مقدمة عامة: مأسسة الحل السياسي والتحول في المرجعية الأممية
يمثل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (S/2025/612) ومسودة قرار مجلس الأمن المصاحبة له نقطة ارتكاز سنوية لتقييم التطورات في النزاع الإقليمي المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية. تنتقل المرجعية الدولية، كما يظهر من الوثيقتين، من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة مأسسة الحل السياسي كأفق أوحد للتسوية.
تعتمد هذه الورقة منهجية تحليلية نقدية تستند إلى المرجعية الوطنية المغربية الثابتة التي تعتبر ملف (“الصحراء الغربية”) التسمية الواردة في التقرير صحراء مغربية وقضية وجود وسيادة، ولا تقبل المساس بالوحدة الترابية. يتم تحليل الوثيقتين في ضوء مرجعية الحل الواقعي والعملي (مقترح الحكم الذاتي)، مع إبراز الجوانب الإيجابية التي تخدم هذا المسار، وتضمين المقتطفات من الخطب الملكية السامية كمرجعية دستورية عليا. تنقسم القراءة إلى قسمين رئيسيين: الأول للتقرير الأممي، والثاني لمسودة القرار.
القسم الأول: قراءة تحليلية نقدية لتقرير الأمين العام (S/2025/612)
تُمثل تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، الصادرة عملاً بقرارات مجلس الأمن (مثل القرار 2756)، الوثيقة المرجعية الفنية والسياسية الأهم في مسار نزاع الصحراء المغربية. لا يقتصر دور هذا التقرير على كونه سرداً وصفياً للحالة الميدانية وعمليات بعثة المينورسو، بل يتعداه ليُشكل الأساس المعرفي والمنهجي الذي يستند إليه أعضاء مجلس الأمن في صياغة القرارات اللاحقة. تبرز أهميته في كونه يحدد الأجندة، ويؤطر النقاش حول جدوى الحلول المقترحة، ويقيّم مدى التزام الأطراف، مما يجعل قراءته النقدية خطوة لا غنى عنها قبل تحليل القرار نفسه. وعليه،
يتناول هذا القسم تحليل تقرير الأمين العام (S/2025/612) عبر أربعة محاور أساسية: تحديد الإطار العام الذي يحكم تعامل المغرب مع الوثيقة، ثم إبراز الجوانب الإيجابية التي تضمنها التقرير والتي تخدم مسار الحل السياسي، وأخيراً، تقديم قراءة نقدية أكاديمية تفكك التقرير على مستويات السياسة، والعمليات، والتنمية، وتُختتم بتوصيات موجهة للأمين العام.
أولاً: الإطار العام والمنظور المغربي
يرتكز الموقف المغربي على حقيقة سيادته الكاملة والتاريخية على أراضيه، واعتبار مقترح الحكم الذاتي، الذي قدمته المملكة عام 2007، هو الحل الوحيد الجدي والمصداقي لحسم هذا النزاع. يتم التعامل مع التقرير (S/2025/612) بوصفه أداة لتقييم مدى تقدم العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي، انطلاقاً من المبادرة المغربية، بينما يظل استخدام مصطلح (“الصحراء الغربية”) إجراءً وصفيًا إداريًا لوجود البعثة (MINURSO).
ثانياً: الجوانب الإيجابية البارزة في التقرير
- تأكيد الأولوية للحل السياسي: يُبرز التقرير التركيز على “حالة العملية السياسية”، مما يعكس تحول مجلس الأمن نحو إيجاد حل سياسي واقعي وعملي يرتكز على التسوية والتوافق، متطابقاً مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
- الالتزام الدولي المتجدد: الإشارة إلى أن “الالتزام الدولي المتجدد ساهم في الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لإحراز تقدم في العملية السياسية”، تُعد نقطة قوة، حيث يرى المغرب فيها اعترافاً متزايداً بوجاهة مقترحه.
- دور البعثة في تثبيت الاستقرار: يُعتبر استمرار ولاية البعثة إيجابياً من حيث حفظ الأمن والاستقرار ومراقبة وقف إطلاق النار، مع الإشارة إلى التوترات والأعمال العدائية المنخفضة الحدة التي يرتكبها الطرف الآخر، مما يضع المسؤولية على الطرف المخالف للاتفاق.
ثالثاً: القراءة النقدية للتقرير
تتطلب مقاربة تقارير الأمين العام قراءة متجاوزة للمستوى الوصفي، وتتم عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
- التحليل النقدي لـ “العملية السياسية” (المستوى السياسي والإجرائي): يظل التقرير وصفياً ولا يقدم تحليلاً عميقاً للعوائق (جمود الطرف الآخر)، ويغفل الإشارة الصريحة الكافية إلى مقترح الحكم الذاتي بوصفه الأساس الواقعي للتفاوض.
- نقد المرجعية القديمة للبعثة (المستوى العملياتي): يظل الاسم الرسمي للبعثة مرتبطاً بـ “الاستفتاء”، وهو إشكال نظري، إذ لم يعد الهدف واقعياً. كان ينبغي للتقرير أن يعكس التباين بين مهمة البعثة الفعلية (مراقبة وقف إطلاق النار) وبين تسميتها القديمة.
- الإغفال التنموي (المستوى الاقتصادي): يفوت التقرير فرصة إبراز التطور الاقتصادي والاجتماعي الهائل الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، مما يُعد قصوراً، خاصة أن التنمية هي عنصر أساسي في تثبيت الاستقرار واستدامة الحل السياسي.
رابعاً: التوصيات الموجهة للتقرير الأممي
- تغيير مصطلح البعثة (MINURSO): ضرورة مراجعة اسمها ليصبح أكثر مواءمة مع ولايتها الفعلية وروح قرارات مجلس الأمن.
- الإقرار الصريح بالحل العملي: التوصية بأن يتم الإشارة بشكل أكثر صراحة ووضوح إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 بوصفه “الحل الجدي والمصداقي”.
- مساءلة الطرف المعرقل: ضرورة أن يتضمن التقرير آليات واضحة لتحديد ومساءلة الطرف الذي يعرقل استئناف المفاوضات على أساس الموائد المستديرة.
- إدراج البعد التنموي: التوصية بإضافة قسم منهجي في التقارير القادمة يُعنى بتقييم التطور التنموي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية.
- دعوة واضحة لإحصاء المحتجزين: إعادة التأكيد على المسؤولية الإنسانية للطرف المضيف (الجزائر) بضرورة السماح بإجراء إحصاء وتسجيل لسكان مخيمات تندوف.
القسم الثاني: قراءة تحليلية نقدية لمسودة مشروع قرار مجلس الأمن
تُعتبر مسودة مشروع القرار هذه (الذي تم النظر فيه بعد التقرير S/2025/612) نقطة تحول منهجية، حيث أنها تُحوّل التوجهات العامة للتقرير إلى إجراءات عملياتية ملزمة، وتؤكد على تزايد القناعة الدولية بأن الحل يكمن في إطار السيادة المغربية.
نخصص هذا القسم لقراءة تحليلية معمقة لمسودة مشروع قرار مجلس الأمن، التي تُحوّل توصيات التقرير إلى التزامات عملياتية. وتنقسم هذه القراءة إلى محاور تركز على: تحليل الفقرات التمهيدية (PP) واستخلاص المكاسب السيادية، وتفكيك الفقرات التنفيذية (OP) لبيان توجيهها للعملية نحو الحكم الذاتي، ودعم هذا التحليل بمقتطفات من الخطب الملكية التي تُعد المرجعية العليا للدولة.
أولاً: الثوابت المؤكدة ومكاسب المرجعية (قراءة في الفقرات التمهيدية – PP)
- مركزية الحل السياسي القائم على التوافق (PP3): الفقرة تؤكد الالتزام بالتوصل إلى حل “على أساس التوافق”، وتصُبّ في خانة إنهاء مرحلة الخيارات غير الواقعية، مع الإشارة إلى “الزخم الحالي”، مما يدفع نحو استغلال الظروف الدبلوماسية الراهنة للحسم.
- التتويج الصريح لمقترح الحكم الذاتي (PP4): هذه الفقرة تمثل مكسباً جوهرياً، حيث إنها تُعلي من شأن المبادرة المغربية بإشارتها إلى الدعم الذي أعربت عنه العديد من الدول، وتأكيدها أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكّل الحل الأكثر قابلية للتطبيق”.
- تثبيت مسؤولية الجزائر (PP2): الإشارة إلى مواصلة المشاورات بين المبعوث الشخصي والمغرب و”جبهة البوليساريو” والجزائر وموريتانيا، تكرس الصيغة المغربية التي تُبقي على الجزائر كطرف رئيسي معني ومسؤول عن هذا النزاع.
ثانياً: توجيه العملية السياسية نحو الأفق المغربي (قراءة في الفقرات التنفيذية – OP)
- المرجعية الملزمة للتفاوض (OP2 وOP3): القرار يضع مقترح الحكم الذاتي كنص تأسيسي للمفاوضات، حيث يدعو الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات “دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي” (OP3)، ويطالب بتقديم مقترحات “استجابةً لمقترح الحكم الذاتي” (OP2)، مما يُغلق الباب أمام الأطروحات الانفصالية.
- ربط مستقبل البعثة بنجاح الحل (OP5): يطلب القرار من الأمين العام مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل بعثة المينورسو “آخذًا في الاعتبار نتائج المفاوضات”. هذا يربط وجود البعثة وزوالها بتحقيق الحل السياسي، مما يعني أن نجاح المفاوضات بناءً على الحكم الذاتي سيؤدي إلى إنهاء ولاية المينورسو.
ثالثاً: دعم الموقف بالمقتطفات من الخطب الملكية السامية
تُعد الخطب الملكية الثوابت المرجعية التي تمنح التفاوض المغربي شرعيته وقوته، مؤكدة على أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي السقف الأقصى لأي تفاوض:
“الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود. والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.” (من الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء)
“إن تشبثنا بمغربية صحرائنا، لا يعادله إلا حرصنا على إيجاد حل سياسي تفاوضي، للنزاع المفتعل حولها، يخول أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، يضمن لسكانها تدبير شؤونهم الجهوية، في نطاق سيادة المملكة، ووحدتها الوطنية والترابية.” (من الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 30 للمسيرة الخضراء)
الخاتمة العامة والخلاصة التنبؤية: حتمية الحل في إطار السيادة
بعد مرور ما يقارب خمسين سنة على افتعال هذا النزاع، تُظهر القراءة التحليلية لتقرير الأمين العام ومسودة قرار مجلس الأمن بوضوح تضاؤل جدوى الأطروحات الانفصالية، وتتجه نحو تثبيت الحكم الذاتي كمرجعية إجبارية.
يتمثل الطموح المغربي المشروع في أن تكون الفترة القادمة هي مرحلة الحسم النهائي التي تتجاوز جمود الإجراءات الأممية القديمة. ويتنبأ هذا التحليل بأن المسار الذي رسمته قرارات مجلس الأمن، بتثبيتها لمقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للتفاوض، يجعل من الحل ضمن السيادة المغربية أمراً محتوماً. إن النجاح الدبلوماسي في جعل الحكم الذاتي هو الأساس والنتيجة الأكثر قابلية للتطبيق يُغلق الباب أمام الأطروحات غير الواقعية، ويؤكد أن المستقبل، بعد نصف قرن من الافتعال، هو مستقبل الصحراء المغربية المتحدة، حيث يصبح تطبيق الحكم الذاتي هو الإطار الذي ينهي ولاية المينورسو ويحقق التنمية المستدامة.