سياسة

توافق مغربي-أمريكي بمجلس الأمن.. مراجعة مهام “المينورسو” وتثبت الحكم الذاتي في الصحراء

توافق مغربي-أمريكي بمجلس الأمن.. مراجعة مهام “المينورسو” وتثبت الحكم الذاتي في الصحراء

أعاد الموقف الأمريكي داخل مجلس الأمن الدولي من قضية الصحراء المغربية فتح النقاش بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، في ظل توجه واضح نحو مراجعة مهامها، بما يتجاوز الصيغة التقليدية المرتبطة بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو المسار الذي أقرت الأمم المتحدة، على امتداد ثلاثة عقود، بصعوبة تنفيذه واستحالة استكمال شروطه السياسية والعملية.

وفي هذا السياق، قدم مايك والتز، السفير والممثل الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، خلال مداخلته أمام مجلس الأمن، عرضا تاريخيا لمسار تعثر الاستفتاء، مستندا إلى مواقف وتصريحات متعاقبة للأمناء العامين السابقين للأمم المتحدة ومبعوثيهم الشخصيين، ليخلص إلى أن الإبقاء على بعثة تحمل في تسميتها مهمة لم يعد بالإمكان تنفيذها لا يخدم جهود التسوية، بل يكرس وضعا راهنا وصفه بغير المقبول.

ويعكس هذا الموقف تقاطعا لافتا مع الرؤية المغربية الداعية إلى تجاوز المقاربة التقليدية لتدبير النزاع، والانتقال إلى حل سياسي واقعي ودائم، قائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أساسا للمفاوضات، خاصة بعد القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتبر المقترح المغربي قاعدة للمفاوضات، ودعا إلى مراجعة استراتيجية مستقبل بعثة المينورسو.

ثلاثة عقود من تعثر خيار الاستفتاء

واستعرض المسؤول الأمريكي، في مداخلته، محطات أساسية من تاريخ تعثر المسار الاستفتائي، مذكرا بأن الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي لم يكن يتوقع إمكانية تنظيم الاستفتاء سنة 1996، قبل أن يعلق مجلس الأمن العملية بسبب عدم اتفاق الأطراف بشأن تحديد هوية الأشخاص الذين يحق لهم التصويت.

كما أشار إلى تحذيرات الأمين العام الأسبق كوفي عنان، الذي خلص سنة 1997 إلى أن الاستفتاء لن ينظم سنة 1999، قبل أن يؤكد سنة 2002، رفقة مبعوثه الشخصي جيمس بيكر، أن إمكانية تنظيمه أصبحت مستبعدة، مقدما لمجلس الأمن خيارات من بينها إغلاق بعثة المينورسو.

وأضاف والتز أن عنان حذر سنة 2003 من أن مجلس الأمن لن يكون قادرا، حتى في حال تنظيم الاستفتاء، على تنفيذ نتائجه، فيما اعتبر مسؤول سابق في قيادة المينورسو، بعد سنوات من الاشتغال داخل البعثة، أن مخطط الاستفتاء قد فشل وأن تنظيمه لم يعد أمرا قابلا للتحقق.

وشدد السفير الأمريكي على أن هذه الخلاصات ليست مواقف أمريكية مستجدة، وإنما وقائع سبق أن عبر عنها مسؤولون أمميون على امتداد ثلاثين سنة، متسائلا عن جدوى الإصرار على الإبقاء على كلمة الاستفتاء في اسم البعثة، في وقت لم تتمكن فيه الأمم المتحدة من توفير الشروط الضرورية لتنفيذه طوال هذه العقود.

وفي هذا الصدد، أوضح أن الولايات المتحدة تدعم مبدأ تقرير المصير، غير أن التعبير عن إرادة الشعوب لا يقتصر على آلية واحدة، بل يمكن أن يتحقق من خلال مسارات وصيغ سياسية متعددة، معتبرا أن استمرار ربط مستقبل النزاع بخيار الاستفتاء لم يعد ينسجم مع المعطيات التي أفرزها المسار الأممي.

واشنطن تدفع نحو مراجعة مستقبل المينورسو

ولم يقتصر الموقف الأمريكي على انتقاد تعثر المسار الاستفتائي، بل امتد إلى الدعوة لإحداث تحول في طريقة تدبير النزاع، من خلال مراجعة مهام بعثة المينورسو، وعدم الاستمرار في تمويل وإدامة وضع مؤسساتي لا يفضي إلى حل سياسي.

وأوضح والتز أن مشروع القرار الذي تقدمت به بلاده، وحظي بدعم 11 عضوا بمجلس الأمن، كان يرمي إلى اتخاذ خطوات وصفها بالتاريخية من أجل إنهاء نزاع مستمر منذ نحو خمسين سنة، والانتقال إلى نتائج ملموسة تضع حدا لمعاناة إنسانية متواصلة.

وفي استحضاره للكلفة الإنسانية للنزاع، توقف الدبلوماسي الأمريكي عند أوضاع اللاجئين في مخيمات تندوف، مشيرا إلى أن استمرار الجمود السياسي أدى إلى نشوء أجيال متعاقبة ولدت وترعرعت في ظروف اللجوء، دون أفق واضح لتسوية نهائية.

واستند في ذلك إلى معطيات أممية بشأن الوضع التغذوي والصحي للأطفال داخل المخيمات، مبرزا أن استمرار هذا الوضع لعقود إضافية لا يمكن اعتباره خيارا مقبولا، وأن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من تدبير الأزمة إلى البحث الجدي عن تسوية تنهي معاناة السكان.

ونقل والتز عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين توصيفها للوضع القائم بكونه غير مستدام وغير إنساني، معتبرا أن الإبقاء على الوضع الراهن لم يعد مبررا في ظل التداعيات الإنسانية والاجتماعية التي خلفها النزاع.

الحكم الذاتي في صلب المفاوضات المقبلة

وفي استعراضه للمسار الدبلوماسي الذي سبق التصويت، كشف المسؤول الأمريكي عن إجراء ثلاث جولات من المحادثات رفيعة المستوى مع الأطراف الأربعة المعنية، إلى جانب طرفين بصفة مراقبين، حيث تناولت المناقشات قضايا الحكم الذاتي والتمثيل السياسي والتسوية الدائمة والضمانات الأمنية.

كما شملت المشاورات، بحسب والتز، قضايا الانتقال وتقاسم الموارد والحماية الدستورية والضمانات الدولية، فضلا عن الترتيبات المرتبطة بمرحلة التسوية، في إشارة إلى أن النقاشات لم تعد محصورة في الصيغ التقليدية لتدبير النزاع، وإنما اتجهت إلى بحث تفاصيل الحل السياسي ومستلزماته العملية والمؤسساتية.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى أن القرار الأممي رقم 2797 وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صلب المسار التفاوضي، داعيا إلى مراجعة استراتيجية مستقبل بعثة المينورسو، بما يفتح الباب أمام إعادة تحديد طبيعة تدخلها ومهامها في المرحلة المقبلة.

نهاية الصيغة التقليدية للبعثة؟

وبخصوص مستقبل المينورسو، أكد والتز أن بلاده لا ترى جدوى في التصويت لصالح استمرار العمل بالطريقة المعتادة، أو الإبقاء على بعثة تحمل اسما يرتبط بمسار لم يعد قابلا للتنفيذ، مشددا على ضرورة الانتقال نحو صيغة جديدة تتلاءم مع متطلبات التسوية السياسية.

وفي المقابل، أشار إلى استعداد واشنطن للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة من أجل ضمان انتقال منظم ومستقر، يحمي موظفي المنظمة الأممية، ويأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الأمنية والإنسانية المشروعة، مع مواصلة التنسيق مع المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، وباقي الأطراف المعنية.

ويبرز من خلال هذا الموقف المعبر عنه طرف الممثل الدائم للولايات المتحدة بمجلس الأمن، أن واشنطن تتجه إلى إعادة النظر في الوظيفة السياسية والعملية للمينورسو، في انسجام مع التحول الذي تدفع نحوه نحو جعل الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، بدل الاستمرار في مسار استفتائي تعثر على امتداد ثلاثة عقود.

وبذلك، يرى مراقبون لملف الصحراء، أن  النقاش المطروح  لا يتعلق بمجرد تعديل تقني في ولاية البعثة الأممية، وإنما بمراجعة أوسع للمرجعيات والآليات التي حكمت تدبير النزاع منذ تأسيسها، بما يطرح مستقبل المينورسو ودورها في مرحلة ما بعد القرار 2797 على طاولة مجلس الأمن، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *