة معينة بحقوق الإنسان، كما تولى بعض الوزراء، في مراحل سابقة، مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة بالتوازي مع تدبير العلاقة مع المؤسسة التشريعية.
وتضع هذه الخلفية قلوب فيطح أمام مسؤولية تتجاوز تدبير التواصل المؤسساتي بين الحكومة والبرلمان، لتشمل مواكبة المسار التشريعي، وتتبع العمل الرقابي وتقييم السياسات العمومية، إلى جانب العلاقة مع جمعيات المجتمع المدني وتعزيز المشاركة المواطنة.
وتأتي هذه المهمة في امتداد تجربة برلمانية راكمتها الوزيرة الجديدة خلال الولاية التشريعية 2021-2026، إذ انتُخبت نائبة عن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وشغلت منصب النائبة الأولى لرئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، فضلا عن اشتغالها على ملفات المساواة والمناصفة.
من الشيگّر إلى فيطح.. محطات في تاريخ القطاع
تعود بداية وزارة العلاقات مع البرلمان إلى أكتوبر 1977، عندما أُسندت المسؤولية إلى محمد حدو الشيگّر، الذي تولى المنصب إلى غاية 5 نونبر 1981، ومنذ ذلك التاريخ، عرف القطاع تعاقب مسؤولين حكوميين اختلفت ألقابهم واختصاصاتهم بحسب طبيعة الهيكلة الحكومية في كل مرحلة، وهو ما يعكس تغير موقع العلاقات مع البرلمان داخل التنظيم التنفيذي، مع استمرار الوظيفة الأساسية المرتبطة بالتنسيق بين الحكومة والمؤسسة التشريعية.
وخلال الفترة الممتدة من 1981 إلى 1987، تعاقب على القطاع أحمد بلحاج، الذي تولى المسؤولية من 5 نونبر 1981 إلى 15 أكتوبر 1984، ثم عباس القيسي بين 15 أكتوبر 1984 و11 أبريل 1985، قبل أن يتولى الطاهر عفيفي المهمة إلى 9 مارس 1987، أما عبد السلام بركة، فقد تولى الوزارة من 9 مارس 1987 إلى 11 غشت 1992، ثم عاد إليها في 25 فبراير 1995 واستمر في المسؤولية إلى 11 غشت 1997.
وشهدت المرحلة الموالية تعديلات على مستوى التسمية والاختصاصات، فقد أُسندت إلى رفيق الحداوي، بين غشت 1992 وأكتوبر 1993، مهمة العلاقات مع البرلمان إلى جانب شؤون الجالية المغربية في الخارج، قبل أن يتولى عزيز حسبي المسؤولية المتعلقة بالشؤون الإدارية والعلاقات مع البرلمان لفترة وجيزة في أكتوبر 1993، وخلفه محمد معتصم، الذي شغل منصب الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالعلاقات مع البرلمان من 11 نونبر 1993 إلى 25 فبراير 1995.
وفي غشت 1997، أُسندت المسؤولية إلى مصطفى ساهل تحت تسمية وزير الصيد البحري والشؤون الإدارية والعلاقة مع البرلمان، واستمر في المنصب إلى 14 مارس 1998، ثم تولى محمد بوزوبع حقيبة العلاقات مع البرلمان من مارس 1998 إلى نونبر 2002، قبل أن يخلفه محمد سعد العلمي، الذي استمر في المسؤولية من 7 نونبر 2002 إلى 4 يناير 2010، عبر ولايتين حكوميتين متتاليتين.
ومع مطلع العقد الثاني من الألفية، تولى إدريس لشكر الوزارة من 4 يناير 2010 إلى 3 يناير 2012، قبل أن يخلفه الحبيب الشوباني، الذي ارتبطت ولايته بإضافة المجتمع المدني إلى اختصاصات القطاع، فقد تولى المسؤولية تحت تسمية الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني من 3 يناير 2012 إلى 20 ماي 2015، ثم خلفه عبد العزيز العماري، الذي استمر في المنصب بالتسمية نفسها إلى 5 أبريل 2017.
وفي المرحلة التالية، تولى مصطفى الخلفي المسؤولية وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، مع إسناد مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة إليه، واستمر في هذه المسؤولية من 5 أبريل 2017 إلى 9 أكتوبر 2019، مرورا بتعديل حكومي في يناير 2018، قبل أن يتولى مصطفى الرميد، في 9 أكتوبر 2019، منصب وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، واستمر إلى 7 أكتوبر 2021.
وبعد ذلك، انتقلت المسؤولية إلى مصطفى بايتاس، الذي تولى في الحكومة السابقة منصب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، إلى جانب مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة. ومع تعيين قلوب فيطح في الحكومة الجديدة، انتقلت المسؤولية إلى شخصية نسائية للمرة الأولى منذ تأسيس القطاع، مع إسناد العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني إليها، في مقابل تولي سمير بلفقيه مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة بالتوازي مع حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
من العلاقات مع البرلمان إلى المجتمع المدني.. كيف تغيرت اختصاصات الوزارة؟
تكشف أسماء المسؤولين والتسميات الحكومية المتعاقبة أن الوزارة لم تحتفظ، طوال تاريخها، بالصيغة نفسها من حيث الاختصاصات، ففي بدايتها، تمحورت مهمتها حول العلاقات مع البرلمان، باعتبارها حلقة وصل بين الحكومة والمؤسسة التشريعية، قبل أن تتوسع خلال مراحل لاحقة لتشمل ملفات أخرى، في مقدمتها المجتمع المدني، ثم حقوق الإنسان، فضلا عن الجمع بين العلاقات مع البرلمان والتواصل الحكومي الرسمي في بعض الولايات.
وكان إلحاق المجتمع المدني بالقطاع من أبرز التحولات التي عرفها خلال حكومة عبد الإله بنكيران، حين تولى الحبيب الشوباني المسؤولية سنة 2012 تحت تسمية الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، واستمرت هذه الصيغة مع عبد العزيز العماري، ثم مصطفى الخلفي، بما جعل الوزارة تجمع بين تدبير العلاقة مع المؤسسة التشريعية ومواكبة العمل الجمعوي وتعزيز مشاركة الجمعيات في الحياة العامة.
ولم يكن هذا التوسع مجرد تعديل في التسمية، بل ارتبط بمجالات عمل إضافية تتصل بالشراكة مع الجمعيات، ودعم قدراتها، وتشجيع المشاركة المواطنة، وتطوير آليات الديمقراطية التشاركية، بما فيها العرائض والملتمسات في مجال التشريع، وهي اختصاصات باتت حاضرة في التنظيم الإداري للوزارة، من خلال مديرية العلاقات مع المجتمع المدني والأقسام والمصالح التابعة لها.
وفي أكتوبر 2019، اتخذ القطاع منحى آخر مع إسناد العلاقات مع البرلمان إلى مصطفى الرميد بصفته وزير دولة مكلفا بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، وجاء ذلك في إطار صيغة حكومية جمعت بين مجالين يرتبطان، كل من زاويته، بالعمل المؤسساتي والحقوقي، قبل أن تعود التسمية لاحقا إلى العلاقات مع البرلمان ضمن هيكلة حكومية مختلفة.
أما الجمع بين العلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، فقد شكل بدوره إحدى الصيغ التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، إذ تولى مصطفى الخلفي المهمتين، ثم واصل مصطفى بايتاس هذا الجمع خلال الحكومة السابقة، غير أن التشكيلة الحكومية الجديدة فصلت بين المسؤوليتين من جديد، بعدما أسندت إلى قلوب فيطح العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، فيما أُنيطت مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة بسمير بلفقيه.
اختصاصات متعددة ومسؤولية في صلب العمل المؤسساتي
وفقا للتنظيم الرسمي للوزارة، لا تقتصر مهام قطاع العلاقات مع البرلمان على نقل مواقف الحكومة أو التنسيق بشأن حضور أعضائها في الجلسات البرلمانية، بل تمتد إلى مواكبة مختلف مراحل العمل التشريعي والرقابي، وتتبع الأنشطة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية، ويشمل ذلك تتبع مشاريع القوانين ومقترحات القوانين، والأسئلة الشفهية والكتابية، وأشغال اللجان، إلى جانب القضايا المرتبطة بمراقبة العمل الحكومي والتفاعل مع المبادرات البرلمانية.
وتضطلع الوزارة كذلك بمهمة تنسيق العلاقة بين الجهاز التنفيذي والبرلمان، بما يتيح تتبع التزامات الحكومة ومواكبة تفاعل القطاعات الوزارية مع الأسئلة والمبادرات التي يطرحها أعضاء مجلسي البرلمان، وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد القطاعات الحكومية وتنوع الملفات التي تخضع للمناقشة والمساءلة داخل المؤسسة التشريعية.
وعلى مستوى المجتمع المدني، تتوزع الاختصاصات بين دعم الجمعيات وتقوية قدراتها، وتطوير الشراكات معها، والنهوض بالمشاركة المواطنة وتعزيز الديمقراطية التشاركية. وتشمل هذه المجالات أيضا مواكبة التحول الرقمي للجمعيات، وتطوير آليات المشاركة العمومية، وتتبع العرائض والملتمسات، وفق الاختصاصات المحددة في النصوص المنظمة للقطاع.
ويحدد المرسوم رقم 2.22.771 الصادر في 9 فبراير 2023 اختصاصات الوزارة وتنظيمها، فيما يتضمن هيكلها الإداري مديرية للعلاقات مع البرلمان وأخرى للعلاقات مع المجتمع المدني، إلى جانب مديرية للموارد والدراسات ونظم المعلومات. ويعكس هذا التنظيم اتساع مجالات تدخل القطاع، من العمل التشريعي والرقابي إلى دعم المشاركة المدنية وتدبير الموارد والدراسات المرتبطة بالاختصاصات الحكومية.
قلوب فيطح.. من العمل البرلماني إلى المسؤولية الحكومية
تدخل قلوب فيطح إلى الحكومة الجديدة انطلاقا من تجربة قانونية وبرلمانية وحزبية، فهي محامية بهيئة طنجة، حاصلة على الإجازة في القانون الخاص وماستر في العلوم الجنائية والدراسات حول الأمن من جامعة عبد المالك السعدي، كما راكمت تجربة داخل مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026، ممثلة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وخلال تجربتها البرلمانية، شغلت منصب النائبة الأولى لرئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، وشاركت في مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالمساواة والمناصفة، كما تولت رئاسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، بعد انتخابها في ماي 2023، وهو موقع أتاح لها الاشتغال داخل التنظيم الحزبي على قضايا المشاركة السياسية للنساء والمناصفة.
ويضعها هذا المسار أمام مسؤولية جديدة تتقاطع فيها معرفة العمل التشريعي مع متطلبات التنسيق الحكومي والتواصل مع الفاعلين المدنيين، فالانتقال من موقع النائبة البرلمانية إلى موقع المسؤولة الحكومية المكلفة بالعلاقات مع البرلمان يفرض التعامل مع المؤسسة التشريعية من زاوية مختلفة، تقوم على مواكبة العمل الحكومي داخلها، وتتبع الالتزامات والردود، وضمان استمرار قنوات التواصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وبقدر ما يشكل تعيين فيطح سابقة من حيث تولي امرأة حقيبة العلاقات مع البرلمان منذ تأسيسها سنة 1977، فإنه يفتح أيضا مرحلة جديدة في تاريخ قطاع عرف تحولات متكررة في تسميته واختصاصاته، من العلاقات مع البرلمان وحدها إلى الجمع بينها وبين المجتمع المدني، مرورا بمرحلة حقوق الإنسان، ثم الجمع مع مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة.
اترك تعليقاً