تعد اللغة السياسية أحد المكونات الأساسية في بناء الرأي العام داخل المجتمعات الحديثة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المواقف والتصورات، ولكن تتجاوز ذلك لتصبح أداة لتشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الجمهور، فهي لغة مليئة بالرموز والدلالات، تتداخل فيها الأبعاد اللغوية بالتأثيرات الاجتماعية والنفسية والسياسية، مما يجعل عملية تأويلها رهينة بالسياق الذي تنتج فيه وتتلقى ضمنه، ومن هنا تنبع أهمية دراسة الخطاب السياسي بوصفه فعلا تداوليا ينتج المعنى، خاصة حين يتحول سوء الفهم أو الإنزياح في التأويل إلى مصدر للأزمات داخل المجتمع، كما يتجلى ذلك في بعض النماذج التي عرفها المشهد السياسي المغربي المعاصر.
في هذا الإطار أثار تصريح النائب البرلماني أحمد التويزي خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 جدلاواسعا حول تعبير ‘تطحن الورق’، التي تم تأويلها من قبل بعض الوسائط الإعلامية والجمهور على نحو حرفي وكأنها اتهام مباشر بخلط مواد غير صالحة بالدقيق الموجه للاستهلاك، غير أن المقصود بالعبارة حسب السياق الخطابي هو التلاعب في الوثائق والفواتير، وهذا يحيلنا إلى إشكالية الفهم والسياق في الخطاب السياسي المغربي.
ومن منظور علمي وتقني ، فإن الإجتهاد في تأويل عبارة مجازية إلى فعل مادي مثل طحن الورق وخلطه بالدقيق يفتقر إلى أي أساس واقعي، فالورق مادة مكونة أساسا من السليلوز ومضافات كيميائية وأصباغ ولاصقات لا يمكن أن تندمج في خواص الدقيق الفيزيائية أو الغذائية، كما أن أي مزج مزعوم سيكون قابلا للكشف بسهولة عبر الملاحظة أو التحليل المخبري، فضلا عن كونه يشكل خطرا صحيا واضحا، ويظهر هذا البعد العلمي أن القراءة الحرفية لمثل هذه التعابير تكشف ضعف الحس التأويلي والافتقار إلى فهم طبيعة المجاز السياسي، مما يحول الانشغال بالمعنى الرمزي إلى جدل حول وقائع متخيلة لا أساس لها.
من الناحية اللسانية ينتمي تعبير ‘تطحن الورق’ إلى ما يعرف في التداولية بالاستعارة الشعبية أي التعبير المجازي الذي يستمد معناه من اللغة اليومية المتداولة، ففي معرض كلامه عن الدعم العمومي إستعمل التويزي هذه العبارة للدلالة على التزوير أو التلاعب بالوثائق الرسمية، لا على الفعل المادي لطحن الورق، غير أن الانتقال من الفضاء البرلماني السياسي إلى الفضاء الإعلامي الرقمي المفتوح جعل الخطاب يفقد مرجعيته الأصلية، فتم استقباله وفق منطق القراءة الحرفية لا المجازية.
من زاوية تحليل الخطاب يمكن القول إن هذا الحدث يكشف عن غياب الحس التأويلي الجاد في استقبال الخطاب السياسي، فالمتلقي في زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبح خاضعا لمنطق السرعة لا لمنطق الفهم، ولمنطق الإثارة لا لمنطق التحليل، وهكذا تتحول الاستعارة إلى تهمة، والعبارة إلى قضية، والكلمة إلى أزمة، لأنه أصبح وسيط النقل (الإعلام الرقمي) يشتغل وفق آليات انتقائية تختزل القول في جملة مثيرة وتغيب السياق التداولي الذي يمنحه معناه الحقيقي.
ومن منظور سوسيولوجيا الإعلام يمكن تفسير تضخيم العبارة بآلية تعرف بدينامية التضخيم الإعلامي، حيث تتحول عبارة جزئية إلى عنوان مثير في الفضاء العمومي، فالمنصات الرقمية أعادت إنتاج المعنى خارج سياقه الخطابي لتمنحه بعدا آخرا يخاطب العاطفة أكثر من العقل كمنتوج إعلامي موجه للاستهلاك لا للفهم، وبذلك تحول المجاز إلى قضية عامة وأصبح الموضوع الأصلي أي مراقبة منظومة الدعم غائبا خلف الضجيج التأويلي، فأصبح الفاعل السياسي موضوعا للتجريم الرمزي بدل أن يكون طرفا في نقاش عقلاني حول قضايا السياسات العمومية.
إن هذا الجدل يضعنا أمام سؤال أعمق يتعلق بالمسؤولية التواصلية في الفضاء العمومي: هل المسؤولية تقع فقط على المتكلم أم تمتد أيضا إلى المتلقي؟ الواقع أن الفعل الخطابي في السياسة هو عملية تفاعلية لا تكتمل إلا بوجود وعي لغوي متبادل بين الطرفين، فكما يجب على السياسي أن يدرك وزن عباراته في سوق المعنى العمومي، على الإعلامي خاصة والمتلقي عامة أن يمتلكا أدوات القراءة النقدية التي تميز بين المجاز والحقيقة، وبين الخطأ في الفهم والتحريف في التأويل.
وما يؤكد عمق هذه الإشكالية أن المشهد السياسي والإعلامي في المغرب شهد في الآونة الأخيرة حالات مشابهة من سوء تأويل الخطاب السياسي، إذ رأينا كيف أول خطاب رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران تأويلا سلبيا اتجاه نائبة برلمانية في مشهد اعتبر مخلا بالذوق العام، وهو ما أثار ردود فعل واسعة تجاوزت مضمون الخطاب إلى جدل حول النوايا والرموز، كما تابع المشاهدون في بث مباشر ضحك الصحافي يونس دافقير في مشهد عفوي على كلمة قالها الدكتور عمر الشرقاوي، ثم عقب على ضحكه الصحافي رضوان الرمضاني في نموذج آخر يدل على أنه يمكن بروز التفاعل السطحي والتأويل الرمزي في بعض الأحيان على حساب النقاش الموضوعي، تقييم هذه الأمثلة يبين بوضوح كيف أصبح المشهد السياسي والإعلامي يعيش على وقع القراءة الانتقائية والالتقاط الجزئي مما يفرغ الخطاب من عمقه الدلالي ويحوله إلى مادة للجدل لا للمناقشة المسؤولة.
وعليه ، يوضح تحليل هذا الجدل القائم كيف يمكن لتعبير مجازي بسيط أن يتحول في غياب الوعي التداولي والإعلامي إلى أزمة كبيرة تمس صورة الفاعل السياسي والدولة معا، فالمسألة لا تتعلق بالقول في حد ذاته ولكن بمنظومة التلقي والتأويل التي تحيط به، حيث أن بناء ثقافة سياسية ناضجة يقتضي الاعتراف بأن اللغة المجازية جزء من التعبير السياسي وأن استيعابها يتطلب معرفة بسياقاتها عامة.
فلقد أظهر هذا الحدث عن أزمة عميقة في التفاعل بين الخطاب السياسي والمتلقي سواء كان عاديا أو ربما إعلاميا، حيث بدا من الضروري تكريس ثقافة تحليل الخطاب بدل ثقافة الإجتزاء (تقطيع المقاطع) التي يراد منها في الغالب تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو مكاسب سياسية آنية، فالكلمة السياسية حين تجزأ من سياقها تفقد وظيفتها المراد منها وتتحول إلى أداة لإنتاج الإلتباس.
ومن منطلق المسؤولية المؤسساتية، فإن مثل هذه القضايا التي تثير جدلا واسعا حول معاني العبارات السياسية ( خاصة وأنها تتعلق بالأمن الغذائي الوطني ) تستدعي من الجهات المختصة فتح بحث قضائي لتوضيح الحقائق وطمأنة الرأي العام الوطني، بما يضمن عدم ترك المجال للتأويلات أو الاتهامات المجانية، فحضور البعد القانوني في معالجة هذه الإشكالات لا يعني تجريم الخطاب، بقدر ما يهدف إلى ترسيخ الثقة في المؤسسات وتعزيز الشفافية التواصلية بين الفاعلين السياسيين والمواطنين، حتى لا تتحول اللغة السياسية إلى مصدر للريبة أو التشويش بدل أن تكون وسيلة لبناء الثقة والاستقرار داخل الوطن.
إن تتبع مسارات الخطاب السياسي المغربي يرسخ بوضوح أن الخطاب الملكي يشكل النموذج الأعلى في ممارسة القول السياسي الرشيد، بما يتسم به من دقة في المفهوم، واعتدال في النبرة، واستشراف في الرؤية، فهو خطاب يتجاوز حدود التفاعل اللحظي ليؤسس لبنية فكرية وأخلاقية قادرة على توجيه الفعل العمومي وضبط إيقاع النقاش الوطني ضمن أفق مؤسساتي منضبط، ومن هذا المنظور يمثل الخطاب الملكي مرجعية عليا في بناء لغة سياسية مسؤولة تستند إلى قيم الدولة والمصلحة العامة، وتوازن بين الصراحة في التشخيص والحكمة في المعالجة، واستشرافا للمستقبل فإن ترسيخ هذا النموذج في الممارسة السياسية والإعلامية يشكل رهانا أساسيا لبناء ثقافة تواصلية ناضجة، تجعل من الكلمة أداة للتنمية والإصلاح، لا وسيلة للتأويل المغلوط أو التهييج، وبذلك يظل الخطاب الملكي معيارا لسمو القول وانضباط المعنى في الفضاء العمومي المغربي.