آخر أخبار الرياضة

شغف وتيفوهات وهتافات.. كيف يصنع ديربي البيضاء الفرق على المستطيل الأخضر؟

لا يمكن اختزال “ديربي” الدار البيضاء بين قطبي الكرة المغربية، الوداد والرجاء، في مجرد تسعين دقيقة على المستطيل الأخضر. إنه طقس كروي استثنائي يتجسد فيه الانتماء، الشغف، والذاكرة الجماعية لمدينة بأكملها.

فعلى مدى عقود، لم يكن الحضور الجماهيري مجرد داعم، بل تحول إلى الركيزة الأساسية التي أضفت على هذه المواجهة التاريخية نكهة فريدة من الندية والإثارة.

ديربي الهوية الاجتماعية والذاكرة المشتركة

منذ صافرة أول ديربي في عام 1957، لم يكن الصراع بين النادين الأحمر والأخضر رياضياً بحتاً. لقد كان امتداداً لهوية اجتماعية وشعبية، حيث تعبّر الجماهير من خلاله عن انتمائها للأحياء المختلفة ولذاكرة المدينة نفسها.

في تلك السنوات الأولى، كانت مدرجات ملعب فيليب (ملعب العربي بن مبارك حالياً) تعج بهدير الحناجر القادمة من كل الأحياء، بأهازيج بسيطة ولكنها مشحونة بأقصى درجات العاطفة.

ومع مرور العقود، ترسخ حضور الجمهور كمكون أساسي في هوية الديربي، حتى صار من المسلّم به أن “من لا يعيش ديربي البيضاء من المدرجات، لا يعرف المعنى الحقيقي لكرة القدم”.

هذا البُعد الاجتماعي يُصعّد من مستوى الندية إلى أقصى الدرجات، محولاً المدرجات إلى ساحات حرب نفسية ضخمة تضمن أن اللاعبين سيقاتلون لآخر رمق.

التيفو: الإبداع البصري وكسر حاجز الصمت

إذا كانت الحناجر هي صوت الشغف، فإن التيفوهات (Tifos) هي اللوحات الفنية الصامتة التي تختزل التاريخ والمشاعر في رسالة بصرية مبهرة.

ابتداءً من العقد الأول للألفية، دخل “التيفو” المغربي مرحلة الإبداع الفني الحقيقي، ليغدو رمزاً لهوية المشجع المغربي وأحد أبرز مظاهر الإبداع الجماهيري في أفريقيا والعالم العربي.

ففي سنة 2007، شهد الديربي رفع أنصار الوداد لواحد من أول التيفوهات العملاقة، ليرد جمهور الرجاء لاحقا لينتقل التنافس بين المجموعتين (الوينرز والغرين بويز) إلى بُعد عالمي، حيث تناقلت الصحف الأوروبية صور هذه اللوحات البصرية باعتبارها من الأجمل على الإطلاق.

ولم يعد التيفو مجرد عرض ملون في الديربي البيضاوي؛ بل أصبح يخدم عدة أدوار أهمها:

المنافسة الجمالية: حيث يتنافس الجمهور على تقديم لوحة فنية هي الأضخم والأكثر تعقيداً وإبهاراً.

التاريخ والهوية: غالباً ما تحمل التيفوهات رموزاً تعكس تاريخ النادي، أساطيره، أو رسائل اجتماعية وسياسية.

الاستفزاز النفسي: الرسائل المُضمنة في التيفوهات غالباً ما تكون موجهة للطرف المنافس بهدف إثارة غضبه أو تقليل شأنه، مما يزيد من الندية.

المدرجات كمنبر: البعد الثقافي والاجتماعي

في كل ديربي، يتحول ملعب محمد الخامس إلى مسرح بصريّ مذهل، حيث يصنع هدير الجماهير والهتافات المنظمة والأغاني المحفوظة عن ظهر قلب مشهداً من الندية الرمزية يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. فاللاعبون أنفسهم يعترفون بأن الجماهير “تصنع الفارق” وأن الضغط في هذا الديربي “لا يُقارن بأي مباراة أخرى”.

الأهم من ذلك، أن المدرجات لم تعد مجرد فضاء للتشجيع، بل أصبحت منبراً للتعبير عن المواقف الاجتماعية والثقافية. فأغاني الألتراس، مثل “الفساد الرياضي” للوداد و “في بلادي ظلموني” للرجاء، تجاوزت حدود اللعبة لتصبح نشيداً وطنياً مصغراً يعكس نبض الشارع المغربي وتعبيراته ضد التهميش. بهذا، أصبح الجمهور البيضاوي صوتاً جماعياً يعكس الوعي العميق، ما جعل الديربي حدثاً يحمل رمزية تتجاوز الرياضة نحو العمق الثقافي والهوياتي.

في الختام، بين لوحات “التيفوهات” وهتافات الألتراس، وبين الفرح والحزن، يظل ديربي الدار البيضاء احتفالاً بالهوية والتاريخ. وفي كل مرة تشتعل فيها المدرجات، يدرك الجميع أن كرة القدم في المغرب ليست مجرد رياضة… بل فنٌّ وشغفٌ وذاكرةٌ جماعية خالدة.