دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، على تواصل النيابة العامة مع الرأي العام مستشهدا بجريمة قتل شاب في طنجة، حيث راج في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أنه تم اعتقال الجناة وعبرت عائلة الضحية عن تذمرها، لكن بعد البحث معهم تم الإفراج عنهم، واضطر الوكيل العام ليخرج ويوضح.
وأوضح وهبي في رده على مداخلات النواب أعضاء لجنة العدل والتشريع، خلال مناقشة مشروع قانون المسطرة الجنائية بمجلس النواب، الأربعاء، أن خروج النيابة العامة لإطلاع الرأي العام مرده إلى طمأنت المجتمع، خصوصا وأن هناك من يتسابق لنشر أخبار في الصحافة أو مواقع التواصل الاجتماعي ويثير الرعب في المجتمع، وهو ما يخلق اضطرابا اجتماع، يتوجب معه إطلاع الرأي العام بالمستجدات.
وشدد المسؤول الحكومي على أن “النيابة العامة تعرف حدود السرية”، مؤكدا أن نشر المحاضر قبل المتابعة فيه متابعة وفق للقانون الجنائي، مؤكدا أن النيابة العامة من حقها الخروج لإطلاع الرأي العام، كما من حق المحامي والدفاع أن يعبر عن موقف موكله وليس الحديث عن تفاصيل محاضر التحقيقات.
في المقابل، نبه نواب برلمانيون إلى أن منح النيابة العامة الحق في إطلاع الرأي العام على القضايا أو الإجراءات المتخذة في حق بعض المشتبه فيهم أو المتهمين فيه نوع من “شرعنة التشهير” و”للواقع المعمول به في السابق”، مضيفا أن التواصل هنا قد “يتجاوز نقل المعلومة إلى التأثير المباشر في الرأي العام”.
ونصت المادة 16 على أنه يجوز للنيابة العامة عند الاقتضاء، اطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها، دون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم والمتهمين. ودون الإخلال بمهام الاتصال والتواصل التي تباشرها الإدارات والمصالح والسلطات العمومية المعنية، يمكن للنيابة العامة أن تأذن للشرطة القضائية بنشر بلاغات حول القضايا المسجلة دون الكشف عن هويات المشتبه فيهم أو المساس بحياتهم الخاصة.
وخلال اجتماع المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المسطرة الجنائية بلجنة العدل والتشريع، دعا برلمانيون إلى منح دفاع المتهمين أيضا صلاحية التواصل مع الرأي العام لتقديم توضيحاتهم، لخلق التوازن مع النيابة العامة، مشيرين إلى أن النيابة العامة خصوصا ما يحدث مؤخرا وهي تقدم روايتها تقوم بالتأثير على الرأي العام.
وقال البرلماني عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الصمد حيكر، إن هذا الأمر فيه “شرعنة التشهير بالمشتبه فيهم، مما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير ذلك على قاضي الحكم عند التكييف القانوني للقضية”، حيث أشار إلى أن “القاضي، بطبيعة الحال، يتأثر بما يسمعه وما يدور في المجتمع، مما قد يشكل مخاطرة تؤثر على سير العدالة”، داعيا إلى تجنب الخوض في تفاصيل القضايا قبل مرحلة المحاكمة، إلا في حالات الضرورة القصوى، مثل انتشار أخبار زائفة تستوجب التوضيح.
وشدد على أنه قبل عرض القضية على أنظار المحكمة، لا ينبغي أن تخضع لأي عملية تواصل قد تؤثر على مجرياتها، مع ضرورة ضمان حق المتهم وهيئة دفاعه في التواصل بطريقة طبيعية وعادلة، مؤكدا على ضرورة أن تتجنب النيابة العامة والشرطة القضائية، ذكر الأسماء أو نشر الصور، حفاظا على قرينة البراءة وحمايةً للمشتبه فيهم من أي مخاطر قد تهدد حياتهم وسلامتهم.
وأكدت لبنى صغيري عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن نشر صور وأسماء المشتبه فيهم، يجب أن يقتصر فقط على مراكز الشرطة المكلفة بالبحث، مع التأكيد على عدم المساس بقرينة البراءة. في حين سجل نور الدين مضيان، البرلماني عن الفريق الاستقلالي، التعديل المدخل على المادة 15 مهم مقارنة مع الصيغة القديمة، إذ أن “الإبقاء على سرية البحث والتحقيق يظل مبتغى أساسيًا، لكن السؤال المطروح: هل يُطبق هذا المبدأ فعلا؟”
وأوضح مضيان أن الواقع يشير إلى أن معظم الإجراءات يتم تسريبها بطريقة أو بأخرى، وبالتالي، فإن التنصيص عليه في القانون يُعد من أفضل التعديلات المطروحة. إلى جانب ذلك، شدد المتحدث ذاته، على أن هناك ضرورة للتمييز بين نوعية الجرائم ومرتكبيها، فهناك فرق بين الجنح والجنايات، وبعض الجرائم قد تستأثر باهتمام الرأي العام.
ومضى قائلا: “هنا أختلف مع الطرح القائل بضرورة الإبقاء على السرية في جميع الحالات؛ إذ يجب أن يكون ذلك مشروطا بمدى الاقتضاء والضرورة، لأنه لا يمكن وضع جميع الجرائم في سلة واحدة، فمثلا، الجرائم التي تمسّ المجتمع، كجرائم الإرهاب والاغتصاب، تتطلب شفافية معينة، في حين أن هناك جرائم قد يكون فيها المتهم أو عائلته مقتنعين ببراءته، أو قد تكون ناتجة عن فبركة المتابعات بطرق مختلفة”.
وشدد على ضرورة إعادة النظر في مبدأ السرية المطلقة للبحث والتحقيق، مؤكدا أنه “من غير المعقول أن يُعتقل شخص ظلما وبهتانا بينما يظل أهله والمتهم نفسه في حالة من التعتيم التام حول ما يجري”.
في سياق متصل، قال سعيد بعزيز، عضو الفريق الاشتراكي ورئيس لجنة العدل والتشريع، “إذا نص القانون على جواز أن تصدر النيابة العامة بلاغا، ففي الممارسة والواقع هناك جهات أخرى تصدر بلاغات، فإذن هل هذه الجهات ستكون ممنوعة، مثل المديرية العامة للأمن الوطني التي تتحدث في بلاغاتها عن توقيف مشتبه فيهم”
كما سجل بعزيز، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تعج بالمحاضر المنجزة أمام قاضي التحقيق والتي يحق فقط للدفاع أن يطلع عليها، مضيفا أن “المناقشات التي أجريت في الاستنطاق تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي”، متسائلا: “هل نحن ماضون في اتجاه تجريم هذا النوع من الأفعال”.
من جهته، تساءل البرلماني عن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، سعيد بنمبارك، عن كيفية الموازنة بين سرية البحث والتحقيق وبين حقوق الدفاع في الاطلاع وهل تصوير الدفاع لمحاضر التحقيق يعتبر خرقا للسرية؟ بينما نبه عبد الله بوانوو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن المادة 15 من المسطرة الجنائية “تمثل تقنينا وشرعنة للواقع الذي كنا نعمل به سابقا، وقد كان مبررا ذلك في قضايا الإرهاب مثلا، لكن اليوم أصبحت هذه الممارسات تتوسع لتشمل قضايا أخرى مختلفة، وهو ما يثير عدة تساؤلات”.
ورفض المتحدث ذاته، نشر صور وأسماء المشتبه فيهم، أو تسريب معلوماتهم الشخصية، لأن فيه خرق لحقوقهم ومس بقرينة البراءة، مضيفا “نحن واعون بالسبب وراء نشر هذه الصور، ولكن يجب أن نكون حذرين في هذه المسائل لأن المتهم لا يزال بريئا حتى تثبت إدانته”.
بينما