وجهة نظر

تجار المبادئ وسوق المصالح

يحيى التوزاني

ما أقبح أن يعيش الإنسان بلا مبدأ، بلا وفاء، بلا ضمير يردعه حين تغريه المصالح، وبلا قلب يخجل حين تمتد يده إلى من كان بالأمس يتظاهر بمحبتهم!

هناك نوع من الناس لا تعرف لهم وجهة ثابتة، ولا موقفًا يستند إلى قناعة، ولا كلمة يمكن الاطمئنان إليها. يميلون حيث تميل مصالحهم، ويغيّرون مواقفهم بتغيّر المكاسب، ويرتدون من الأقنعة ما يناسب كل مرحلة، حتى ليخيّل إليك أنك أمام أشخاص مختلفين، لا أمام إنسان واحد يحمل في داخله ألف وجه.

هؤلاء لا تحكمهم المبادئ، بل تحكمهم الحسابات. لا يسألون أنفسهم: أين الحق؟ بل يسألون: أين المنفعة؟ ولا يشغلهم إن كانوا أوفياء أم خائنين، صادقين أم كاذبين، بقدر ما يشغلهم ما الذي سيكسبونه من هذا الموقف، ومن هذا الشخص، ومن تلك العلاقة.

والأشد قبحًا أن بعضهم مستعد لبيع أقرب الناس إليه، والتضحية بأعزّ العلاقات في سبيل مصلحة عابرة، أو منفعة تافهة، أو باب من أبواب الاسترزاق. ينهش في أعراض من تقاسم معهم الخبز والذكريات، ويطعن في ظهور من فتحوا له قلوبهم، ثم إذا جمعته بهم المجالس، ارتسمت على وجهه ابتسامة المودة، وانطلقت من لسانه عبارات المحبة والوفاء، وكأن شيئًا لم يكن!

أيُّ نفاق هذا الذي يجعل الإنسان يسيء إلى من يدّعي حبهم، ويهدم بلسانه ما بناه معهم من سنوات، ثم ينتظر منهم أن يصدقوا دموعه ويطمئنوا إلى ابتسامته؟

إنه ليس مجرد تناقض في السلوك، بل انهيار في معنى الأخلاق ذاتها؛ حين تصبح المحبة وسيلة، والقرابة ورقة ضغط، والصداقة بابًا للمصلحة، والسر الذي اؤتمن عليه الإنسان سلاحًا يشهره متى احتاج إلى إرضاء سيد جديد أو كسب منفعة جديدة.

إن أخطر الناس ليسوا أولئك الذين يعلنون عداوتهم، بل الذين يمنحونك شعور الأمان وهم يفتشون في نقاط ضعفك، ويظهرون لك الودّ وهم يحفظون زلّاتك، ويجلسون إلى جوارك بينما ينسجون من وراء ظهرك حكايات لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة.

فالعدو الصريح يمنحك فرصة الحذر، أما المنافق فيستثمر ثقتك ليجعل طعنتَه أكثر إيلامًا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين صاحب المبدأ الذي يغيّر رأيه حين تتغير قناعته، وبين الانتهازي الذي يغيّر موقفه كلما تغيّرت مصلحته. فالأول قد يكون شجاعًا في مراجعة نفسه، أما الثاني فلا يراجع إلا حساباته، ولا يؤنبه ضميره إلا حين تفوته صفقة.

وليس العيب أن يحتاج الإنسان إلى الناس، أو أن يسعى في مصالحه، فالناس تتعاون، والمصالح جزء من الحياة؛ وإنما العيب أن يجعل من حاجته مبررًا للخيانة، ومن فقره الأخلاقي حيلة للاستمرار، ومن محبته المزعومة غطاءً لافتراس من أحبوه بصدق.

إن الأيام وحدها كفيلة بكشف الوجوه. فقد تنطلي الحيل على الناس زمنًا، وقد ينجح صاحب الأقنعة في شراء المواقف وتزييف الحقائق، لكن المواقف الصعبة تفضح المعادن، وعند تعارض الوفاء مع المنفعة يظهر الفرق بين من له مبدأ ومن له ثمن.

لا تأسف كثيرًا على من باعك؛ تأسّف على الوقت الذي منحتَه فيه مكانة لا يستحقها، وعلى الثقة التي وضعتها في قلب لم يكن يرى فيك إلا فرصة مؤجلة.

ولا تجعل خيانة بعض الناس سببًا لتفقد إيمانك بالناس جميعًا؛ فكما يوجد من يبيع أقرب الناس إليه من أجل مصلحة، يوجد من يصون العهد ولو خسر، ويحفظ الغيبة ولو غضب، ويظل وفيًّا ولو لم يعد للوفاء أي مردود.

أما أولئك الذين يتقنون فنّ المحبة أمامك وفنّ الطعن في غيابك، فدعهم لأخلاقهم، ولا تدخل معهم في سباق الأقنعة. يكفيك أن تعرف حقيقتهم، وأن تمنح كل إنسان حجمه الحقيقي، وأن تدرك أن ليس كل من اقترب منك أحبك، وليس كل من أكثر الحديث عن الوفاء يعرف معناه.

يا له من عالم غريب؛ تُرفع فيه شعارات المحبة على الألسنة، بينما تُدفن معانيها في القلوب، ويُباع فيه الوفاء في سوق المصالح، ويصبح بعض الناس مستعدين لذبح أقرب العلاقات قربانًا لمكسب عابر!

لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الإنسان قد يربح مصلحة بخيانة، وقد يشتري مكانة بالنفاق، وقد يحقق مكسبًا بالطعن في الآخرين؛ لكنه حين يفقد احترامه لنفسه، ويصبح كلامه موضع شكّ، ووعوده بلا قيمة، وثقة الناس فيه حطامًا، يكون قد خسر ما لا تعوّضه كل مكاسب الدنيا.

فما قيمة أن يحبك الناس خوفًا منك، أو يجاملونك طمعًا فيك، إذا كنت تعلم في قرارة نفسك أنك لا تستحق ثقتهم؟

المبادئ لا تُقاس بما نقوله حين تكون الحياة في صالحنا، بل بما نرفض فعله حين تصبح الخيانة أقصر الطرق إلى مصالحنا.

وهناك، بالضبط، يظهر الفرق بين إنسان له قيمة، وإنسان لا قيمة له إلا بقدر ما يستطيع أن ينتفع من الآخرين.

يا له من عالم منافق ويا له من شرف عظيم أن يبقى المرء نزيهًا في زمن صار فيه بعض الناس يساومون حتى على ضمائرهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *