هل فشلت حركة “جيل زد 212” في امتحان خطاب 10 أكتوبر؟
وجهة نظر

هل فشلت حركة “جيل زد 212” في امتحان خطاب 10 أكتوبر؟

في التقدير، يمكن تسجيل “خطأين كبيرين” في مسيرة حركة “جيل زد 212” خلال نصف الشهر الأول من عمرها. خطأ على مستوى الخطاب السياسي، وخطأ على مستوى الرهان السياسي على الخطاب الملكي في 10 أكتوبر.

أولا، على مستوى الخطاب السياسي

سجل الخطاب السياسي للحركة تطويرا عميقا على مستو “دبلوماسيته”، وانتقل من مخاطبة الملك مباشرة إلى إعلان مطالب تم تلطيف لغتها وبعض أشكالها. وهو ما سنرصده في هذا المحور بشكل مركز.

سوف نكتفي بالوثائق الرسمية للحركة في مقاربة تطور خطابها السياسي لما تقدمه رسميتها من عناصر التعبير عنها، نظرا لكون تلك الوثائق تتبلور بشكل جماعي وتعتمد بعد التصويت، حسب أدبياتهاعلى منصة ديسكورد. خلاف الشعارات في الوقفات الاحتجاجية والرموز التعبيرية المستعملة، التي يصعب رصدها وتتبعها عبر شبكة المدن التي تشملها الاحتجاجات.

لقد كانت وثيقة المطالب الأولى للحركة تحمل اسم “رسالة”وتقول الحركة إنها موجهة للملك، فديباجتها تبدأ بالعبارة التالية:” بسم الله الرحمن الرحيم إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، حفظ الله مقامه العالي”، وتنتهي بالعبارة التالية: ” ومن واجبنا أن نرفع صوتنا، طالبين من جلالتكم التدخل من أجل إصلاح عميق وعادل، يُعيد الحقوق ويُعاقب الفاسدين، ويُجدد عهد المسؤولية والشفافية. ” وتأتي مطالبها الثمانية حينها تحت عنوان: ” المطالب الموجهة لجلالة الملك”. وفي ختام تلك الرسالة قالت الحرك: ” جلالة الملك، إننا نتوجه إليكم بهذه الوثيقة الشعبية مباشرة لأننا فقدنا الثقة في كل الوسائط السياسية القائمة: الحكومة، البرلمان، والأحزاب… إن رسالتنا إليكم هي تعبير عن إرادة جيل جديد يرفض الاستمرار في دوامة الفساد والفشل، …”.

تلك الرسالة نشرت على الصفحة الرسمية للحركة على فيسبوك بتاريخ 3 أكتوبر على الساعة 00.15، أي ربع ساعة بعد منتصف ليلة الخميس-الجمعة، لكن الحركة نشرت في نفس اليوم وبالضبط على الساعة 11.50 صباحا (أي بعد 11 ساعة تقريبا)، تنبيها كالتالي: (تنبيه: المطالب المنشورة مسبقا لا تعتبر المطالب الرسمية النهائية، كما أنها لا تشمل الصيغة الرسمية المناسبة، نرجوعدم نشره باعتبارها أساسية إلى حين نشرها بصيغة رسمية)، دون أن تنتقدها أو تعلن التخلي عنها.

وفي يوم 7 أكتوبر على الساعة 3.37 صباحا، أعلنت الحركة عن وثيقة جديدة مع عبارة “بيان حول ما نريده من اصلاح وليس الملف المطلبي”، الذي ميز هذه الوثيقة (البيان)، المنشورة على صفحتها الرسمية على فيسبوك، هو أنها لم تعد تخاطب الملك، فرغم أنها بدأت بمقتطف من خطاب عيد العرش لسنة 2017، إلا أنها لم تتوجه إلى الملك بشيء ولم تذكره كمخاطب، وحافظت فيها على موقفها من الحكومة وذكرت مطالبها الإصلاحية القطاعية في سبعة نقط، سجلت اختلافا واضحا مع ما سبق وورد في وثيقة “الرسالة”.

وفي الدقيقة الأولى من يوم الجمعة 10 أكتوبر (الساعة: 00.01)، تنشر الحركة ملفها المطلبي الحالي تحت عنوان، “ملف مطلبي لشباب المغرب: من أجل تفعيل العقد الدستوري” وهو وثيقة من 13 صفحة ترافعت فيها الحركة بالدستور والتقارير الرسمية وأعلنت مطالبها من خلال أربعة محاور كبرى. لكنها في كل الوثيقة لم تشر إلى الملك بأي شكل من الأشكال.

ما سبق يوثق لتطور خطاب الحركة خلال 7 أيام (3-10 أكتوبر) في ثلاثة اتجاهات، الأول يرسم مسارا لخطاب يتحول من خطاب الرسائل، حيث يوجد طرفين المرسِل والمرسَل إليه، إلى خطاب “القوة الاقتراحية”، حيث يتم الإعلان عن المطالب دون تحديد الجهة في الدولة المطلوب منها تنفيذها. الاتجاه الثاني، تحول في لغة الخطاب وشدته، حيث تم التخلي عن الاتهامات وأحكام القيمة. والثالث، اتجاه نحو مزيد من العقلانية، حيث تم التراجع عن مطلب إقالة الحكومة إلى مطلب استقالتها، ومن تحديد صيغة محاسبتها في صيغة غير واقعية عبر جلسة علنية يرأسها الملك، إلى مطلب عام للمحاسبة. كما تم التراجع عن المطالبة بـ”حل الأحزاب المتورطة في الفساد”…

وهذا التطور، في التقدير،يؤشر على مرونة كبيرة وسط الحركة تمنحها قدرة كبيرة في التعلم والتكيف، وهما عنصران مهمان بالنسبة لحركة شبابية من مثل حركة “جيل زد 212”.

لكن التطور المشار إليه لم يلغ كون خطاب الحركةوقع في “خطأ كبير” في الميزان السياسي من وجهة نظر الدولة ومنطقها، فالحركة كقوة تمارس الضغط بالشارع ما كان لها أن تتوجه بالخطاب إلى الملك بشكل مباشر، وأن تطالبه بالقيام بإجراءات محددة، وكان عليها ان تعلن مطالبها بشكل أكثر دبلوماسية كما انتهت إليه في تطور خطابها.

والبعد الحساس لذلك “الخطأ” أنه في منطق السياسة، كرس لدى الرأي العام ولدى المراقبين أن الحركة تخاطب الملك مباشرة بمطالب سياسية واجتماعية. مما من شأنه أن يضيق فرص التجاوب السريع معه، لما ينطوي عليه ذلك من دلالات يتم تفسيرها عادة بالضعف والاستسلام.

ثانيا.. على مستوى الرهان السياسي

 شكل خطاب الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة في البرلمان امتحانا سياسيا داخليا كبيرا لحركة “جيل زد 212”. فهذه الأخيرة، في التقدير، أخطأت لما سمحت بأن يتحول الخطاب الملكي وسط نشطائها إلى محطة انتظار الجواب عن مطالبها، وتركته يتحول إلى رهان وسط نشطائها.

وقد تعزز ذلك الرهان/ الانتظار سيكولوجيا لما أعلنت الحركة في 8 أكتوبر (على الساعة 15 و18 دقيقة)، في بيان للرأي العام أنه “احتراما لمقام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وتقديرا لرمزية خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، تعلن حركة جيل زد عن تعليق جميع الأشكال الاحتجاجية المقررة يوم الجمعة 10 أكتوبر.”

لكن، ما أن انتهى الخطاب الملكي، ولم يشر إلى حراك جيل زد 212، لا بالمباشر ولا بالضمني، حتى اندلع جدل قوي واتهامات غاضبة وسط قواعد الحركة في منصة ديسكورد، يعكس حجم ذلك الرهان وتلك الانتظارات، ويعبر عن”الإحباط وخيبة أمل” غير واقعيين.

وخطأ المراهنة على أن تكون حركة جيل زد 212 موضوع الخطاب الملكي، هو امتداد للخطأ السابق المتعلق بالخطاب، فالحركة لم تصاحب تطوير الخطاب بالتوعية في صفوفها بطبيعة المؤسسة الملكية بصفتها الجهة التي يتوقع أن تستجيب لطلباتها.

لكن.. هل تجاهل الخطاب الملكي في افتتاح الدورة التشريعية يوم 10 أكتوبر فعلا المطالب الشبابية؟

يمكن القول إن الملك محمد السادس تفاعل بشكل غير مباشر مع المطالب الشبابية، لكن سوء فهم طبيعة الخطب الملكية ومنطق الدولة في التفاعل مع مطالب الشارع هي ما وقف دون استطاعة الشباب إدراك ذلك.

فشباب الحركة، كما يفهم من نقاشاتهم، يتوقع أكثرهم أن يتوقف الخطاب عند الاحتجاجات، ويشير إلى الحركة بالاسم، ويقف عند كل مطلب بالمعالجة المناسبة، وغير ذلك.

ولو رجعنا إلى خطاب 9 مارس 2011، والذي جاء على إثر أحد أكبر الحِراكات السياسية في تاريخ المغرب، فلن نجد إطلاقا إشارة مباشرة لما كان يجري في الشارع بقيادة حركة 20 فبراير، رغم أن الجميع أدرك أن الخطاب كان الجواب الكبير على مطالب الشارع، وكذلك كان.

ولفهم هذا التفاعل “غير المباشر”، لخطاب 10 أكتوبر مع نبض الشارع، علينا أن نقرأ ذلك الخطاب من زاوية المقاصد والمضامين لا من زاوية “الأسماء”.

فمن خصائص الخطاب الملكي أنه لا يُوجَّه إلى فئة، بل إلى الوطن ككل، فالخطابات الملكية، وخاصة في افتتاح البرلمان، تُصاغ بصيغة شمولية، وتستهدف إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وليس الاستجابة الفورية لمطالب فئة معينة.

وعندما يركّز الملك في خطاب 10 أكتوبرعلى مواضيع تمسّ جوهر ما تنادي به حركة جيل زد 212، مثل التشغيل، العدالة الاجتماعيةومحاربة الفوارق المجالية، التعليم، والصحة، والتأهيل الترابي،والحكامة، و”محاربة كل الممارسات، التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات”،… فهذا بحد ذاته تفاعل غير مباشر مع نبض الشارع الشبابي.

والنتيجة هي أنه رغم غياب الإشارة المباشرة للحركة أو مطالبها، إلا أن الخطاب لامس صميم القضايا التي رفعتها، وهذا يعني أنه تفاعل ضمني وموضوعي مع رسالتها.

ومن المعلوم أن الملك يتفاعل عبر الاستراتيجية لا عبر الشعارات، فأسلوب الملك محمد السادس يتميز بما يمكن تسميته بـ “التفاعل الاستراتيجي”، أي أنه لا يرد على الأصوات أو الحركات بالأسماء، لكنه يعيد توجيه السياسات العمومية لتأخذ بعين الاعتبار ما تعبر عنه تلك الأصوات من قلق اجتماعي أو عطالة أو فقدان للثقة.

إنالقراءة السياسية الشبابية تتسم بضعف الواقعية، حيث أنه من غير الواقعي أن ينتظر جيل أو حركة أن تُذكر بالاسم في خطاب ملكي،لكن الذكاء السياسي يكمن في التقاط الإشارات غير المباشرة، وفهم أنالتفاعل بين الدولة المغربية والمجتمع يكون عبر السياسات والبرامج، لا عبر الخطابات التفصيلية.

والخلاصة أنه، في التقدير،الملك تفاعل فعلاً مع المطالب الجوهرية للشباب، ولكن من موقعه كضامن للتوازن الوطني، لا كمخاطِب لفئة بعينها.

كيف نفسر “إحباط” الشباب بعد الخطاب؟

شكلت “صدمة عدم التقاط رسائل” الخطاب الملكي محطة سياسية وسيكولوجية كبيرة في مسار الحركة الفتية، لكن من غير المقبول مطلقا وصف عدم إدراك الشباب لما سبق بالسذاجة السياسية، ف”الإحباط” الذي تم التعبير عنه وسط الحركةهو رد فعل طبيعي لجيل يتوقع استجابة سريعة ومباشرة، بحكم نشأته في عصر التواصل الرقمي الفوري.

لكن السياسة، بخلاف العالم الرقمي، تعمل بمنطق التدرج، والرمزية، والتوازنات، وليس بمنطق الرد الفوري.

إن من خصائص”جيل زد” أنه يفكر بسرعة الشبكات، فيما الدولة تتحرك بسرعة المؤسسات.والفجوة بين السرعتين تخلق الإحباط، لا السذاجة.

لكن الذي يمكن الجزم به في تفسير “الإحباط” هو أنه نتيجة”نقص في التجربة السياسية”. فجيل زد 212 يمثل طاقة واعية وغاضبة، لكنه لم يخض بعد تجارب كافية لفهم ديناميات القرار السياسي.

لكن لا بد من تسجيل أن تدبير الحركة لموجة الغضب والإحباط الداخلي على المستوى السياسي اتسم بالذكاء. حيث أنها أعلنت في الدقيقة 15 الأولى من يوم السبت (الساعة 00.15) على صفحتها الرسمية على فيسبوك إلغاء وقفات السبت والأحد. وأوضحت في نفس البيان أن “هذا القرار يأتي بعد ساعات طويلة من النقاش والتشاور مع خبراء ميدانيين وأعضاء من مختلف المدن، واستنادا إلى قراءة دقيقة للوضع الميداني والظرف السياسي الراهن.”وأضافت أن “هذا التوقف المؤقت خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التنظيم والتنسيق وضمان أن تكون المرحلة المقبلة أكثر فعالية وتأثيرا، بعيدا عن أي ارتجال أو استغلال خارجي”.

وهذا القرار يعتبر آلية ذكية لتجنيب الحركة تداعيات سلبية محتملة للغضب والإحباط الداخليين على الوقفات.

الخلاصة العامة

في خلاصة عامة يمكن القول إن الحركة استطاعت تطوير خطابها السياسي في اتجاه أكثر عقلانية وأكثر دبلوماسية، لكنها فشلت في مصاحبة ذلك بخطاب نقدي وتوعوي داخلي، يساعد قواعدها في إدراك الخلفيات السياسية لعملية التطوير. وعلى مستوى الرهان السياسي، فشلت الحرك أيضا في فتح نقاش داخلي يكشف خطأ ذلك الرهان ويساعد في استيعاب طبيعة الدولة وأجهزتها التقليدية، رغم أنها استطاعت، داخليا، استيعاب ذلك الغضب بمواصلة برامجها الحوارية وفتح نقاشات داخلية عامة. كما استطاعت خارجيا تجنيب أشكالها النضالية تبعات الغضب والإحباط السياسية والقانونية.

وعلى سبيل الختم، يمكن القول إن حركة “جيل زد 212” أبانت عن جرأة ومرونة كبيرتينفي التطوير الذاتي، وعلى شبابها أن يدركوا أن الطريق إلى “الاعتراف” لا يكون عبر انتظار ذكر الحركة بالاسم وذكر مطالبها بالحرف، وعبر تفاعل الدولة بشكل سريع ومباشر، بل عبر الاستمرار في العمل السلمي الذكي والمنظم حتى تتحول الفكرة إلى قوة اقتراحية مؤثرة. ولبلوغ ذلك فهي بحاجة إلى تطوير أدواتها للانتقال من التعبير الرمزي إلى التأثير المؤسساتي، لأن منطق الدولة، لا يتفاعل مع “الأصوات” بل مع “التصورات المنظمة”.