تواجه منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة بأفريقيا، التي تتخذ من الرباط مقرا لها، أزمة مالية خانقة تهدد استقرارها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها وشركائها. ووفقاً لصحيفة “جون أفريك” الفرنسية، فإن الأزمة بدأت بتجاوزات مالية تفاقمت مع انهيار الثقة بين الإدارة والموظفين بسبب تأخر الرواتب وتراكم الديون. كما ازدادت حدة الوضع مع تصاعد اتهامات الفساد، حيث يحمّل بعض الموظفين السكرتير العام، جان بيير إيلونغ مباسي، مسؤولية سوء إدارة المال العام.
ويعاني 35 موظفا من جنسيات أفريقية متنوعة من تبعات الأزمة المالية بشكل ملموس، حيث لم تُدفع رواتبهم منذ يناير 2024، وفي 19 دجنبر الماضي، قررت المنظمة الاستغناء عن نصفهم، ليتم فصلهم دون تسديد مستحقاتهم المتأخرة بشكل كامل، ودون أي تعويضات. كما أن هؤلاء الموظفين لا يستفيدون من أي تغطية اجتماعية، إذ تُقدَّر الديون المتراكمة لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) في المغرب، وفقا لمصادر الصحيفة الفرنسية، بحوالي 600 ألف يورو. من جهته، برر جان بيير إيلونغ مباسي، السكرتير العام لمنظمة CGLU إفريقيا، ذلك بقوله: “إنها إحدى نتائج الممارسات غير النظامية التي تم رصدها داخل قسم الإدارة والمالية.”
وبحلول نهاية دجنبر 2023، أعلنت المنظمة عن “عجز مفاجئ” في خزينتها، مما أثار تساؤلات واسعة حول طريقة إدارة أموالها. ودفع هذا الوضع عددا من الموظفين إلى اتهام السكرتير العام، جان بيير إيلونغ مباسي، بـ”التلاعب المالي”، معتبرين أنه يسيطر بالكامل على الموارد المالية دون إشراف أو تقاسم للمعلومات مع باقي الموظفين. في المقابل، رد إيلونغ مباسي بأن النظام الداخلي للمنظمة يمنحه صلاحية التحكم في الحسابات دون إلزامه باطلاع الموظفين على التفاصيل المالية.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أنه رغم ترقب الموظفين لانفراج الأزمة المالية مع بداية عام 2024، إلا أن الوضع ازداد سوءا، خاصة بعد تعليق الاتحاد الأوروبي والمغرب دعمهما للمنظمة، مما عمّق الشكوك حول مصداقية وعود السكرتير العام. ومع تأخر صرف الرواتب لعدة أشهر، تدهورت معنويات الموظفين بشكل كبير، وسط اتهامات بغياب أي إجراءات فعلية لحل الأزمة. وزادت المخاوف مع تداول مزاعم حول أساليب غير مهنية في إدارة الموارد المالية، مثل ربط دفع الرواتب بضرورة تقديم الموظفين معلومات عن الدائنين، وهو ما اعتبره البعض نوعا من الابتزاز.
وفي نونبر 2024، برزت بوادر أمل حين نجحت فاطمة تو عبد المالك، رئيسة المنظمة، في تأمين 1.25 مليون يورو من وزارة الداخلية المغربية، غير أن هذه الأموال، تقول “جون أفريك” حُوّلت مباشرة إلى الخزينة العامة للمملكة، تفاديا لأي تلاعب محتمل، مما بدّد آمال الموظفين في حلّ سريع للأزمة المالية. وزاد الوضع تعقيدا بعدما أُبلغوا رسميا بعدم توقع أي دعم مالي إضافي من الحكومة المغربية، ما عمّق الشعور بعدم الاستقرار داخل المنظمة.
وقالت الصحيفة إنه في غشت 2024، تم تكليف مكتب الاستشارات “LMS ORH” بوضع خطة جديدة لإعادة هيكلة المنظمة، في سابع محاولة من هذا النوع منذ 2022. غير أن هذه الخطة أثارت استياء واسعا بين الموظفين، إذ تضمنت إجراءات وصفوها بالمهينة، أبرزها إجبارهم على التقدم لوظائفهم الحالية داخل المنظمة، ما اعتبروه إهانة لكرامتهم. وقد زاد هذا القرار من حالة الغضب والتوتر في صفوفهم، حيث رأوا فيه مجرد خطوة شكلية تفتقر إلى الجدية، ولا تقدم حلولًا حقيقية للأزمة المتفاقمة.
وفي اجتماع لجنة التنفيذ بطنجة في دجنبر 2024، تلقى الموظفون صدمة كبيرة عندما أُبلغوا بأن نصفهم سيتم فصلهم دون أي تعويضات أو إشعار مسبق. لكن المفاجأة الأكبر جاءت في يناير 2025، عندما اكتشفوا عبر البريد الإلكتروني أن عقودهم قد انتهت فعليًا منذ سبتمبر 2024، وأن المستحقات الموعودة لا تغطي سوى جزء ضئيل مما يطالبون به. والأسوأ من ذلك، أن صرف تلك المبالغ كان مشروطًا بتوقيع “محضر تسوية” أمام مفتش العمل، وهو ما رفضه الموظفون بشدة، معتبرين أنه إجراء صوري لم يتم التوافق عليه، ولم يُعقد أي اجتماع رسمي بهذا الشأن.
وأكد الموظفون المفصولون، وفقا لما نقلته الصحيفة الفرنسية، أنهم لم يشاركوا في أي اجتماع تسوية، وأن المحضر الذي قُدم لهم كان مزورًا. وعند استشارة مفتشة العمل، أكدت لهم أن الوثيقة غير قانونية، ما زاد من غضبهم وشعورهم بالخذلان. في المقابل، دافع السكرتير العام عن هذه الإجراءات، مؤكدا أنها تمت بناءً على توصيات اللجان المعنية، وأنه اضطر إلى توقيع الوثائق بصفته ممثلًا للمنظمة.
وبذلك، ازداد الوضع تعقيدًا داخل منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة بأفريقيا، حيث بات الموظفون يشعرون بأن الإدارة واللجان المعنية تخلت عنهم. ورغم أن المنظمة ترفع شعار “الفانا أفريكانية”، إلا أن العاملين فيها وجدوا أنفسهم ضحايا لسوء الإدارة، ما أثر على حياتهم المهنية والشخصية. وبينما تستمر الأزمة المالية، يواصل الموظفون المطالبة بحقوقهم، في وقت لم تسفر فيه الجهود المبذولة لإصلاح الوضع المالي عن أي نتائج ملموسة حتى الآن.