منتدى العمق

زايد .. ناقص

لقد أضحى الفعل الاحتجاجي طقسا مغربيا جديرا بإدراجه من لدن منظمة اليونيسكو في قائمة التراث الثقافي اللامادي، باعتباره من الممارسات والمهارات والتعبيرات المغربية التي انتقلت عبر الأجيال لتصل إلى جيل زيد، إذ لا يمر يوم دون تسجيل أشكال احتجاجية حول قضايا محلية أو وطنية أو دولية، على شكل إضراب أو وقفة أو مسيرة أو اعتصام، لتكسير روتين القعود ولوك الكلام وتحريك البرك الآسنة، ففي الحركة بركة، دون احتساب أشكال الاحتجاج الفردية والعائلية على شاكلة المقاطعة وتجميد أواصر التواصل، فللمغاربة تقاليد عريقة في هذا المجال. لقد مارس المغاربة الاحتجاج بكل صيغه، وتفننوا فيه داخل الروايات والشعر والنكت والأغاني، والفيديوهات والصور الساخرة في الواقع والمواقع، دون نسيان الكتابة على جدران المراحيض في الجامعات، وعلى المقاعد في الثانويات على شاكلة عبارة : اضغط هنا ليختفي الأستاذ.

هذه الدينامية الاحتجاجية التي صارت من صميم هوية المغاربة، تنم عن حجم الإشكالات والاختلالات والمظالم التي تحرك مكونات المجتمع المغربي في كل وقت وحين، وقد يحدث أن تصفو الأجواء من غبار جرجرة الأقدام وهرولة المتظاهرين في الشوارع خوفا من الهراوة، وتستريح الفضاءات العامة من الضجيج والعجيج، فتخال أن الأفواه لاذت إلى صمت مطبق، وأُخرست بعد إنهاك أو إلهاء، ولكن، بدون سابق إنذار، تنتفض الجموع فجأة منبعثة من بقايا دوار منسي، أو حي مهمش، أو مرفق عمومي مهترئ، أو جيل ساخط، فينهار جدار الصمت وتدور عجلة التظاهر من جديد. إن بذور الاحتجاج موجودة في تربة البلاد تنتظر في كل مرة جرعة ماء تفلقها لتخرجها من القوة إلى الفعل، في الظاهر رماد خامد، وفجأة تهبّ عليه ريح تسفيه لتَبرز الأحداق والحناجر المحتقنة كجمر متقد.

بعيدا عن نظرية المؤامرة والانسياق نحو موجة شبابية عالمية، وفي سابقة من نوعها، خرج جيل من المجتمع المغربي يشكل زهاء ربع أبنائه، رفع مطالب كلاسيكية : التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وطالب بإقالة الحكومة. يجسد هذا الجيل في غالبيته الجمهور الكروي، الذي أطرت وعيه شعارات الالتراس، ولأن العرق دساس، فقد تسللت إلى التركيبة الجينية لهذا الجيل جينات الاحتجاج، محملة بإحباطات الأجداد وأعطاب الآباء.

شاهد جيل زيد بدهشة، كيا أيها الناس، كيف بنت الدولة ملاعب كبيرة بمواصفات عالمية في وقت وجيز، وأطلقت ثورة في أوراش المونديال الكبرى دون تَذَرع بإكراهات الميزانية، وقارنها بسرعة السلحفاة التي وُسعت بها مراحيض الثانوية التي درس بها، وأربع حجرات دراسية لم يكتمل بناؤها منذ مونديال قطر، أما المأساة فهي موعد عملية جراحية لإزالة الزائدة الدودية الذي انتظرته والدته حتى انفجرت في أحشائها، ولسان زوجها بازايد يقول : ماكدو فيل زادوه فيلة، وهو يقصد فيل الزيادات والغلاء الذي يلتهم أجرته قبل رأس الشهر، لتنضاف إليه فيلة أعباء غسل أمعاء زوجته وفاتورة الأدوية وبروتوكولها العلاجي المكلف، وزيد وزيد…

لقد ظن جاري دازايد أن تسمية هذا الاحتجاج بالزيد Z، جاء للتنديد بالزيادات الصاروخية في المعيشة، ومازحته حين أخبرته بأن اسمه يشكل خطرا عليه، فالمنتفضون هم الزيديون، أي كل من يحمل اسم زيد، انفجر ضاحكا ورد المزحة بمثلها : ” هي نبدل السمية وندير بناقص “. وعندما أخبرته بأن الأمر يتعلق بجيل ينتمي إليه أبناؤه الأربعة، تأفف ممتعضا : هذا جيل زايد ناقص، لا زين لا زيد لا مجي بكري. جيل المطالبة بالحقوق والعجز عن أداء الواجبات، كسالى ينتظرونني في المساء لأنزل قنينة الغاز الكبيرة من درجين، وأحملها ممتلئة على كتفي بلا رحمة، وفي الصباح أتعب في إيقاظهم للالتحاق بالدراسة، وفي المساء يسمرون أعينهم في الشاشات ويتركون المصابيح مشتعلة إلى الصباح، ماذا تنتظر من جيل ينام نهارا ويقضي ليله في تفاهات التيكتوك والأنستغرام…

إن انتفاضة هذا الجيل يطبعها حماس الشباب واندفاعه العنفواني، يشتعل فجأة ويتأجج ثم ينطفئ سريعا كما بدأ، ولكنه كسائر الأجيال السابقة يضم طليعة واعية، أنتجت موجة تظاهر سلمي حضاري غير منتظر، والبقية الغالبة دفعتها الموجة، وحمل الانسياق السيكولوجي العاطفي للجماهير بعضهم إلى انفلاتات غير محسوبة العواقب. لكن الربح الكبير في هذه الطليعة الواعية التي يجب تأطيرها داخل المؤسسات واستثمار طاقتها الإيجابية، وإيمانها بقضايا البلاد وتحدياته وثوابته، ووعيها بتناقضاته واختلالاته، ورغبتها في الإصلاح وتحسين الأوضاع، يكفي أنهم قرعوا الأجراس، ونفخوا الروح في أملٍ مغربي شبابي متجدد، وضخوا دماء جديدة في مجتمع حي، وحركو عجلة المراقبة المجتمعية للشأن العام، وأثبتوا أن هناك حياة في جيل ظنناه سيظل قابعا داخل المنصات التواصلية يسب الظلام.