الشباب الأوروبي ينتفض: حين تفقد الديمقراطية ثقة أجيالها الجديدة

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول الأوروبية، ومنها فرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا، مجرد تحركات مطلبية مرتبطة بالتعليم والسكن والأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، بل باتت تعكس أزمة أعمق في علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والمؤسسات. إنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الديمقراطية على الوفاء بوعودها الاجتماعية، وضمان مستقبل لا يصبح فيه الاستقرار امتيازاً، ولا يتحول فيه الطموح إلى عبء على أصحابه.
تكشف هذه الاحتجاجات عن اتساع الفجوة بين الجهد الفردي والفرص المتاحة. فبالنسبة إلى فئات من الشباب، لم يعد التعليم والعمل كافيين لضمان الاستقلال الاقتصادي أو الحصول على سكن أو بناء حياة مستقرة. وحين يعجز الاجتهاد عن تحقيق الحد الأدنى من التطلعات، تتراجع الثقة في مسارات الارتقاء الاجتماعي، ويغدو المستقبل مصدر قلق بدل أن يكون أفقاً للأمل.
ولا تنفصل هذه الأزمة عن مسألة العدالة في توزيع الثروة والفرص والأعباء. فالشباب لا يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة فحسب، بل يتساءلون أيضاً عن مدى إنصافهم في الحصول على العمل والسكن والحماية الاجتماعية، وعن نصيبهم من تبعات الأزمات الاقتصادية. ولا يتعلق الأمر بوضع الأجيال في مواجهة بعضها بعضاً، بل بقدرة السياسات العمومية على الحد من التفاوتات ومنع تحولها إلى شعور بالتهميش والإقصاء.
وتزداد خطورة الوضع حين يرى المواطنون في هذه الصعوبات دليلاً على اختلال قواعد الإنصاف وعجز المؤسسات عن الاستجابة لانتظاراتهم. فالديمقراطية لا تستمد مشروعيتها من الانتخابات وحدها، بل أيضاً من ثقة المواطنين في عدالة القانون، وتكافؤ الفرص، وقدرة أصواتهم على التأثير في القرار العام. وحين يشعرون بأن الامتيازات محمية، بينما يتحملون هم كلفة الأزمات، تتراجع الثقة في المؤسسات وتتسع المسافة بينها وبين المجتمع.
غير أن الاحتجاج على السياسات العمومية لا يعني بالضرورة رفض الديمقراطية؛ فقد يكون مطالبة بتجسيد مبادئها في الواقع. لكن استمرار الفجوة بين الوعود والنتائج قد يدفع بعض الفئات إلى العزوف عن المشاركة السياسية، ويدفع أخرى إلى البحث عن بدائل جذرية، بما فيها تلك التي تستثمر الإحباط بخطاب سلطوي أو إقصائي.
وتكشف التحولات الراهنة عن تغير في أشكال المشاركة السياسية، إذ أصبحت المنصات الرقمية فضاءات للتعبير والتعبئة وتبادل التجارب، من دون أن تضمن بالضرورة تحويل المطالب إلى قرارات ملموسة. فالمشكلة ليست في غياب اهتمام الشباب بالشأن العام، بل في ضعف الصلة بين مطالبهم والمؤسسات السياسية، وعجز قنوات التمثيل التقليدية، في حالات كثيرة، عن استيعاب تطلعاتهم.
ويظل مسار الاحتجاج مفتوحاً على احتمالات متعددة؛ فقد يتحول إلى قوة تدفع نحو الإصلاح والعدالة والتضامن، كما قد تستغله قوى تؤجج العداء للمؤسسات أو تحمّل فئات اجتماعية بعينها مسؤولية الأزمات. ويتوقف ذلك إلى حد كبير على طبيعة القوى التي تؤطر الغضب، وعلى مدى استعداد المؤسسات للاستماع إلى المطالب والاستجابة لها.
وفي هذا السياق، تكتسب خلاصات تقرير CIVICUS لسنة 2026 حول حالة المجتمع المدني في العالم أهمية خاصة، لما تثيره من أسئلة بشأن حرية التنظيم والتعبير والمشاركة العامة. فالمجتمع المدني قادر على التقريب بين المواطنين والمؤسسات، وتحويل المطالب المتفرقة إلى نقاش عمومي منظم ومقترحات عملية، شريطة أن تتوافر له الحرية اللازمة لأداء دوره، وأن تنظر المؤسسات إلى النقد والمطالب الاجتماعية باعتبارهما مدخلاً لتصحيح السياسات، لا تهديداً ينبغي احتواؤه.
لذلك، لا يكفي التعامل مع الاحتجاجات من منظور أمني أو اختزالها في اضطرابات عابرة. فحفظ النظام العام مسؤولية مشروعة، لكنه لا يعالج الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى الشارع. والاستقرار المستدام يقتضي سياسات أكثر إنصافاً في مجالات التشغيل والسكن والتعليم والخدمات العمومية، فضلاً عن إتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة في تحديد الأولويات ومساءلة المسؤولين عن تنفيذها.
ولا يقتصر هذا التحدي على أوروبا، بل يطال الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم. فصناديق الاقتراع تظل ركيزة أساسية للشرعية، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض ضعف التمثيل أو غياب العدالة الاجتماعية أو انسداد آفاق الارتقاء الاجتماعي. وحين يعجز المواطن عن رؤية أثر مشاركته في حياته اليومية، قد تستمر المؤسسات في أداء وظائفها الشكلية، بينما تتراجع الثقة في قدرتها على إحداث التغيير.
إن الخطر لا يكمن في أن يرفع الشباب أصواتهم، بل في أن ينتهي بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن أصواتهم لا تُسمع، وأن المؤسسات عاجزة عن الاستجابة لتطلعاتهم. عندها قد تتحول أزمة الثقة إلى أزمة شرعية، وتتسع مساحة الخطابات التي تعد بحلول جذرية على حساب التعددية والحقوق.
إن مستقبل الديمقراطية يتوقف على قدرتها على وصل الحرية بالكرامة، والتمثيل السياسي بالعدالة الاجتماعية، والمشاركة بالمحاسبة. فالديمقراطية ليست مجرد حق في الاختيار، بل قدرة فعلية على التأثير في القرار العام والمساهمة في بناء مستقبل ممكن. وحين تفتح المؤسسات أمام الأجيال الجديدة سبل المشاركة والإنصاف، يصبح الاحتجاج فرصة للإصلاح والتجديد؛ أما حين تتجاهل مطالبها، فإنها تخاطر بفقدان ثقتها، تاركة المجال لقوى قد تستثمر غضبها في اتجاهات لا تخدم تطلعاتها. وبين الاستجابة والإقصاء يتحدد جانب أساسي من مستقبل الديمقراطية في العالم.
اترك تعليقاً