ليس كل انتصار صاخبا، وليست كل معركة تُحسم بالسيوف. هناك انتصارات تُنسج خيوطها على مدى عقود، في هدوء ودهاليز الدبلوماسية، وعلى أرض الواقع الذي يُبنى لبنة لبنة. هذا هو جوهر “الصبر الاستراتيجي” الذي مارسه المغرب ببراعة فائقة، والذي أعلن الملك محمد السادس في خطابه التاريخي عن تتويجه، معلنا دخول قضية الصحراء المغربية “زمن الحسم”.
ففي تاريخ الأمم، ثمة لحظات فارقة لا تقاس بساعة أو يوم، بل بما تفتحه من آفاق وما تطويه من صفحات. فالخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى الأمة لم يكن مجرد تعليق على قرار أممي، بل كان إعلانا رسميا بأن التاريخ قد بدأ يكتب الفصل الأخير في ملحمة الصحراء المغربية؛ فصلٌ عنوانه “الفتح المبين” ومنطقه “الحسم الهادئ”.
إن مفهوم “الصبر الاستراتيجي” ليس مجرد انتظار سلبي للظروف المواتية، بل هو عمل دؤوب، متعدد الواجهات، يستند إلى رؤية بعيدة المدى وإيمان مطلق بعدالة القضية. فعلى مدى سنوات، كان المغرب يبني انتصاره بهدوء، مرتكزا على 3 محاور متكاملة كتبت مجتمعة الفصل الأخير من هذا النزاع المفتعل.
الأول؛ بناء الشرعية الدولية بصبر الدبلوماسي الحكيم. إذ لم ينجر المغرب يوما وراء الحلول الانفعالية أو المواقف المتشنجة، فبدلا من ذلك، عمل على بناء تيار دولي متنامٍ يرى في مبادرة الحكم الذاتي الحل الأكثر واقعية ومصداقية.
كانت كل قنصلية تُفتتح في العيون أو الداخلة، وكل اعتراف دولي بسيادة المغرب، وكل موقف داعم من قوة عظمى، بمثابة سطر جديد يُضاف إلى حجة المغرب القانونية والسياسية.
لقد أدركت الدبلوماسية المغربية أن الزمن عامل حاسم، وأن كسب العقول في عواصم العالم لا يقل أهمية عن كسب المعارك على الأرض. واليوم، لم يعد مجلس الأمن يتحدث عن “حلول ممكنة”، بل عن إطار “وحيد” و”واقعي”، وهو ما يمثل ذروة هذا الصبر الدبلوماسي.
الثاني؛ بناء “أمر واقع” تنموي لا يمكن تجاوزه. فبالتوازي مع العمل الدبلوماسي، كان المغرب يخوض معركة أخرى أكثر أهمية؛ معركة التنمية. فبينما كان الخصوم يستثمرون في أيديولوجيا الانفصال البائدة، كان المغرب يستثمر في بناء الإنسان والعمران.
لقد حوّل المغرب الصحراء من أرض قاحلة متنازع عليها إلى ورشة بناء عملاقة، وقطب اقتصادي عالمي، وجسر يربط أوروبا بعمقها الإفريقي. فميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الطاقة المتجددة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية لم تكن مجرد مشاريع اقتصادية، بل كانت أفعالا سيادية بامتياز، رسخت مغربية الصحراء في الواقع اليومي لمواطنيها وجعلت أي حديث عن الانفصال ضربا من الخيال لا يلامس طموحات وتطلعات الساكنة.
الثالث، الحكمة في إدارة الانتصار، إذ إن القوة الحقيقية لا تكمن في تحقيق النصر فحسب، بل في كيفية إدارته. وفي هذا السياق، يأتي الخطاب الملكي ليقدم درسا في الرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى.
فبدلا من لغة التشفي أو الغرور، مد المغرب يده مرتين؛ يدا رحيمة لإخوانه في مخيمات تندوف، داعيا إياهم لاغتنام “فرصة تاريخية” للالتحاق بوطنهم والمساهمة في بناء مستقبلهم في ظل الكرامة والمواطنة الكاملة.
ويدا أخوية صادقة إلى الجارة الجزائر، داعيا إياها إلى حوار شجاع لتجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك قائم على الثقة وحسن الجوار. إنها رسالة واضحة: المغرب لا يبحث عن “غالب ومغلوب”، بل يسعى إلى منطقة مغاربية مستقرة ومزدهرة للجميع.
لهذا السبب، فإن عبارة الملك الحاسمة “هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده” ليست مجرد تأريخ، بل هي ترسيم لخط فاصل بين زمنين؛ زمن إدارة النزاع، وزمن إدارة الحل. لقد انتهى زمن الترقب، وبدأ زمن تكريس الحقائق على الأرض وفي المحافل الدولية.
اليوم، يقف المغرب قويا بوحدته الوطنية، وبإجماع شعبه، وبتضحيات قواته المسلحة الملكية، وبدعم حلفائه الدوليين. الخطاب الملكي لم يكن مجرد احتفاء بإنجاز، بل كان تدشينا لمرحلة جديدة من العمل الجاد. مرحلة سيتم فيها تفصيل وتفعيل الحكم الذاتي، وطي صفحة الماضي الأليمة، والتركيز على البناء والتنمية.
لقد حان الوقت ليفهم الجميع أن قطار المستقبل قد انطلق، وأن المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة ليس مجرد شعار، بل حقيقة راسخة يكرسها التاريخ، ويدعمها القانون الدولي، ويحميها شعب أبيٌّ وملك حكيم. فزمن الترقب قد ولى، وحان وقت العمل والبناء في ظل مغرب موحد ومكتمل السيادة.