في المشهد السياسي المغربي، يبرز منذ سنوات تيار مشبوه، يصوغ حضوره عبر خطاب متوتر يضع الدولة والمجتمع على محك النقد المستمر. يتغذى من التشكيك وينشر السلبية، متخفياً وراء شعارات الحرية والعدالة والكرامة، بينما يقوم جوهره على تفكيك الثقة وإفراغ الفعل السياسي من محتواه. يمكن تسمية هذا التيار اليوم بـ”الطابور الخامس” في السياسة المغربية: عقلية تهدف إلى هدم البناء واستبداله بثقافة النفي والإنكار.
يتكوّن هذا الطابور من سياسيين ومثقفين وإعلاميين يقدمون أنفسهم كضمير المجتمع، ويعملون على إضعاف المشاريع الوطنية طويلة المدى. يحرصون على الظهور بمظهر المتنورين، ويصوغون خطابات عن الإصلاح والشفافية، غير أنّ مضمونها يضعف الثقة في المؤسسات ويشوّه صورة المبادرات، ويشيع شعور العجز أمام التغيير. يتحوّل النقد لديهم إلى أداة تدمير بطيء تضرب في العمق الوجداني للمجتمع وتبعد المواطن عن محيطه العام.
العدمية السياسية التي يقودها هذا التيار تقوم على تفريغ الأحداث والمعاني من مضمونها. ومع تراجع الثقة في قيمة الأفعال، يضعف الفعل الجماعي، ويصبح الواقع مظلمًا في نظر التيار، متغذيًا من التشكيك والإحباط، ويحوّل الإنجازات وخطوات الإصلاح إلى أهداف للنقد والسخرية. ينشط الطابور الخامس في الفضاء العام بلا تنظيم رسمي، مستهدفًا بث الفوضى في وعي المجتمع وتقويض الثقة بالدولة.
يجد هذا التيار جذوره في الإرث الأيديولوجي لأواسط القرن العشرين، حين رفعت الحركات الثورية شعارات التحرر الشامل وبشّرت بالعدالة المطلقة، فانبثقت أوهام عن إمكانية بناء الجنة الأرضية عبر الصدام. تحوّلت تلك الشعارات إلى أدوات لتبرير الفوضى ومنح المزايدات الفكرية غطاءً أخلاقيًا، ويعيد الطابور الخامس تدوير هذه المفردات القديمة في سياق جديد، وكأن الزمن توقّف عند مرحلة اليوتوبيا الثورية. المغرب الراهن اختبر معنى الإصلاح التراكمي ووعى أنّ البناء يحتاج إلى صبر وتدرّج، لا إلى هدم متسرّع باسم المثال.
الخطاب العدمي يظهر في مقالات الرأي ومنصات التواصل والنقاشات العامة، مقدّمًا نفسه كصوت الضمير، بينما يعيد إنتاج ذهنية ترى الدولة خصمًا طبيعيًا، ويحوّل السياسة إلى مسرح دائم للمواجهة الرمزية، تُلغى فيه إمكانات الحوار ويحل الاتهام محل النقاش. يتحول المثقف إلى داعية شك، والسياسي إلى خطيب غضب، والمجتمع إلى جمهور متعب يفقد الثقة.
تكمن خطورة هذا التيار في تحويل الخلاف السياسي إلى قناعة وجودية. مع سيطرة شعور بأنّ المؤسسات متواطئة وأنّ الإصلاح غطاء للتضليل، يضعف منطق المشاركة والإيمان الجماعي بالممكن. يحتاج الطابور إلى أفكار تغزو العقول بهدوء، تنشر الإحباط وتستبدل الأمل بالريبة، وبذلك يفقد المجتمع مناعته، لأنّ الثقة هي العمود الفقري لأي مشروع وطني.
يمتد تأثير الطابور الخامس إلى الخارج، حيث يضم أفرادًا ذوي خلفيات إجرامية وسوابق قضائية استغلوا منصات الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي ليقدموا أنفسهم كـ”مناضلين” عبر الشاشة، وينشروا سمومهم وأفكارهم الخبيثة في المجتمع المغربي. هؤلاء استغلوا الإعلام الرقمي لتحويل مصالحهم الشخصية إلى أدوات تأثير، ويكرّسون من خلالها التشكيك والتحريض، مما يساهم في تضليل الرأي العام وإضعاف التوازن الوطني بشكل محدود ولكنه مقلق.
هذا التيار يجد بيئته في الأزمات الناتجة عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ويحوّل كل توتر أو تعثر إلى دليل على انهيار المنظومة. يستثمر لحظات الارتباك لتعميم صورة مظلمة عن الواقع، ويحوّل النقاش حول السياسات العمومية إلى معركة حول النوايا، مُفرغًا الجدل السياسي من محتواه العملي.
العدمية تنظر إلى الدولة كبنية جامدة، وتعتبر كل إصلاح تهديدًا لسرديتها القائمة على الإخفاق، فتعيش من خلال الأزمة وتحافظ عليها حيّة في وعي المجتمع. التجارب التاريخية تظهر نتائج كارثية لهذا النهج، كما في أوروبا الشرقية والدول العربية، حيث عطّلت أنظمة مغلقة الإبداع وأفرغت الحرية وأدت الصدامات الداخلية إلى انهيار المؤسسات. المغرب اعتمد طريق التدرّج والإصلاح الذاتي، محافظًا على توازن دقيق بين الاستقرار والانفتاح، بينما يجد العدميون أنفسهم محصورين في بيئة الصدام.
يتحدث الطابور الخامس بلغة النقاء الأخلاقي ويقدّم نفسه كصوت الضمير، لكنه يعكس عجزًا عن الفهم التاريخي للتحول. المجتمعات تتغير تدريجيًا والدولة تُبنى عبر تراكم التجارب وإدارة ذكية للتناقضات. يختزل الخطاب العدمي الواقع في ثنائيات حادة، فيفقد السياسة معناها كأداة إدارة وحل.
يتغذى هذا النمط على الإحباط الناتج عن التحولات الاجتماعية، ويستغل الفجوات بين المطالب والإمكانات ليبني سلطته على تكرار الصور المثيرة والانفعالات. المجتمع المغربي اليوم يمتلك وعيًا أعمق، ويتيح التعدد والمشاركة مساحات لتطوير الدولة من الداخل، مما يقلص قدرة الطابور الخامس على التمدد.
المواجهة تتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتجديد اللغة السياسية لتفسير الإصلاحات بطريقة تصل إلى المواطن. التحدي الأكبر يتمثل في غياب المناعة الفكرية، إذ يتحول النقد العدمي إلى ثقافة مستمرة من الرفض والشك بدل البناء والمساءلة.
التصدي لهذه الظاهرة يحتاج إلى تربية سياسية وثقافية، وتعزيز الإعلام المسؤول، وإحياء الحس النقدي لدى المواطنين. المعركة الحقيقية اليوم تدور حول المعنى: المواطنة والمشاركة والإصلاح، واستعادة هذه القيم تُحدّ من قدرة العدمية على الهيمنة، وتحوّل النقد إلى طاقة بناء.
الطابور الخامس يمثل اختبارًا لمتانة الوعي الوطني، وقدرة المغرب على تحويل النقد إلى طاقة إصلاحية. العدمية الجديدة تعمل على تدمير الثقة وتحويل التوتر الاجتماعي إلى مشهد من اليأس العام، لكنها تصطدم بإرادة المجتمع المغربي وتجربة الدولة وتاريخها في الإصلاح التدريجي. المواجهة الحقيقية تتطلب تضافر جهود النخب السياسية والفكرية والإعلامية والمجتمع المدني، لترسيخ الثقة والوضوح والشفافية، وتحويل الخطاب إلى أداة لتعزيز الإنجاز. المستقبل يعتمد على قدرة المجتمع على التوازن بين النقد المسؤول وبناء الدولة، بين الاختلاف والوحدة، وتحويل التحديات إلى فرص للتقدم، ما يحول الطابور الخامس إلى مجرد صوت ضعيف أمام إرادة وطنية حية وفاعلة.