عرصة مولاي بوعزة" دوار منسي في قلب مراكش
أخبار الساعة

على بعد دقائق من جامع الفنا.. “عرصة مولاي بوعزة” دوار منسي في قلب مراكش

هل يُعقل أن يوجد “دوارٌ ناء” على بعد خطوات من وهج ساحة جامع الفنا؟ سؤال يفرض نفسه بقوة وأنت تطأ أقدامك “عرصة مولاي بوعزة 2”. هنا، على بعد عشر دقائق فقط من الساحة التي تضج بالحياة وتجذب سياح العالم، تتوقف عقارب الزمن لتروي حكاية تهميش وإقصاء في قلب المدينة الحمراء.

فبمجرد دخولك أزقة العرصة، التابعة للملحقة الإدارية باب غمات، تستقبلك الأتربة والغبار المتطاير بدلا من الأسفلت. لا أثر للتبليط، وكأن المكان لم يصله قطار التنمية الحضرية. تتوسط المشهد برك من المياه الآسنة التي تحولت إلى مرتع للحشرات، ومطرح نفايات عشوائي تفوح منه روائح تزكم الأنوف، شاهدة على وضع بيئي كارثي يعيشه السكان يوميا.

“الحشرات أصبحت جزءا من عائلتنا”، بهذه الكلمات الممزوجة بابتسامة حزينة، استقبلتنا السيدة فاطمة، وهي تشير بيدها إلى مستنقع صغير قرب بيتها وتكمل همسا: “في الصيف، نعيش في رعب من العقارب والأفاعي، وفي الشتاء، تداهمنا المياه العادمة. اعتدنا على الروائح، لكن زوارنا لا يصدقون أننا هنا، على مرمى حجر من جامع الفنا”. ثم تدعونا إلى بيتها لترينا الحقيقة المرة، وتتساءل بمرارة: “واش حتى الماء الصالح للشرب محرومين منو؟”.

على بعد أمتار، يقف تاجر محلي، والقلق يلمع في عينيه وهو يروي كيف هجر الزبائن محله، قائلا: “يأتي السائح مرة بدافع الفضول، لكنه لا يعود أبدا. من سيعود إلى مكان كهذا؟ الوضع هنا طارد لأي زائر”، ثم يختم حديثه بنبرة غاضبة: “نحن نعيش تهميشا حقيقيا، ولا حول لنا ولا قوة”.

صوت آخر ينضم إلى المشهد، يعكس يأسا طويلا، حيث يقول أحد السكان بأسف: “من العار أن نكون بلا ماء صالح للشرب في مدينة سياحية عالمية تستضيف كبرى الأحداث الدولية. حياتنا تدور بين التراب والنفايات. نحاول أحيانا تنظيف المكان بجهودنا الخاصة، لكن الشاحنات تأتي كل يوم لترمي نفايات جديدة من مناطق أخرى… تعبنا، تعبنا”.

القلق الأكبر، كما يُجمع السكان، هو على أطفالهم الذين يلعبون وسط هذه المخاطر البيئية، معرضين للأمراض والأوبئة، حيث تحولت “عرصة مولاي بوعزة” إلى بؤرة تلوث تهدد صحة الجميع، وسط صمت مطبق من الجهات المسؤولة يزيد من شعورهم بالظلم والإحباط.

لم يستسلم السكان، بل طرقوا الأبواب الرسمية. بين أيديهم نسخ من طلبات ومراسلات موجهة للسلطات، يطالبون فيها بأبسط حقوقهم؛ ربط المنطقة بشبكة الماء الصالح للشرب والصرف الصحي، وإدماجهم ضمن مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لكن كل تلك الأوراق، كما يقولون، بقيت حبرا على ورق، حبيسة الأدراج، ولم يتلقوا أي جواب أو التفاتة.

وبينما تتلألأ أضواء الفنادق الفاخرة وساحة جامع الفنا على بعد دقائق، يظل سكان “عرصة مولاي بوعزة” غارقين في الظلام والعزلة، يتساءلون إلى متى سيبقون “دوارا” منسيا في قلب مدينة لا تتوقف عن الحركة.

تعليقات الزوار