وجهة نظر

من كنون إلى عبادي: في الحاجة إلى هيكلة جديدة للرابطة المحمدية للعلماء

بين سيدي عبد الله كنون، صاحب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” وأحد أعلام النهضة الفكرية المغربية، وبين الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام الحالي للرابطة المحمدية للعلماء، مسافة معرفية ومنهجية تكشف تحوّلاً عميقاً في وظيفة المؤسسة الدينية وموقعها من قضايا العصر. فكنون، الذي ترأس “رابطة علماء المغرب” قبل أن تتحول إلى “الرابطة المحمدية”، كان مفكراً نهضوياً يكتب ويؤسس، لا يردد الشعارات. أما عبادي، فرغم بلاغته الخطابية، يبدو وكأنه يكتفي بالدعوة إلى “مقاربات جديدة” دون أن يقدّم نموذجاً معرفياً فعلياً يُترجم تلك الدعوات إلى أدوات ومناهج ملموسة.

لقد عرفت الرابطة، منذ تحولها سنة 2006 من “رابطة علماء المغرب” إلى “الرابطة المحمدية للعلماء”، انتقالاً في الهوية والوظيفة. فهي لم تعد مجرد إطار يجمع العلماء التقليديين، بل أصبحت مؤسسة بحثية يفترض أن تواكب التحولات الفكرية والتقنية، وتعمل على تجديد أدوات النظر في قضايا الدين والمعرفة. غير أن هذا التحول ظل، في كثير من جوانبه، شكلياً أكثر منه بنيوياً، إذ بقيت الرابطة حبيسة خطاب الإصلاح دون أن تتجه فعلياً نحو بناء نماذج معرفية جديدة تستجيب لتحديات الزمن الرقمي وسؤال الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي.

في كلمته خلال افتتاح المجلس الأكاديمي الخامس والثلاثين للرابطة، تحدث عبادي عن “فقدان البوصلة الأخلاقية والمعرفية”، وعن ضرورة “الاقتران بين القراءتين”؛ وهي أفكار وجيهة في ظاهرها، لكنها تظل أقرب إلى الخطاب الوعظي منها إلى الرؤية الهندسية المؤسِّسة. فالمقاربة لا تُبنى بالنداء، بل بالهندسة المعرفية، والتجديد لا يتحقق بالتحفيز، بل بإعادة بناء البنية المؤسسية والمنهجية من الجذور. إن دعوة عبادي إلى “القراءة المزدوجة” (الوحيية والكونية) تذكّر ببعض أطروحات الفيلسوف طه عبد الرحمن حول “التكامل المعرفي”، لكنها تفتقد في سياقها المؤسسي إلى ما يجعلها مشروعاً فعلياً، أي إلى بنية بحثية قادرة على تحويل الخطاب إلى إنتاج معرفي منظم.

تبدو الرابطة المحمدية، في وضعها الراهن، أكثر انشغالًا بإنتاج العناوين من انخراطها في بناء المضامين. مشاريعها الكبرى، مثل “الحقائب العلمية” و*“موسوعة مداخل العلوم الإسلامية”*, تظل مبادرات طموحة من حيث التصور، لكنها تحتاج إلى تأطير معرفي صارم وإلى فرق عمل بحثية تشتغل وفق رؤية علمية متكاملة، لا وفق منطق التجميع والمناسبات. فالمؤسسة الفكرية لا تُقاس بعدد منشوراتها، بل بقدرتها على إنتاج نموذج معرفي متجدد يربط بين الأصالة والابتكار.

أما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فإن الموقف التحذيري الذي عبّر عنه عبادي يكشف غياب رؤية تأصيلية قادرة على إدماج التقنية ضمن المشروع المقاصدي الإسلامي. فالرهان اليوم لا يكمن في الخوف من الذكاء الاصطناعي، بل في تحويله إلى أفق معرفي جديد يوسّع دائرة الاجتهاد ويعيد وصل الفكر الإسلامي بجدليات العصر. هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ”الهندسة المقاصدية للتقنية”، أي قراءة التحول التكنولوجي في ضوء القيم الكبرى التي تؤسس للإنسان والمعرفة في المنظور الإسلامي.

ولعل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كانت مؤسسات وطنية مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج قد أعلنت عن هيكلة جديدة لمواكبة التحولات، أفلا تستحق الرابطة المحمدية مراجعة مماثلة؟ كيف يمكن لمؤسسة علمية أن تواكب تحولات العالم وهي تكتفي بتكرار الخطاب دون بناء النماذج؟ وهل يكفي الخطاب الإصلاحي إذا ظل بلا هندسة معرفية أو مؤسسية تدعمه؟

الفارق بين كنون وعبادي ليس في مستوى البلاغة أو في اتساع الثقافة فحسب، بل في طبيعة الفعل العلمي ذاته. فكنون، في مشروعه النهضوي، كان يؤسس لبنية معرفية تستند إلى البحث والتأصيل والتجديد، بينما يراوح عبادي في فضاء الخطاب الإرشادي الذي يغيب عنه الفعل المؤسسي. لقد جعل كنون من الرابطة في زمنه منارة فكرية حقيقية، تربط بين الإنتاج المعرفي والوظيفة الاجتماعية للعلم، في حين تبدو الرابطة اليوم أقرب إلى منبر تواصلي منها إلى مختبر علمي.

إن اللحظة الراهنة تفرض على الرابطة أن تنتقل من منطق التوصيات إلى منطق البناء، ومن الإرشاد إلى الفعل، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج. فالتجديد لا يتحقق بتغيير اللغة، بل بإعادة بناء المؤسسة وفق رؤية تشاركية تجمع العلماء والباحثين والتقنيين في إطار واحد. المطلوب اليوم هو إنشاء وحدات بحثية متخصصة تُعنى بثلاث مهام رئيسية: إنتاج معرفة رصينة مؤصلة، وضع ضوابط منهجية للتعامل مع المستجدات الفكرية والتقنية، وتكوين جيل من العلماء القادرين على قيادة عملية التجديد.

الرابطة المحمدية، بتاريخها العريق وموقعها المحوري في المشهد الديني المغربي، تمتلك كل المقومات لتكون فاعلًا معرفيًا مؤثرًا لا مجرد ناقل للخطاب. لكن ذلك لن يتحقق إلا بجرأة مؤسسية تعيد تعريف دورها من جديد، لتصبح مؤسسة منتِجة لا مكرِّرة، ومبادِرة لا مفسِّرة. عندها فقط يمكن القول إننا انتقلنا من مرحلة الإرشاد إلى مرحلة البناء، ومن ترديد المبادئ إلى صناعة النماذج التي تجعل الفكر الإسلامي حاضرًا وفاعلًا في زمن التحول الرقمي والإنساني معًا.