وجهة نظر

ثنائية الجفاف والفيضانات بالمغرب.. في الحاجة إلى تطويع الطبيعة واستثمار الذاكرة

إن ظاهرة الجفاف بالمغرب التي أصبحت اليوم حديث العامة والخاصة، تحملنا كباحثين إلى تأكيد بعض المسلمات وهي أن هذه الظاهرة تعد أمرا مألوفا بالمناخ المغربي وبالمناطق المتوسطية بشكل خاص. فالمناخ المتوسطي متقلب، هذا التقلب، يزيد في المناطق الجافة، فضعف التساقطات وعدم انتظامها عنصران مترابطان، ولا شك أن هذه حالة المناطق الصحراوية والساحلية” (لعوينة 1982)،  فتردد سنوات الجفاف يفوق بمرة ونصف تردد السنوات الممطرة (باحو 2002) غير أن السنوات الأخيرة (ما بين 2009 و2021) سجلت قياسات مطرية متطرفة تنبئ بدخول المغرب في مناخ جديد. من طبيعة الحالة نستثني السنة الفلاحية ( 2021 -2022).

المسلمة الثانية تتجلى في كون الكتابات التاريخية تعج بمجموعة من الأحداث تؤرخ لسنوات عانى فيها المغرب من المجاعة بفعل توالي سنوات الجفاف ق 16 و17م ، كما أرخ لذلك برنار روزنبرجي وحميد التريكي حيث تمت الإشارة الى أن القرن 16م و17م  عرف عدة سنوات جافة نذكر على سبيل الحصر سنوات 1516 -1517- 1540 – 1650- و1661م. وهذا ما يؤكده محمد الأمين البزاز في أطروحته حول تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19م ، حيث اتسمت هذه المرحلة بتوالي سنوات الجفاف وما يرافقها من مجاعات…

في هذا السياق يخبرنا “البزاز” “أن سنة 1727م كانت أشد خطورة من السنوات الثلاث السابقة، إذ أن السماء لم تمطر اطلاقا إلى حد ” أن أشجار الزيتون والكروم والتين يبست وقطعت لاستعمالها وقودا” كنتيجة حتمية لهذا الجفاف المتواصل”ويخبر القادري كما أورد البزاز في أطروحته، أن الجياع كانوا ينهبون عجين الخبز في طريقه إلى الفرن ، مما حمل الناس على وضعه في الصناديق فسمي العام (1721) بعام الصندوق.

“إن المغرب قد نكب، لسوء الحظ خلال القرن 18م و19م بمجاعات وأوبئة كثيرة كانت تتعاقب عليه بصفة دورية” (8) وهنا استسمح القارئ بالقول أن المجال المتوسطي كان ولا يزال مجال لتردد ثنائية الجفاف والفيضانات، ويكفي التذكير في هذا السياق بمحاولة يوسف عليه السلام تأويل رؤيا الملك منذ القرن 15 قبل الميلاد (منذ 37 قرنا). بناء عليه من الصعب الحديث اليوم على أن الجفاف بالمغرب اليوم يعتبر أمرا مستجدا بقدر ما يشكل أمرا مألوفا كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

يمكن القول أن الإنتاج الفلاحي بالمغرب أشد ارتباط بالتساقطات منذ زمن بعيد، ولم نستطع إلى حدود مطلع القرن 21م، تقليص هذا الارتباط من خلال توظيف التكنولوجية المتطورة ذات الصلة في الاقتصاد في الماء ولو في حالة الوفرة.

“إن بلاد المغرب كانت دائما تعيش في رهان دائم مع الطبيعية، بحيث تتقلب بين العطاء والشح، والنعيم والبؤس، وإن مقدار الطعام الذي يستطيع هؤلاء المزارعون الرعويون الحصول عليه يتوقف تماما على كمية المطر، وهي مشكلة واجهتهم طوال تاريخهم، كما أنها مازالت تواجههم إلى اليوم، فإذا جادت السماء تمكن الناس من زراعة الأرض في اطمئنان، أما إذا حدث الجفاف فمعنى ضعف المحصول وبطلانه وارتفاع الأسعار.

من زاوية أخرى فإن الفيضانات تعد كذلك سمة من سمات المناخ المتوسطي منذ زمن بعيد، “ليس الجفاف وحده خصما للمزارعين فإن هطول الأمطار الغزيرة المسترسلة على ندرته كان يشكل أيضا خطرا على المزروعات، وقطع المواصلات وارتفاع الأسعار”، لذلك فضعف الإنتاج الفلاحي يرتبط كذلك بظاهرة الفيضانات “انهالت السماء بأمطار طوفانية.

مسترسلة نحو 40 يوما، (ابتداء من 12 شتنبر 1742) ففاضت الأودية، واجتاح سيل عظيم مدينة فاس، وتهدمت بسببه دور كثير، وجرف وادي سبو أشجار الأرز العظيمة، وذهب بكثير من الدواب في الغرب (محمد الأمين البزاز ص 53)

إذا سلمنا بأن ثنائية الجفاف والفيضانات، تشكل خاصية تطبع المناخ المغربي وامتدادته المتوسطية مند قرون، فهذا لا ينكر وجود تغيرات مناخية زادت من تأزيم الوضع، فالمغرب سجل 5 سنوات جافة في ظرف 40 سنة (مابين 1940 و1979)، بينما سجل 6 سنوات جافة في أقل من 16 سنة (مابين 1980 و1996)

وبناء على الدراسات المنجزة في الموضوع ( السلوي عبد المالك 1996- الصبار عبد العالي 2013….) فإن  كمية التساقطات بمعظم المحطات الرصدية بالمغرب سجلت تراجعا مهما، باستثناء المناطق الجنوبية والساحلية الممتدة  بين  الدارالبيضاء وآسفي، التي عرفت ارتفاعا نسبيا مابين 1935 و2005.(الصبار 2013).

تقدر نسبة انخفاض التساقطات  (1935-2005) بالمناطق الجبلية ب % 20 و% 17.8 بالنسبة المناطق المغربية المتوسطية بمعدل انخفاض وطني  يقدر ب 13%، لقد سمح تطبيق مؤشر التساقطات المعياري بتسجيل عجز في التساقطات قبل سنة 1956 في الوقت الذي سجل فيه فائض في الفترة الممتدة بين 1956 و1970، ليدخل المغرب انطلاقا من سنة 1970 في مرحلة جفاف امتدت إلى حدود السنوات الأخيرة(مطلع القرن 21) وتفسر هذه التغايرية بتأثر المغرب بعاملين رئيسيين وهما الذبذبة الأطلنتية الشمالية شمالا، وتزايد حدة التصحر جنوبا، والذي يتأثر ويؤثر في نظام التساقطات المطرية وعلى تغايرية الإمتداد  الزمني والمجالي  التصحر للجفاف بالمغرب (SEBBAR A ;2013).

وقد أتبت  تحليل التطور البيسنوي للتساقطات بالمغرب  أن هناك نزعة عامة نحو الانخفاض بحوالي 1.5 ملم سنويا، إذ تراجع المعدل الوطني لكميات الأمطار من حوالي 700 ملم في بداية القرن 20 إلى أقل من 500 ملم في مطلع ق. 21. وبلغت نسبة التراجع حوالي 15.3℅. وتدل هذه النزعة نحو الانخفاض أن مناخ البلاد أصبح أكثر جفافا، مما كان عليه في بداية ق20م (باحو وآخرون2013.

تم الاستناد على اختبار “Mann-Kendall” لمعرفة اتجاه النزعة التطورية للتساقطات بالمغرب مابين 1980 و2015 (السلوي عبد المالك الفلالي عبد الحكيم 2020). وقد أتبتت نتائج دراسة  النزعة التطورية للتساقطات  بالمغرب أنها تتجه نحو الانخفاض، كما هو الشأن بالنسبة للمناطق الشرقية ، ومنطقة ورديغة….،(3- ملم في السنة) مقابل مناطق أخرى سجلت ارتفاعا كما هو الشأن بالنسبة للأقاليم الشمالية (تطوان، شفشاون، الناضور…)، ومنطقة الحوز، الشاوية، سيدي سليمان، ميدلت(8+ ملم في السنة)، بينما سجلت مناطق أخرى ارتفاعا طفيفا خاصة المناطق الجنوبية، والشريط الساحلي الممتد بين الصويرة وأسفي…. وهو ما يؤكد نتائج الدراسات التي سبق ان انجزت في الموضوع (SALOUI.A 1996, BAHOU.A 2013, SEBBAR. 2014, EL AJHAR Laila et all 2018).

والملاحظ ان معامل تغايرية التساقطات يتميز بتفاوته إذ يصل إلى %71 ببعض المناطق (حالة ميدلت)، وهو معدل مرتفع مقارنة بالمجالات الساحلية.

إن مناقشة ثنائية الجفاف والفيضانات باعتبارها خاصية تطبع  المناخ المغربي بعلاقتها مع التنمية المستدامة لتشكل سؤالا عميقا يحتاج إلى تفكير رصين وعميق، سؤال يحتاج أن ينهل من الكتابات الفلسفية في علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي ومن يتحكم في الآخر، سؤال يحتاج إلى تجربة بعض الدول خاصة المتقدمة منها، التي استطاعت تطويع الطبيعة (حالة الجفاف)، وفي هذا السياق يقول البزاز: ” تمكنت أوربا من أن تشق طريقها نحو النمو على الرغم من الكوارث، وتعلمت كيف تواجه الأوبئة (البزاز محمد الأمين ص 8)، حيث يتفق الباحثين المختصين بالمغرب أن الفلاحة تستهلك ما يقارب 84 بالمائة من الموارد المائية المتاحة، وهو ما يدعونا إلى تركيز الجهود على دعم البحث العلمي في سياسة الاقتصاد في الماء، وتكييف المنتوجات مع خصائص البيئة، وتقليص ارتباط الفلاحة بالتساقطات  في ظل هيمنة الزراعات البورية التي تتجاوز 80 بالمائة بالبلاد.

إن ما يعانيه المغرب اليوم من ندرة في الموارد المائية لا يعود بالضرورة إلى ضعف التساقطات خلال بداية السنة الفلاحية إلى اليوم، بل يرتبط بتغييبنا للذاكرة التاريخية، ومن ذلك آليات الوقاية والتكيف من قبيل العمل على اعتبار الفرشة الباطنية كاحتياطي لا يجب اللجوء إليه إلا في مثل هذه الحالات، خاصة في المناطق التي تزخر بموارد مائية سطحية، كما أن تدبير مياه السدود بالمناطق السقوية يجب أن يعمل على تدبير القلة، فماذا لو حدث أن توالت سنوات الجفاف لسنتين أو ثلاث إضافية قادمة(2022-2024)، كيف سيكون الوضع؟ كما حدث مابين  1724 و1727 م. مما يستوجب اعتبار الجفاف والفيضانات قاعدة يجب أن تبنى السياسات العمومية على أساسها.

عبد الحكيم الفلالي

أستاذ باحث بالكلية المتعددة التخصصات خريبكة

جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *