الاقتصاد غير المهيكل

لا يمكن أن تمر مناسبة انتخابية دون أن نرى ونسمع ذات الوعود كتلك التي سبقتها، نفس الخطاب الانتخابي من سنة 2021 إلى 2026، برامج انتخابية تعتمد على النسْخ واللَّصْق، من الرفع من القدرة الشرائية، إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومحاربة الغلاء، دعم الطبقات الفقيرة والمتوسطة، تحسين ظروف الأجراء والمتقاعدين…ومحاربة الفساد..!؟، بل سمعنا من تقدَّم بوعد سُريالي للمواطنين برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم.. وكأن المدة الزمنية ( خمس سنوات ) التي قضاها هؤلاء ماسكين بدفة القرار داخل الحكومة لم تكن كافية لتنزيلها على أرض الواقع، فهم من يتحمل المسؤولية كاملة في تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك بانتهاج سياسات تكريس الريع والإثراء الفاحش واستغلال المال العمومي، والسكوت عن الانحرافات التدبيرية، وتسهيل تناسل المُحْتكرين و مُسْتغلي الأزمات(الفراقشية)…اللهم إلا إذا كان هذا من قبيل الضحك على الذقون..؟ فلو استطاع كل حزب فاز وحجز موقعه في الحكومة أن يحقق خلال ولايته، ولو 10٪ مما سطَّره في برنامجه الانتخابي لاعتبرناه انجازا كبيرا .!؟ ولكن أين هي الإرادة..؟
في خضم هذا التراشق وتقاذف المسؤوليات وإطلاق الكلام على عواهنه…،جاء أحد الصحافيين مشكورا ولخص كل هذه الوعود في سؤال واحد: من يستطيع استعادة 50 مليار درهم كل سنة إلى خزينة الدولة؟ إنه سؤال ذو وجاهة..يضع كل ذي مسؤولية أمام تحدي حقيقي….، فحسب مؤشر مدركات الفساد( سنة 2023 ) يحُلُّ المغرب في المرتبة 97 عالمياً من بين 180 دولة بنحو 38 نقطة من أصل 100، مما يعكس حالة من الركود والتراجع مقارنة بالسنوات السابقة و تُشير تقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن الفساد يكلف الاقتصاد المغربي مبالغ ضخمة تتجاوز 50 مليار درهم سنوياً.
وتجلِّيات الفساد كثيرة : الرشوة، واستغلال النفوذ، وتبديد المال العام، الابتزاز وتضارب المصالح و التلاعب بالصفقات العمومية.. فأكثر القطاعات المتضررة هي الصحة الأمن والسلطة المحلية التعمير و العدل….ويشكل الاقتصاد غير المهيكل (غير المنظم) أهم مظاهر الفساد وتحدِّي حقيقي أمام السياسات العمومية المغربية و إعاقة كبيرة للتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. بل هناك ارتباط وثيق بين الفساد و الاقتصاد غير المهيكل، بحرمان الميزانية العامة من إيرادات ضريبية ضخمة ( تفوق 40 مليار درهم سنوياً)، هذا الضياع يؤثر بشكل كبير على تمويل برامج الصحة، التعليم والرعاية الاجتماعية…ويمكن رصد هذا الارتباط على عدة مستويات: المنفعة المتبادلة: يُساهم انتشار القطاع غير المهيكل في توفير بيئة خصبة لنمو أشكال الفساد (كالرشوة والتهرب..)، بينما يؤدي الفساد وغياب الحكامة إلى إضعاف المؤسسات وتشجيع الأنشطة العشوائية للهروب من القيود. المنافسة غير الشريفة: يُعد الفساد والقطاع غير المهيكل من أبرز المُعيقات أمام تطور المقاولات المنظمة والمهيكلة بسبب انعدام تكافؤ الفرص. ضياع المداخيل: يُحْرم هذا القطاع خزينة الدولة من موارد ضريبية هامة كانت ستُموِّل مشاريع التنمية والبنية التحتية، مما يُكرِّس الفوارق الاجتماعية. الهشاشة الاجتماعية: يشتغل نسبة كبيرة من القوة العاملة في هذا القطاع دون حماية اجتماعية أو قانونية، مما يختبر نجاعة أوراش الإصلاح الكبرى. وحسب تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات( 2026): يمثل الاقتصاد غير المهيكل حوالي 30% إلى 35% من الناتج الداخلي الإجمالي(P.I.B )، ويسْتوعبُ نسبة واسعة من السكان النشيطين ( 60% إلى80% )، ويضم ملايين العمال في وحدات إنتاجية غير مرخصة و تغْلُب عليه الصفة الفردية والمعيشية البسيطة (أكثر من 85% من الوحدات بدون أجراء)، حيث ينشط الكثيرون في التجارة، البناء، والخدمات المصغرة. وتعود أسباب توسع هذا النشاط إلى عدة عوامل أبرزها: الضغط الجبائي، حيث ارتفاع الضرائب وتكاليف التصريح القانوني يدفع العديد من الأنشطة الصغيرة للعزوف عن الاندماج ثم تعقيد المساطر حيث صعوبة الإجراءات الإدارية وبيروقراطية التسجيل بالنسبة للمقاولات الناشئة. ويعتبر صمام أمان اجتماعي بحيث يلْعب دوراً في امتصاص البطالة وتوفير الحد الأدنى من الدخل لشرائح واسعة تفقد فرص الشغل في القطاع المنظم.
فالاقتصاد الهامشي مثلا الذي هو جزء من ها النشاط ( تجارة السلع والمواد المستعملة..)، لم تعد مجرد نشاط يلجأ إليه ذوو الدخول المحدودة تحت ضغط تراجع القدرة الشرائية و يُنشِّطة أشخاص فقدوا الأمل في الحصول على منصب شغل قار، بل تحولت هذه التجارة إلى قطاع أكثر دينامية في الاقتصاد العالمي المعاصر، الذي يشهد في ظل التراكمات البيئية والجيوسياسية، إعادة هيكلة شاملة لأنماط الاستهلاك والسلاسل الإنتاجية، إذ تحاول القوى الكبرى في العالم لتغييرصورتها النمطية القديمة، لتصبح ركيزة أساسية في ما بات يعرف بـ (الاقتصاد الدائري)، وسوقاً واعدة تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات.(. جريدة الصباح 30 شتنبر 2026). لكن في أسواقنا الوطنية، تعيش تجارة المواد المستعملة حالة من الانقسام، فمن جهة، تشهد هذه الأسواق إقبالاً غير مسبوق يشمل السيارات والأجهزة الإلكترونية والمنزلية والملابس… بفعل ضغوط التضخم على ميزانية الأسر، ومن جهة أخرى لا يزال هذا القطاع يعاني أزمة العشوائية والفوضى وغياب التأطير القانوني ومقاييس الجودة التي تحمي المستهلك والتاجر على حد سواء. إن الاستمرار في التعامل مع هذا القطاع باعتباره نشاطاً هامشياً، يمثل هدراً لفرص اقتصادية مهمة، إذ أن السلع المستعملة ليست مجرد نفايات يعاد تدويرها، بل تعتبر رأسمالاً مادياً غير مُسْتغل بالشكل المطلوب، رغم أنه قادر على توفير فرص شغل جديدة وتقليص التبعية للاستيراد وتخفيف الضغط عن العملة الصعبة.
إن النظر في التجارب الدولية يوضح كيف يمكن للسياسات الحكومية الذكية أن تحول هذا القطاع إلى محرك نمو، فقد نجح الاتحاد الأوروبي في تحويل تجارة المواد المستعملة إلى قطاع مهيكل، عبر اعتماد تشريعات منظمة لإعادة التدوير والترميم ودعم منصات البيع الرقمية الموْثُوقة ، مما ساهم في تحويل إعادة البيع إلى خيار منظم ومستدام يشارك فيه حتى مُصنِّعو السلع الأصليون، وفي دول مثل الصين واليابان، تم نقل التجارة إلى حد إعادة الدمج ودفعها إلى تأسيس صناعات إعادة التجميع والتحديث، خاصة في مجال الأجهزة الإلكترونية والمعدات الصناعية، ما سيمنح قيماً مضافة عالية وسلاسل توريد موازية.
إن تجارة السلع المستعملة لم تعد خياراً اضطرارياً لمواجهة الغلاء والحفاظ على القدرة الشرائية فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وبيئية فرضها التحول العالمي نحو نمو أكثر توازناً واستدامة. لكن تحويل هذا القطاع من الاقتصاد الهامشي إلى الاقتصاد المتعدد يتطلب رؤية شجاعة تعيد ترتيب الأولويات وتجعل من إعادة الاستخدام حجر زاوية في استراتيجية التنمية الاقتصادية المقبلة و إعادة التفكير في كيفية إدماج هذه الأنشطة ضمن السياسات العمومية للتشغيل والاقتصاد المهيكل، إذ بدلاً من النظر إليها باعتبارها قطاعاً هامشياً، يتعيَّنُ تأطيرها وتنظيمها للتحول إلى مشتل حقيقي للمقاولات الصغيرة جداً ولفرص الشغل، ويمكن ذلك بالانطلاق من توصيات المؤسسات الرسمية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الداعية إلى تبسيط المساطر الضريبية، تقديم حوافز مرحلية للإدماج، وتعزيز الرَّقْمنة لتقليل تكاليف الامتثال والانتقال نحو القطاع المنظم، ولا يتطلب هذا سوى الإرادة والفعالية الإجرائية.
والمناسبة شرط كما يقال، فقد حدث أن كان ذات يوم وزيرا للمالية (1974-1977) هو السيد عبد القادر بنسليمان يطلب فتوى شرعية في قضية سياسية من العلامة الحسن الزهراوي المراكشي القاضي بالمجلس الأعلى والعضو بالمجمع الإسلامي سنة 1976، وتتعلق باختلاس أموال في فترات متباينة تقدر بأربعة ملايين من الدراهم(يتعلق الأمر بقباضة )، وجاءت رسالة الوزير على الشكل التالي:
“إلى جناب الأستاذ الفاضل العلامة السيد حسن الزهراوي بمراكش، أطلب فتوى عن القضية التالية: “رجل كان مسؤولا عن تسيير مؤسسة مالية، فاختلس في فترات متعددة أموالا تقدر بعدة ملايين من الدراهم، وعندما افتضح أمره، اتضح أنه كان يستثمر الأموال المختلسة في اسم زوجته التي لم تكن تملك شيئا عندما تزوج بها.. ، فاشترى باسمها أملاكا كبيرة يوافق تاريخ شرائها تاريخ الاختلاس المتكرر، وقد حال بين القضاء واستخلاص تلك الأموال المختلسة مبدأ استقلال مال كل من الزوجين عن الآخر. فما هو رأيكم ورأي الفقه الإسلامي في هذه النازلة..؟”.
وكان جواب العلامة الزهراوي للوزير كالتالي: “الواجب يقضي أن يحرم مما كان يبتغيه من عمله، فتباع الأملاك، وتستخلص أموال الأمة، إذ لم تبق المسألة هنا، مسألة استقلال مالية الزوجين، بل دخلت في باب الخيانة من هذا المتهم أو منه ومن زوجته إن وافقته على ذلك”. وأضاف: “يجب أن يطبق عليه القانون الترهيبي بقسميه الأدبي والقانوني، أما الأدبي فإنه قد طبق عليه وسجن حسب ما ورد في السؤال. وما بقي الآن سوى أن يطبق عليه المؤبد المدني، وذلك بأن يحرم هو ومن شاركه من ثمرة عمله المخالف للقانون ليرتدع هو وأمثاله، وإلا انفتح على الأمة باب من الخيانة والتحايل يعسر سده”. وقد ختم العلامة الزهراوي فتواه، بالتعبير عن أمله في “أن يحيي المشرع المغربي سنة النبي (ص)، وسنة خليفته الثاني عمر بن الخطاب، ويصدر قانون الكسب غير المشروع، وما يتفرع عليه من تشريعات ليُريح الأمة مِمَّن لا ضمير لهم يردعهم”.
وهذا عين العقل، فماذا تستفيد حزينة الدولة من حبس المختلس إن لم تعمل على مصادرة الأموال المنهوبة..!؟
هذه الواقعة التي تعود إلى نصف قرن، تؤكد بالملموس أنه شتَّان بين من يُقدِّر مسؤولية منصبه للحفاظ على المال العام ومصلحة الوطن، ومن يستغل نفوذه وتضارب المصالح لتكْريس الفساد ولنا خير مثال على ذلك من إقدام الحكومة المنتهية ولايتها على سحب مشروع قانون 10.16 ( نوفمبر 2021) المتعلق بالقانون الجنائي من مجلس النواب، والذي كان يتضمن مواد تجرّم “الإثراء غير المشروع”. بحجة مراجعته وتجويده..وخوفا من المسِّ بقرينة البراءة هكذا..!؟ ” وذلك رغم ردود الفعل والانتقادات من قبل الفعاليات الحقوقية والمجتمع المدني.. معتبرة ذلك تراجعاً عن التزامات مكافحة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة ولكن كما يقول المثل ” واللِّي فيه الفزْ كَيقْفزْ “، وهل غاب عنهم أن هناك أيضا قرينة الشُّبْهة وأن المتهم، في نظر القانون بريء، حتى تُثْبت إدانته (وذلك بعد استيفاء جميع مراحل وشروط المحاكمة العادلة )..فأين هي لجان تقصي الحقائق وتقاريرها و لجان المراقبة (القبْلية والبعْدية) والافتِحاص والتدْقيف والمُفتشِيات القِطاعية أليست كلها آليات بمثابة صمَّام أمان ضد الفساد ..!؟.و كما يقول المغاربة: (مدِّيرشْ متخافشْ). فالحكومة مُلزمة بإبداع الحلول والنَّجاعة في تنزيلها لتخفيف العبء على المواطن فهي تمْتلك من الإمكانات اللازمة لذلك، وليس الاختباء وراء الاكراهات والظروف الدولية..!
فالغاية من سنِّ القوانين هو الحفاظ على الاستقرار داخل المجتمعات وتكون العقوبة في حجْم الجُرم المرتكب كالقتل والاتجار في المخدرات .. وبعض الدول(مثل الصين) يتضمن قانونها الجنائي عقوبة الإعدام في حق المُرْتشي، رميا بالرصاص وتجعل نفقتها (أي الرصاصة)على حسابه ، لما يُشكِّل هذا السلوك المنحرف من نتائج كارثية على اقتصادها وعرقلة لنموها..وإذا كان المال هو العجلة المحركة للاقتصاد والوسيلة الأساسية لتأمين حياة كريمة ومستقرة، فحسن إدارته هو الذي يحدد ويضمن مستوى الرفاهية والأمان.. ولكن تعاطي السلطات العمومية مع القطاع غير المهيكل يُطيل عُمر الفساد وتغَوُّله في ظل المزْج بين المسؤولية السياسية والاستثمارات الشخصية والعائلية والعلاقات المتشابكة من المصالح، الشيء الذي يؤدي لا محالة إلى مخاطر كبيرة واختلالات في السياسة والاقتصاد والأخلاق، ويسْتمرُّ الحديث عن السَّير بسٌرعتين بل عن مغرب مُتوقِّف وآخر يسير، حتى تَتوفَّر إرادة سياسية حقيقية لتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على أرض الواقع ورفع هذا التحدي.
اترك تعليقاً