من فقدان العقار إلى الاقتلاع الاجتماعي

لا تختزل الخسارة التي قد يتكبدها المتضررون من مشاريع التهيئة الحضرية في فقدان منزل أو أرض أو محل تجاري، كما لا يمكن قياسها دائما بالمبلغ المالي الذي يخصص للتعويض. فالعقار، في كثير من الحالات، ليس مجرد أصل اقتصادي قابل للتداول، وإنما حصيلة سنوات من العمل والادخار والتضحية، ومصدر للأمان والاستقلال، وامتداد للذاكرة العائلية، وفضاء تتشكل داخله العلاقات الاجتماعية وتترسخ أشكال الانتماء والاعتبار.
ومن هنا، فإن أي قراءة سوسيولوجية لتداعيات مسطرة المنفعة العامة ينبغي أن تتجاوز التقييم العقاري المحض، لتسائل ما يفقده الأفراد والأسر عندما يُنتزع منهم المجال الذي ارتبطت به حياتهم اليومية، وما إذا كانت التعويضات والإجراءات المصاحبة قادرة فعلا على تمكينهم من استعادة شروط الاستقرار التي كانوا يتمتعون بها قبل التدخل العمراني.
رأس المال العقاري ورأس المال الرمزي: ماذا يفقد المتضررون؟
يساعدنا بيير بورديو على تعميق هذا التحليل من خلال التمييز بين أشكال رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، وكيفية تحولها أو تآكلها في سياقات التغير الاجتماعي. فالملكية العقارية قد تمثل رأسمالا اقتصاديا يوفر الاستقلال ومصدرا للدخل وضمانة في مواجهة تقلبات الحياة، لكنها قد تمثل أيضا رأسمالا رمزيا يرتبط بالاعتبار الاجتماعي والاستقرار والقدرة على اتخاذ القرار بشأن المستقبل.
وبالنسبة إلى أسر كثيرة، لا يكون المنزل مجرد بناء مادي، وإنما نتيجة مسار طويل من العمل والتضحية، وقد يكون إرثا عائليا انتقل بين الأجيال، أو الضمانة الوحيدة لمواجهة ارتفاع تكاليف السكن والكراء. ولذلك، فإن فقدانه لا يعني بالضرورة خسارة مالية فحسب، بل قد يضع الأسرة أمام إعادة ترتيب شاملة لأولوياتها المعيشية، ويجعلها أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
وتزداد المسألة تعقيدا عندما يتعلق الأمر بمحلات تجارية أو ورشات حرفية أو أنشطة اقتصادية صغيرة ارتبطت بموقع محدد. فالتاجر لا يفقد الجدران فقط، وإنما قد يفقد زبناء راكمهم عبر سنوات، وعلاقات ثقة مع الموردين، وموقعا تجاريا يصعب تعويضه، ومعرفة دقيقة بإيقاع المجال الذي يشتغل فيه. وقد يجد نفسه، بعد الانتقال، أمام ضرورة بناء شبكة اقتصادية جديدة في بيئة لا يعرفها، وبموارد ربما لا تسمح له بتحمل تكاليف البداية من جديد.
ومن ثم، فإن التعويض عن العقار، إذا اقتصر على قيمته المقدرة دون مراعاة الخسائر التي قد تلحق بالنشاط الاقتصادي أو شروط الاستقرار، لا يعكس بالضرورة الكلفة الاجتماعية الفعلية للتغيير. فهناك فارق بين تعويض عن أصل عقاري، وتعويض يتيح للفرد إعادة بناء وضعه الاقتصادي والاجتماعي. كما أن هذا التمييز لا يعني أن كل الخسائر غير العقارية تدخل تلقائيا ضمن التعويض القانوني، وإنما يؤكد ضرورة فحصها وتحديد ما يمكن جبره وفق القواعد القانونية المعمول بها.
يمكن، في هذا السياق، الحديث عن الاقتلاع المتعدد لرأس المال: اقتلاع من المكان، وتراجع في الأمان الاقتصادي، وانقطاع في بعض الشبكات الاجتماعية، وجرح في الاعتبار الرمزي. وهي أبعاد قد لا تظهر كلها في الوثائق الإدارية أو محاضر التقييم، لكنها قد تكون شديدة التأثير في الحياة اليومية للمتضررين.
التعويض بين القيمة السوقية والعدالة الاجتماعية
تطرح مسألة التعويض واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في تدبير المنفعة العامة، لأنها تقع عند نقطة التقاء القانون بالاقتصاد وبالتجربة المعيشة. فالتعويض يفترض أن يستند إلى القواعد والمعايير القانونية ذات الصلة، لكنه يظل، من الناحية الاجتماعية، موضع تساؤل عندما لا يتيح للمتضرر اقتناء بديل مناسب أو استعادة شروط الاستقرار التي كان يتمتع بها قبل نزع الملكية.
وقد يجد مالك العقار نفسه أمام سوق عقارية ارتفعت فيها الأسعار، بحيث لا يكفي المبلغ المتحصل عليه لشراء مسكن مماثل من حيث الموقع أو المساحة أو القرب من العمل والخدمات. وقد تضطر أسرة إلى الانتقال نحو منطقة بعيدة، فتتحمل تكاليف إضافية للنقل والتعليم والخدمات، أو تفقد شبكة الدعم العائلي التي كانت تساعدها على تدبير شؤونها اليومية.
وفي هذه الحالات، تظهر فجوة بين التعويض بوصفه إجراء ماليا، والإنصاف بوصفه قدرة فعلية على تجاوز آثار الخسارة. فقد تكون المسطرة قد قطعت مراحلها، لكن الأسرة لا تزال عاجزة عن إعادة بناء حياتها في ظروف مماثلة، أو تضطر إلى استهلاك مدخراتها لتغطية تكاليف الانتقال والاستقرار. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين انتهاء الإجراء من الناحية القانونية وانتهاء الأضرار من الناحية الاجتماعية.
وتتعقد المسألة أكثر عندما يلاحظ المتضرر أن العقار الذي نُزعت ملكيته يدخل لاحقا في عمليات إعادة تهيئة أو استثمار أو تفويت ترتبط بقيم اقتصادية مرتفعة. إذ يبرز حينها سؤال توزيع القيمة التي ينتجها التحول العمراني: من تحمل كلفة تعبئة العقار؟ ومن استفاد من ارتفاع قيمته؟ وهل توجد تفسيرات واضحة للفوارق بين التعويضات والتقييمات أو التفويتات اللاحقة؟
ولا يجوز، في هذا السياق، اعتبار كل تفاوت بين قيمة التعويض وسعر البيع اللاحق دليلا تلقائيا على الاستيلاء غير المشروع أو وجود تواطؤ، لأن القيمة قد تتغير بفعل الأشغال والاستثمارات وتبدل الاستعمالات وظروف السوق. غير أن الفوارق الكبيرة وغير المفسرة تستحق التدقيق، وتبرر المطالبة بالشفافية بشأن طرق التقييم، ومآلات العقارات، والأسس القانونية والاقتصادية التي حكمت التصرف فيها.
إن جوهر المسألة لا يكمن في رفض الاستثمار أو منع إعادة تثمين العقارات، وإنما في ضمان ألا يتحول التحول العمراني إلى مسار غير متكافئ تتحمل فيه الفئات محدودة الموارد كلفة التغيير، بينما تتوزع المنافع اللاحقة بصورة لا تتيح لها الاستفادة من القيمة التي ساهمت في إنتاجها أو من المجال الذي كانت جزءا منه.
التهجير القسري والإقصاء الحضري: من تغيير المكان إلى تغيير الموقع الاجتماعي
تتيح المقاربات النقدية للمدينة فهم أن مشاريع البنيات التحتية والتجديد الحضري قد تحقق منافع جماعية، لكنها قد تنتج أيضا آثارا إقصائية عندما لا ترافقها ضمانات اجتماعية كافية. فالتحديث العمراني لا يتطابق بالضرورة مع تحسين أوضاع جميع السكان، كما أن نجاح المشروع في تغيير صورة المجال لا يعني أن كل الفئات استطاعت الاستفادة من نتائجه.
وفي هذا الإطار، تساعدنا مقاربة ديفيد هارفي في العدالة الاجتماعية والمدينة على مساءلة الكيفية التي تتوزع بها منافع الاستثمار الحضري وأعباؤه. كما يتيح مفهوم «التراكم عن طريق نزع الملكية» فهم بعض الحالات التي تتحول فيها السيطرة على المجال إلى وسيلة لإعادة توزيع الموارد والقيم الاقتصادية. غير أن توظيف هذه المفاهيم في الحالة المغربية يقتضي التمييز بين التحليل النظري والحكم على الوقائع؛ فإثبات وجود إقصاء متعمد أو استيلاء غير مشروع يستلزم أدلة على القرارات والمساطر ومآلات العقارات، ولا يكفي فيه مجرد وجود أضرار أو تفاوتات.
ومع ذلك، فإن الإقصاء الحضري لا يحدث دائما عبر قرارات معلنة تستهدف فئات اجتماعية بعينها، بل قد ينتج عن تراكم تدابير ومعايير استثمارية تجعل بقاء السكان محدودي الدخل في بعض المجالات أكثر صعوبة. فقد ترتفع قيمة العقار، وتتغير طبيعة الأنشطة الاقتصادية، وتزداد تكاليف السكن، فتجد فئات كانت مستقرة في المجال نفسها أمام ضغوط تدفعها إلى المغادرة، حتى عندما لا تكون هناك سياسة معلنة لإبعادها.
إن التهجير، بهذا المعنى، قد يكون مباشرا عندما يفرض الإخلاء في إطار قانوني أو إداري محدد، وقد يتخذ أشكالا غير مباشرة عندما تؤدي التحولات العمرانية والاقتصادية إلى إضعاف قدرة السكان على البقاء. وفي الحالتين، تظل الأسئلة الاجتماعية متصلة بشروط الاستقرار، وإمكانات التعويض، والحفاظ على مصادر الرزق، والحق في الاستفادة من المجال الحضري.
ومن هنا تظهر المفارقة: قد تنجح المدينة في تجديد بنياتها وجذب الاستثمارات، لكنها تصبح أقل قابلية لاحتضان الفئات التي لا تستطيع مجاراة ارتفاع كلفة العيش فيها. وقد تتحول التنمية، إذا غابت الضمانات، إلى عملية تفصل بين من يملكون القدرة على الاستفادة من التحولات، ومن يجدون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة المجالات التي شكلت أساس حياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
لوعة المتضررين واللايقين الاجتماعي: حين يصبح المستقبل موضع خوف
خلف الملفات العقارية والإجراءات الإدارية توجد تجارب إنسانية لا يمكن اختزالها في لغة المساطر والتعويضات. فهناك من بنى منزله تدريجيا عبر سنوات طويلة، ومن ورث عقارا عن أسرته، ومن جعل من محله التجاري مورد رزقه الوحيد، ومن ارتبطت ذاكرته بمكان عاش فيه مراحل حياته المختلفة. وعندما يصبح هذا المجال مهددا أو يفقده صاحبه، فإن الخسارة قد تتجاوز الممتلكات لتطال الشعور بالأمان والكرامة والقدرة على التحكم في المستقبل.
وقد تظهر هذه المعاناة في الحيرة أمام الإجراءات، والخوف من الانتقال إلى مكان غير مألوف، والقلق بشأن القدرة على شراء مسكن بديل، أو الحفاظ على النشاط الاقتصادي، أو تأمين احتياجات الأسرة. وقد تتخذ صورة غضب أو احتجاج أو لجوء إلى القضاء، أو استنجاد بالفاعلين السياسيين والمدنيين، أو توكل على الله عندما يشعر الفرد بأن السبل المتاحة أمامه محدودة.
ولا ينبغي اختزال هذه التجارب في الاستسلام أو العجز؛ فهي قد تجمع بين الألم والمقاومة، وبين الإحساس بالظلم والبحث عن الإنصاف. وقد يلجأ بعض المتضررين إلى المرجعية الدينية باعتبارها موردا رمزيا يساعدهم على تدبير المحنة واستعادة قدر من التماسك النفسي، دون أن يعني ذلك تخليهم عن المطالبة بحقوقهم أو عن البحث عن وسائل قانونية ومؤسساتية للدفاع عنها.
وهنا تبرز أهمية مفهوم اللايقين الاجتماعي، الذي يحيل إلى حالة يصبح فيها التخطيط للمستقبل صعبا بسبب غموض المصير المادي والمعيشي. فالقلق لا يرتبط فقط باحتمال فقدان العقار، بل أيضا بعدم معرفة ما إذا كان التعويض كافيا، وأين سيستقر الفرد بعد الإخلاء، وكيف سيعيد بناء حياته، وما إذا كانت حقوقه ستظل قابلة للدفاع عنها خلال المراحل اللاحقة.
وحين تتكرر هذه التجارب، فإن آثارها قد تتجاوز الأفراد المعنيين إلى محيطهم الاجتماعي، فتضعف الثقة في قدرة المؤسسات على حماية الحقوق، ويتعزز الشعور بأن الاستقرار قابل للاهتزاز بفعل قرارات لا يستطيع المواطن توقعها أو التأثير فيها. وهنا تصبح القضية أوسع من نزاع عقاري، لأنها تمس الأمان الاجتماعي ومعنى الانتماء إلى مدينة يفترض أن يكون سكانها شركاء في مستقبلها.
إن الخسارة التي قد تنتج عن نزع الملكية أو الإخلاء المرتبط بالمشاريع العمرانية لا تختزل في قيمة العقار، لأن ما يفقده المتضرر قد يشمل مصدر الرزق، وشبكات التضامن، والاعتبار الاجتماعي، والقدرة على التخطيط للمستقبل. ولذلك، فإن العدالة لا تقتصر على استكمال الإجراءات المالية والقانونية، بل تتطلب فحص الآثار الفعلية للتغيير، والتأكد من أن التحول العمراني لا يحوّل بعض المواطنين إلى خاسرين دائمين في مدينة يفترض أن تكون فضاء مشتركا للعيش والاستفادة والاعتراف المتبادل.
اترك تعليقاً