وجهة نظر

مقاهي  الدارالبيضاء بين التنظيم وإعادة التصنيف

من المعروف أن مدينة الدار البيضاء كانت من بين المدن المغربية الأولى التي انتشرت فيها المقاهي كإطار عصري جديد يؤثث الفضاء الحضري. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، عرف المجال البيضاوي ظهور المقهى كفضاء عصري يتجمع فيه المغاربة لتجاذب الحديث، ، والترفيه من خلال الاستماع للأغاني والأخبار.

ارتباط المقهى بالمعيش اليومي

كان لتمركز سلطات الحماية في المدينة، وبناء مرسى الدار البيضاء، وتوافد العديد من المعمرين، خاصة الفرنسيين، للاستقرار بهذه المدينة دورا أساسيا في انتشار المقاهي. فالثقافة المتوسطية و وبالأخص نمط حياة الفرنسيين  عادة ما يقوم على تخصيص حيز زمني لارتياد المقاهي إلى جانب البيسترو والحانة. فالمقهى تعتبر من بين الفضاءات المفضلة للفرنسي لارتشاف قهوة الصباح والتدخين وقراءة الصحف، وإثارة مواضيع تتعلق بالسياسة والثقافة والفن والمسرح والرياضة وباقي المجالات الأخرى.لذا فقد ضمت المدينة العصرية التي أشرف على بنائها مهندسو الحماية تشييد العديد من المقاهي التي كانت تحمل أسماء تعكس جوانب من الثقافة الفرنسية، كمقهى فرنسا، ومقهى إكسلسيور، ومقهى لاشوب، ومقهى لاكوميدي التي تعتبر من بين أقدم المقاهي في الدار البيضاء، في حين احتضنت ساحات المدينة القديمة، كساحة السراغنة ودرب السلطان وبعض أحياء ودروب وأزقة السور الجديد، وبوسبير، مقاهٍ تعكس جوانب من الثقافة المحلية؛ حيث كان يتجمع فيها المغاربة، سواء جلوسا على الحصير أو على موائد طاولات، للعب الكرطا، أو للتدخين والاستماع للأغاني الكلاسكية كأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب… ،أو لتجاذب أطراف الحديث والثرثرة حول مواضيع مختلفة.وبعيد الاستقلال، بدأ البيضاويون، خاصة من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، يرتادون المقاهي العصرية التي كانت في الغالب حكرا على الفرنسيين وباقي مكونات الجالية الأوربية. فقد أصبح لكل مقهى من هذه المقاهي روادها؛ حيث تميزت مقهى فرنسا وإكسلسيور ولاشوب بمداومة شرائح من النخبة السياسية والنقابية البيضاوية على ارتيادها، بالإضافة إلى العديد من المثقفين والفنانين من ملحنين ومطربين وغيرهم؛ إذ أضحت بمثابة مقاهٍ أدبية ونوادٍ سياسية، الشيء الذي كان يزعج الأجهزة الأمنية ويجعلها تهتم بمراقبة ومتابعة ما يدور داخل هذه المقاهي من نقاشات وجدالات سياسية ونقابية وفكرية، ورفع تقارير بشأن ذلك إلى السلطات المعنية.

  • تناسل ظاهرة فتح المقاهي

شهدت الدار البيضاء خاصة  في منتصف الثمانينيات من القرن 20؛ انتشارا واسعا للمقاهي، سواء بوسط المدينة أو في العديد من الأحياء البيضاوية، بسبب عوامل عدة، من أهمها التوسع العمراني الذي عرفته المدينة من جهة، ونوعية السكن  العمودي المشترك الذي انتشر فيها خاصة الاقامات السكنية؛ إذ إن المنعشين العقاريين كانوا وما زالوا يقومون، زيادة في مضاعفة أرباحهم وتساهل السلطات معهم، بتخصيص العديد من المرافق التابعة للعمارات والإقامات العصرية كمحلات تجارية تتحول بعد بيعها إلى مقاهٍ يتفنن أصحابها في تنميقها وتأثيثها بأحسن الكراسي الطاولات، وتجهيزها بأحسن الشاشات وأجودها، لاستقطاب الرواد والزبائن الذين يحبون متابعة المباريات الرياضية الدولية والمحلية وهم يرتشفون مشروباتهم ويجدون الحرية الكاملة في إطلاق هتافاتهم وتشجيعاتهم. وقد تضاعف عدد هذه المقاهي، خاصة في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، نظرا لإقبال العديد من الرياضيين السابقين، كبصير، والنيبت، والزاكي، بالإضافة إلى بعض الفنانين والمغنيين، على استثمار جزء من مداخيلهم في شراء مقاهٍ نظرا لربحها المضمون.كما شهدت الدار البيضاء إقبال مجموعة من أصحاب الأموال على فتح مقاهٍ باذخة في مختلف الأحياء العصرية والجديدة؛ حيث بلغ الاستثمار في هذه المقاهي مبالغ كبيرة وصلت في بعض الأحيان ما بين 600 مليون إلى مليار درهم، مما جعل بعض البيضاويين يطرحون تساؤلات عدة حول مصدر هذه الأموال، خاصة وأن فتح هذه المقاهي بهذه المبالغ قد تزامن مع تنفيذ قانون مكافحة تبييض الأموال.

  • نمطية المقاهي

يبدو بأنه على الرغم من العدد الهائل من المقاهي، والذي مازال يتكاثر بشكل مطرد، فقد لوحظ أنها لا تتميز عن بعضها البعض إلا في نوعية الكراسي والأثاث. فباستثناء الموقع، الذي يجعل المقاهي التي تتواجد في كورنيش المدينة بعين الذئاب أو عين السبع تختلف عن المقاهي التي توجد في وسط المدينة أو في بعض المساحات الخضراء، المجاورة لفضاء حديقة الجامعة العربية، أو في بعض الأحياء  العصرية أو الجديدة … فقلما يلاحظ الزبون فروقات جوهرية لا في ديكور المقهى ولا في طبيعة الخدمات المقدمة فيها؛ إذ ليس هناك ما يميز مقهى عن أخرى أو يضفي عليها هوية أو خصوصية، سواء معمارية أو ثقافية أو فنية، اللهم إلا إذا استثنينا مقهى أو اثنين ينعتان بمقهى أدبي. بالإضافة إلى أن هذه المقاهي عادة ما تستنكف العائلات عن ارتيادها؛ إذ إن جلها لا يبالي بتخصيص فضاءات خاصة للأطفال، أو الاهتمام بخلق أجواء الحشمة والاحترام التي يتطلبها جلوس عائلي.

  • وضع نظام لتصنيف المقاهي

في إطار سماح السلطات بحرية الأسعار ، فقد حان الوقت لأن تقوم السلطات بتقنين هذا المجال من خلال وضع خطاطة تصنيفية للمقاهي؛ وذلك على غرار ما يجري به العمل بالنسبة للفنادق. فتحرير الأسعار المعمول به في مختلف المقاهي، والذي يسمح لأربابها بتحديد سعر المشروب الذي يرونه مناسبا لهم، ينبغي أن يصاحبه تصنيف تحدده السلطات، يتم من خلالها تصنيف المقاهي إلى مقاهٍ غير مصنفة، ومقاهٍ بنجمة واحدة، ومقاهٍ بنجمتين، وأخرى بثلاث نجوم وهكذا؛ وذلك وفق مواصفات تتحدد في الموقع، والمساحة، ونوعية الفضاء، ونوعية الديكور والإضاءة، ومستوى تكوين العاملين، وجودة المشروب…

وعلى ضوء هذه المواصفات، يتم تحديد السعر. وأي إخلال بهذه المواصفات يجب أن يعرض المقهى إلى إعادة النظر في تصنيفها. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يفرض على أصحاب المقاهي أن يبادروا سنويا إلى تغيير وتحسين تجهيزاتهم، وإدماج أجود العاملين المتخرجين من مدارس التكوين الفندقي والسياحي؛ إذ لا يعقل، مثلا، أن تفتح بكورنيش الدار البيضاء، الذي يعتبر المتنفس السياحي المفضل لدى البيضاويين، مقاهٍ متهالكة التجهيزات، وضعيفة التسيير، ورديئة الخدمة.ولعل أقبح مثال على ذلك، مقهى “الغروب” التي تحتل أفضل موقع في هذا الكورنيش، وتحتل مساحة كبرى فيه، ومع ذلك يصطدم زبناؤها، والوافدون عليها، ببشاعة ديكورها، وتهالك تجهيزاتها من شمسيات متقادمة، وكراسي متهالكة، وأغطية بلاستيكية منفرة، وعاملين عرضيين، الشيء الذي لا ينسجم مع الفضاء البحري والساحلي الذي تتواجد فيه، والذي كلف تجميله من طرف مجلس المدينة مصاريف مالية ضخمة كلها اقتطعت من جيوب البيضاويين. ففي الوقت الذي قامت فيه بعض المقاهي، كفنيزيا وتروبيكانا، بعدة إصلاحات وترميمات حسنت من فضاء هذه المقاهي وجعلتها تتناغم مع محيطها، بقيت العديد من المقاهي في كورنيش عين الذئاب، كـ”الغروب” و”النزاهة” وغيرها، محافظة على طابعها العتيق من أغطية جلدية، وكراسي مطاطية، وديكور بدوي وخشن، وعاملين ضعيفي التكوين.من هنا تقتضي الضرورة السياحية والترفيهية والجمالية أن تعمد السلطات المحلية إلى فرض مواصفات موحدة على كل المقاهي، خاصة تلك المتواجدة في كورنيش الدار البيضاء، سواء في عين الذئاب، أو عين السبع، أو زناتة… تشمل النوافذ والأسقف الزجاجية حتى لا تحجب رؤية جمالية المحيط، والألوان الفاتحة، والإضاءة المناسبة، والعاملين المكونين، والمشروب الجيد.وإلى جانب ذلك، من الضروري أن تسارع السلطات المحلية لهذه المدينة وغيرها إلى تفعيل قانون منع التدخين في  المقاهي كفضاءات عمومية؛ حيث يتم فرض تخصيص حيز خاص للمدخنين، حفاظا على صحة الزبائن غير المدخنين وأطفالهم وأفراد عائلاتهم، ومساهمة في الحفاظ على البيئة المحلية التي تعاني من ارتفاع درجة التلوث الناتج عن أدخنة السيارات والشاحنات والدراجات النارية التي تخنق شوارع هذه المدينة، وكذا من أدخنة المصانع والمعامل والورشات التي تتناثر في مختلف أنحائها وأطرافها. كما يبدو بأنه قد حان الأوان لأن تفرض السلطات على كل مقهى خاصة بوسط المدينة توظيف حراس يتكلفون بإبعاد المتسولين والشحاذين الذين أصبحوا يستفزون الزبائن خاصة الذين يجلسون في باحات المقاهي أو ما يسمى بالتراس بكثرة  السؤال أو إقلاق راحتهم من خلال وضع مختلف أنواع  ما يحملونهم من كلينكس أو شوكولا  بشكل مستفز مما يؤدي في بعض الأحيان الى نرفزة  وما يستتبع ذلك من تبادل السب والشتم  و تعكير مزاج الزبون ويحرمه من هدوء سويعات التي يؤدي ثمن المشروب مقابلها  .

 

تعليقات الزوار