كانت الآمال مُعلّقة على مباراة “الديربي” بين الوداد والرجاء الرياضييْن، يوم الأربعاء، وظل متابعو الكرة المغربية يرسمون متمنيات بأن تُجسّد هذه المقابلة بحق المسار التصاعدي الذي تنخرط فيه اللعبة بالمملكة، على الأقل من حيث البنيات التحتية والمنتخبات الوطنية، لكن ما اقْتُرف في لقاء الأمس كان يسبح ضد التيار، وأخذ اللاعبون يعزفون نشازا يتنافى مع السمعة والصيت الذائع لهذا الموعد الكروي.
المشهد الذي ساد مواجهة “الديربي” كان دراميا، مثل عرض مسرحي يتحرّك بدون خيط ناظم ويغيب عنه التشويق والإثارة؛ لاعبون يركضون كأنهم يفعلون ذلك على سجيتهم، وآخرون ما إن ينهضوا حتى يسقطوا مجددا، وحكم استعمل صافرته أكثر من توظيف قدميه للجري، فيما مدربان عطّلا فكرهما الهجومي ووقعا فريسة الخوف من امتلاك الجرأة في الخط الأمامي.
ما سبق هذه المواجهة كان حافلا بالانتظارات ذات السقف العالي والزخم الهائل من طرف متابعي الكرة الوطنية، خاصة أن كل المقومات كانت حاضرة في معادلة “الديربي 139″، من إجراء اللقاء في “مركب محمد الخامس” بشبابيك مغلقة، وتعاقد النادييْن مع أسماء وازنة في الميركاتو الصيفي، علاوة على تجاوزهما نسبياً الأزمة المالية التي خيّمت عليهما في السنوات الأخيرة.
غير أن مجريات اللعب في معترك الميدان بدت بمعزل عما كل ما أحاط بهذه المواجهة، وانساق الفريقان وطاقمهِما التدريبيان إلى مسار مختلف، حيث قدّما طبقا كرويا يبعث على الرتابة، وخُيّل إلى المتابعين أنهم يُشاهدون فيلما سينمائيا ملّوا من حبكته لفرط تكراره، وما خروج المئات من الجماهير من الملعب قبل أكثر من عشر دقائق من انتهاء اللقاء إلا مؤشر دال على فداحة الوضع واضمحلاله.
تعيش الكرة الوطنية على صعيد المنتخبات دينامية لافتة تسترعي الانتباه، ويمضي كذلك ورش التكوين القاعدي قدما نحو مراتب أعلى، لكن المنتوج المحلي في المسابقات يكاد لا يُحرز أي تطور، حتى يوشك المرء على الجزم بغياب أي صلة وعلاقة بين هذه المنتخبات من جهة والمنافسات المحلية من جانب آخر.
إن ورش النهوض بالكرة المغربية هو كلّ لا يتجزّأ، ولا يجوز التعاطي معه بانتقائية وتراتبية في الأولويات، بين إعمال الصرامة والحزم في نمطية اشتغال المنتخبات الوطنية وطرق عمل الأكاديميات مُقابل اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام في مقاربة الدوريات المحلية، التي تتقاذفها في واقع الحال الإكراهات الذاتية والموضوعية، في غياب ترتيب الجزاءات والمسؤوليات وتركها تائهة بين مختلف الفرقاء والفاعلين.
الصورة التي صدّرها “الديربي” يوم أمس جاءت لتنسف مجهودا تسويقيا تم الاشتغال عليه لسنوات من طرف القائمين على اللعبة بالمغرب، فلا الأكاديميات التي صوّرناها قبل أسبوع مشتلا للمواهب ولا السياسة التسييرية التي حظيت بالمديح والثناء كانا لهما الأثر فيما تابعناه يوم الأربعاء، بل ظهر أن النجاحات المحققة لدى المنتخبات الوطنية تتحرّك بسرعة تفوق الإيقاع الذي تسير به منظومة المسابقات المحلية.
السردية التي لطالما روّجها المشجعون بأن “الديربي” هو موعد للتواطئ والاتفاق المسبق على اقتسام النقاط راحت تأخذ شرعية أكبر رغم أنها لا تستند إلى أي أساس، بيد أن المعطيات الملموسة للعيان تُذكي مصداقيتها وتعزز يقينيتها بالنسبة للكثيرين، وهو ما ينبغي الانتباه إليه من قبل الجهاز الكروي المشرف على الكرة الوطنية، والذي ينكب وفق ما أرى على تسويق سمعة أخّاذة عن المنتوج الكروي المغربي، غافلا في الوقت نفسه هذا الجانب بالغ الأهمية في معادلة جعل المستديرة قطاعا صناعيا وقوة ناعمة قائمتيْ الذات.