منتدى العمق

خريبكة.. نحو تنمية ترابية مستدامة

خريبكة.. نحو تنمية ترابية مستدامة

تقتضي التنمية الترابية بمدينة خريبكة اعتماد مقاربة مندمجة تجعل تحسين جودة الحياة، وتجويد الخدمات العمومية، وتنظيم المجال الحضري، وتنمية الرأسمال البشري، في صلب أولويات الفاعلين الترابيين والمؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني. فمن منظور الجغرافية البشرية، لا يقاس تقدم المدن باتساع عمرانها فحسب، بل بقدرتها على الاستجابة لحاجيات سكانها وتحقيق العدالة المجالية وتعزيز جاذبيتها.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية العناية بالحدائق والمساحات الخضراء القائمة، وتوسيعها لتوفير متنفسات بيئية وترفيهية للساكنة، مع ضمان صيانتها وحراستها ونظافتها. كما يتعين تحسين ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية والإدارية، وإحداث مواقف كافية للسيارات، وتنظيم الأنشطة التجارية غير المهيكلة من خلال توفير فضاءات ملائمة للباعة المتجولين، بما يضمن كرامتهم المهنية ويحافظ على انسيابية السير والجولان وجمالية المجال الحضري.

ومن جهة أخرى، يستدعي الارتقاء بجودة الحياة تكثيف مراقبة المطاعم والمقاهي والمتاجر لحماية المستهلك وضمان جودة المنتجات واحترام الأسعار والقوانين الجاري بها العمل. كما تظل الحكامة الأمنية، ونشر ثقافة احترام القانون والغير، وتعزيز التربية على السلامة الطرقية، من المقومات الأساسية لبناء مدينة آمنة ومنظمة.

أما تنمية الرأسمال البشري، فتتطلب تحسين الممارسات التربوية، ولا سيما تبسيط شرح المواد العلمية بالتعليم الإعدادي والثانوي ومراعاة الصعوبات اللغوية التي قد تواجه المتعلمين. ويستحسن كذلك تشجيع الجمعيات على تنظيم حصص للدعم التربوي بأثمنة رمزية، وتوفير مكتبة متخصصة لفائدة طلبة الإجازة والماستر والدكتوراه، إلى جانب تطوير المكتبات العمومية ودعم المبادرات الثقافية والعلمية. ويمكن للأحزاب السياسية وشبيباتها أن تسهم في هذا المسار من خلال تنظيم ندوات وورشات للتثقيف والتأطير، فيما تضطلع الجمعيات بأدوار تنموية عبر حملات التشجير والقوافل الطبية والأنشطة التوعوية داخل الأحياء الشعبية.

ولا تقل الأسرة أهمية عن المؤسسات في بناء مستقبل المدينة؛ إذ إن الاهتمام بصحة الأبناء وتعليمهم وتربيتهم ومواكبتهم نفسياً ودراسياً يمثل استثماراً في مستقبل المجتمع. ويستدعي ذلك ترشيد استعمال الإنترنت والأجهزة الرقمية، خصوصاً لدى المراهقين والشباب، من خلال وضع ضوابط متوازنة للاستخدام، وتشجيع القراءة والرياضة والتواصل الأسري والأنشطة الاجتماعية. فالمطلوب ليس بالضرورة الانقطاع التام عن الإنترنت، وإنما التحرر من الاستخدام القهري له واستعادة التوازن بين الحياة الرقمية والواقع الاجتماعي.

وخلاصة القول، إن النهوض بمدينة خريبكة مسؤولية مشتركة تستوجب التنسيق بين الجماعة الترابية والسلطات المحلية والمصالح الخارجية والفاعلين الاقتصاديين والجمعيات والأسر والمواطنين. ويتطلب تحقيق ذلك تحديد الأولويات، ورصد الموارد، ووضع برامج قابلة للتنفيذ والتقييم، مع إشراك الساكنة في اقتراح الحلول وتتبع نتائجها. فالتنمية الحضرية الحقيقية ليست مجرد مشاريع متفرقة، بل مسار مستدام يروم بناء مجال حضري أكثر تنظيماً وإنصافاً وجاذبية، ويوفر لسكان خريبكة شروط العيش الكريم وفرص الارتقاء الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *